رواية : الجنود الستة

قلم مضطرب

:: عضو مُشارك ::
إنضم
16 جوان 2014
المشاركات
126
نقاط التفاعل
256
النقاط
13
(رواية : الجنود الستة)


- هناك أمرٌ دُبِر بِليل
- ماذا حدث في الدولة العربية ال 23


الدولة "العربية ال23" .. هي بلد تختلف عن بقية الدول الناطقة بلسان عربي .. أسسها مجموعة من القوميين العرب .. دستورها القرآن وتعاليمها السنة .. غنيةٌ بثرواتها ومعادنها تسبح فوق بحرٍ من النفط والغاز تمتاز بكثرة المياه ووفرة الزراعة وثروة حيوانية وغذائية مما جعلها من أقوى دول العالم أقتصادياً وأجتماعيا .

أهلها يعيشون في هدوءٍ ومحبة وسلام .. أشقاء مقربين من بعضهم .. قلوبهم بيضاء صافية سنين طويلة عاشوها في تسامح ومحبة وحرية وأحترام الآخر ونبذ الكراهية والعنف والطائفية القذرة التي دمرت جيرانهم العرب وأحدثت شرخاً كبيراً في الأمة الأسلامية جمعاء "شرخاً" لم يلتئم ولا أظنه كذلك .

قرر "رئيسهم المنتخب" أن تنظم بلاده إلى جامعة الدول العربية وتنخرط معهم وتفتح علاقات أقتصادية "وأجتماعية وثقافية ودينية" على أعلى الصعد وعلى كافة المستويات ومع جميع بلدان أمة العرب بلا أستثناء .

مرت سنةٌ وسنتين و"الدولة العربية ال23" تعيش أسوء فتراتها "أجتماعياً وأقتصادياً وأمنياً" إذ يبدو بأنها أبتليت بما أبتلي بها أخواتها في الوطن العربي .. حروبً طائفية وتصفية حسابات .. مظاهرات ومعارضة ومقاومة وفوضى وجماعات مسلحة وتنظيمات أرهابية ومرتزقة وأطماع دولٌ غربية "حشدت جيوشها على الحدود" .

بعد أن كانت البلاد تعيش أمن وسلام ورخاء يحسدها عليها بقية الشعوب .. تحول النعيم إلى جحيم وأصبحت الدولة تعيش حرب أستنزاف مع الجميع وقبل كل ذلك تعيش الحرب مع أبناءها .. أبناء الوطن الواحد إذ يبدو وكأنهم أقسموا قسمً وحلفوا يميناً بألا يتركوا بلادهم لتنام ليلها وتبني مجتمعها وحضارتها وتستفيد من ثرواتها مرة أخرى .. كانوا ينتقمون من محبتهم الماضية والسلام والهدوء الذي عرفوه من قبل ولم يعرفه أحدٌ غيرهم .. دهنت قلوبهم البيضاء سوادً .

كل شروق شمس تطل عليهم كانت تزيد من لهيب النيران والحرائق وأصوات الرصاص والمدافع وأعداد القتلى والضحايا والفصائل المسلحة , وطامة أخرى حلت بهم إذ أجتاح بلادهم "جيش محتل" ليقطع لنفسه شيئاً من بقايا الكعك التي أقتسمها جميع من يحمل السلاح ويمتلك موازين القوة ويتسلط على الأبرياء والمساكين الذين لا يعرفون لما يحدث لهم كل ذلك ؟

كان العقيد "أسحاق" وجنوده الخمسة "وائل وفلاح وجمعه وبسام وعاصم" قد أسندت إليهم مهمة حماية "مبنى وزارة النفط" لإهميتها الأقتصادية وأيضا موقعها الأستراتيجي في العاصمة فهي "تطل على أربعة شوارع رئيسية" .. وكانت الأوامر لهم صارمة جدا "أن يحمون مبنى الوزارة حماية مشددة للغاية وألا يغادروا أماكنهم تحت أي ظرف" خوفا من أن تطالها أيادي العابثين والمخربين والفوضويين .

الأيام السوداء تمر والحرب يزداد سعيرها أكثر من ذي قبل .. معظم المدن الكبرى سقطت في أيدي المعارضة ومحافظات كثيرة سيطر عليها جيش الأحتلال والقرى هي الأخرى دخلها المرتزقة والأرهابيين ومناطق متفرقة "ذات أغلبية" أحتلتها قوات طائفية . كانت جثث القتلى ممددة على جنبات الطريق بلا غسلٍ وبلا كفنً وبلا قبر ولا أحد يعرفهم .. يمر عليهم الجميع ولا ينظرون إليهم لربما أنهم أعتادوا على رؤية هذه المناظر فباتت بالنسبة لهم روتينٌ ممل يعيشونه .. أو لربما لأنهم يحاولون أن ينفذون بجلودهم لكي لا يصيبهم ما أصاب موتاهم .. فالكل "نفسي نفسي" وكأنه بالفعل ذلك الزمان الذي يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ فلَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ .

أنقضى أسبوعً أو ما يزيد والأوضاع تنحدر إلى ما تحت الحضيض "مواطنون دمروا بلادهم بأيديهم وأيدي غيرهم وكأن لعنة ما أصابتهم" , دمروا حتى أبسط سبل العيش وأعادوها إلى ما يشبه العصر الحجري .. فلا ماء ولا كهرباء ولا تكنلوجيا وأتصالات .

سلم "رئيس البلاد" نفسه إلى معارضيه .. فجرى أعدامه ليلً بلا محكمة أو قضاة أو قانون , بينما العقيد وجنوده لا يعرفون بما حدث .. لذا ظلوا متسمرين في مواقعهم كالصناديد أو الجبال التي لا تهتز من مكانها .. لكنهم كانوا يعيشون عزلة عن كل ما يجري حولهم ولا يدرون محلهم من الأعراب .. بالرغم من محاولاتهم المستمرة والمتكررة للأتصال بقياداتهم العليا ولكن دون جدوى , فلم يكن أمامهم عدى الأنتظار في مواقعهم وألا يبتعدوا ولو بخطوة واحدة كما أتتهم الأوامر .. ولا يستطيعون أن يخالفوا أمرً عسكريً لأن ذلك في قانون الجيش يسمى خيانة يعاقب مخالفوها بالأعدام .

وبعد أن سقطت معظم المناطق في أيدي المسلحين والذين بدورهم بدأوا يتناحرون فيما بينهم للأستيلاء على الموارد المالية والأقتصادية والأستراتيجية حتى وصلوا العاصمة وأحتلوا كل وزاراتها ولم يتبقى عدا وزارة النفط "الوزارة الأهم" , أتجهت كل الفصائل إلى "منطقة مبنى وزارة النفط" وهم من كل حدب ينسلون وكل فصيلً من الفصائل أحكم السيطرة على إحدى الشوارع الأربع التي يطل عليها المبنى .

عرف العقيد بخطورة ذلك مما سبب له بعض الأرتباك .. فأعطى الأوامر لجنوده بالمقاومة والصبر والهمة وأن يتحلوا بالشجاعة والبئس الشديد ويقاتلون حتى آخر قطرة دمً .. كلماته تلك وجدت طريقها إلى قلوب جنوده الذين أستعدوا وجهزوا أسلحتهم الرشاشة والقنابل اليدوية وبعض الصواريخ المحمولة على الكتف .

لحظات قامت بعض الفصائل بالهجوم على المبنى ألا أن الجنود يصدونهم بكل قوة ويردونهم ويدافعون بكل أستماتة .. كانت مقاومتهم عنيفة لا وصف لها بل تستحق أن تذكر بين صفحات التاريخ .. مما أجبر جميع المسلحين على التراجع والتوقف عن محاولاتهم الأستيلاء على المبنى .

دقائق قادمة كانت تحمل بين طياتها هدوء لا ينذر بعواصف بعده .. مما فسح المجال للعقيد أن يتناقش مع جنوده عن كل ذلك وعن الأسباب التي أدت لحدوث هذا الأمر وسقوط البلاد بهذه السرعة وعن أختفاء بقية الوحدات العسكرية .. يسألون ويتسألون ؟ أين الدعم ؟ أين البقية من الجيش ؟ لما لم يأتي أحدً للمساعدة ؟ ما العمل وما الحل للخروج من هذه الورطة ؟

برهة قضت .. قام "الجندي جمعه" وقال للعميد : سيدي ,، لن نصمد أكثر من ذلك .. يجب أن تفعل شيئاً أو لتتصل ببعض زملائنا الذين ظلوا يقاومون ولتطلب منهم القدوم لدعمنا ومساندتنا ؟
- العقيد : لقد حاولت الأتصال بهم قبل أيام ولكن بلا فائدة .. جميع الخطوط مقطوعة .
- جمعه : إذا ,، ما الحل أن بقينا هكذا .. سنقتل جميعاً .. هل نظرت إلى أعدادهم ؟
- العقيد : بالطبع ,، ولكن لا أعرف ماذا أقول لك .. فلنحاول الأنتظار والصمود لعلى معجزة ما تحدث وتخرجنا من هذا المأزق .

قاطع نقاشهم صوت أحد جنود المعارضة من الخارج .. مناديً عليهم في مكبرات الصوت : "إلى الجنود المتحصنين داخل المبنى .. سلموا أنفسكم وأسلحتكم وأخرجوا .. لقد أحكمنا قبضتنا على كل البلاد ورئيسكم قد قتل .. ونحن من يدير الأمور الآن" ؟

تلك الكلمات هزت من مشاعر العقيد وجنوده .. راحوا يتناقشون قليلا ويصرخون حتى أختلفوا فيما بينهم ,،
- جنديٌ قال : دعونا نسلم أنفسنا .. لكي لا نقتل ..!
- جنديٌ آخر قال : لا لن نسلم أنفسنا لإنهم حفنة من المخادعين المنافقين وسيقتلوننا فور خروجنا..!
- جنديٌ ثالثٌ قال : أتركوهم ولا تردوا لهم جوابا ولنرى ما ستؤول الأمور إليه ..!

قاطع العقيد نزاعهم وصرخ فيهم : إن كان ما يقولونه صحيحاً بأن البلاد سقطت والرئيس قد قتل فليس أمامنا ألا خيارين .. "أما الأستسلام أو المقاومة" فأنا لا يهمني لو أستسلم الجميع .. لأنني لن أنسحب وأسلم نفسي فهذا عارٌ لنا كجنود وعارٌ في ميثاق الشرف العسكري .. سأموت وأنا أقاوم ولن يأسروني هؤلاء اللعناء .

قاطعهم مرة أخرى ذاك الجندي المعارض من الخارج وكأنه يسمع ما يقولون ويحاول زعزعتهم وأثارة البلبلة بينهم : "سلموا أنفسكم .. وسنطلق سراحكم وهذه كلمة شرف بيننا .. هيا هيا لقد أستسلم الجميع ولم يتبقى عداكم .. لا تجبروننا على الدخول" ؟

بسرعة نظر العقيد إلى جنوده غاضبا وكأنه يقرأ مافي أعينهم وقال : لا أريد أحدً منكم أن يكلمني عن الأستسلام .. فهذا أمرٌ عسكري لكم ؟
قام "الجندي فلاح" وضرب الأوامر العسكرية بعرض الحائط لأن المسألة أصبحت حياةٌ أو موت وقال للعقيد : لا أريد التقليل من شأنك سيدي ولكن ,، يبدو أن كل شيئا أنتهى بالفعل .. جيشنا أستسلم والرئيس قتل والبلاد سقطت .. فلما نقاوم ؟
- قال العقيد وهو ينتفض غضبً : هل تعرف كيف تجلس في مكانك ... وتخرس؟
- فلاح : أنني أكن لك كل الأحترام وأعتبرك بمثابة والدي .. ولكن يجب أن ترى الأمور من وجهة نظرٍ أخرى .. نحن مجرد جنود .. نحن مجرد أرقامٍ يكتبها التاريخ من ضحايا الحروب .. أننا أكثر الخاسرين يا سيدي .. لأننا من نقاتل ونقتل .. لأننا من نخوض المعارك ولا نستفيد شيئاً .. فلا أموالٌ يعطوننا ولا مناصب يقلدوننا .. والأسوء من ذلك أن عشنا أو متنا فلا أحد يذكرنا .. بينما الذين تسببوا في الحروب لم يطلقوا رصاصة واحدة .. أنهم يجلسون هناك في قصورهم وجحورهم ويتلذذون في النعيم ويستولون على كل شيء والتاريخ يسجلهم أبطالا .. لذا دعني أسألك هذه المرة يا سيدي : لما نقاتل ؟

- نظر العقيد إلى الأرض مفكرً محبطً من حديث فلاح , قال بعدها : لما نقاتل ؟ في الحقيقة لا أعرف ؟
- فلاح : من نقاتل إذاً ولمن ؟
- العقيد : لا أعرف ؟ سكت بعدها لبرهة ثم قال : لا أعرف ؟ بصراحة لا أعرف ما الذي حدث ؟ كيف أستسلم الجيش بهذه السرعة ؟ لما لم يقاوموا كما ينبغي ؟ وكيف أستطاع العدو أن يلقي القبض على الرئيس ؟ ربما هناك خيانةٌ حصلت أو أختراقٌ لجهاز المخابرات ؟ هناك أمرٌ دبر بليل .. وسيناريو محكم أعد له مسبقاً ؟ سحقاً ,، كيف أصبحنا محاصرين من الجهات الأربع ؟ ما الخلاص من هذه المعضلة ؟ يبدو بإن هؤلاء الأوغاد دبروا خطة بليلً غادر لتدمير البلاد ؟ ما يحزنني حقاً بأننا كنا نعيش بسلام في السابق كيف أنقلبت أوضاعنا هكذا ؟

خطاب العقيد وحسرته التي بدت واضحة في نبرة صوته .. جعلت من سمعه يتعاطف معه .. ألا أن "الجندي وائل" قال بهدوءً شديد : يا رجل بالفعل هناك أمر دبر بليل .. ولكن ليس الأعداء الذين دبروه ولا الخونة و لا المعارضين .. بل هو أمر "نحن دبرناه لإنفسنا بليل" ؟

- قال العقيد الذي ضاع بين هلاوس جنوده ومحاصرة أعداءه وكل شيء : ماذا تعني بهذا ؟
- وائل : ما حدث لنا وما يحدث لنا وما سيحدث لنا "بسبب ذنونبنا ومعاصينا" .. ومن أعمالكم سلط عليكم .. (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) .. أو ماذا تظن ؟ بأن الذي حصل هو مؤامرة ونظريتها الغريبة وأيدلوجيتها الكاذبة ؟ أو ظننت بإن الآخرين يستهدفوننا لتدمير مجتمعنا وحضارتنا ؟ تبا لذلك ,، كلها محض هراء .. يا رجل أنها معاصينا وسيئاتنا والنفاق بداخلنا هذا هو البلاء المبين وهذا هو البلاء الذي حلا بنا ؟


يتبع ....​
 
سكت وائل لثوانٍ بكت خلالها عيناه .. وقال بعد أن أخفى دموعه عن رفاقه بصوتٍ منكسر ما بدت خطيئة أقترفها : اللعنة يا رجل ,، أنني أبلغ من العمر 24 سنة ولدي أربعة أطفال .. هل تصدق ذلك ؟ أنني صغيرٌ في السن ولدي أربعة أطفال ؟ بادئ الأمر كنت سعيدً بذلك سعيدً بهم , ألا أن الأهل والأقرباء كانوا يقولون لي دائماً ,، ما بالك يا وائل كل سنة تنجب طفلاً ؟ هل أنت مجنون أم متخلف أم ماذا ؟ أنك لا تزال شابً وأمامك العمر طويل وتملك كل الوقت لتنجب أطفالً كما تريد .. ولكن توقف عن ذلك لإنك أيضا ستتعب زوجتك هكذا لكثرة حملها .

أختنق وائل في عبرته مما أجبره على قطع حديثه للحظه .. أكمل بعدها ما بدا قصة غريبة غامضة لم تكشف سرها : لا أخفيكم جميعا رحت أفكر أنا وزوجتي في ما نصحونا به حتى أقتنعنا بذلك لأن كلامهم منطقي وواقعي ولأننا أكتفينا من الأطفال .. وقررنا عدم الأنجاب لمدة خمس سنوات أو شيئاً من هذا .. ولكن الصدفة أو الكارثة حلت بنا عندما حملت زوجتي بعد أشهر .. أصابتنا صدمة كنا خائفين مرتبكين ؟ ماذا سيقولون عنا ؟ فلم نخبر أحدً بذلك .. لم نرد أن نرى نظرات أعينهم القاتلة .. كنا غاضبين طوال الوقت وخصوصا زوجتي ولا ألومها .. حتى أنها وصلت إلى مرحلة يأسً وكانت تجعل الأطفال يلعبون ويقفزون بقوة على بطنها لإنها أرادت أن تجهض الجنين .. ألا أن ذاك لم يحدث .. نهاية المطاف علم أهلنا وأقربائنا بالحمل ؟ قاموا بتوبيخنا والسخرية منا ومخاصمتنا .. مرت أشهر وأنجبت زوجتي فتاة .. لم نكن سعداء بها بل هناك شيئاً في داخلنا يكرهها .. كانت ضيفً غير مرغوب فيها .. كانت عارً بالنسبة لنا ولم نكن نهتم بها كثيرً .. حتى والدتها لم تكن ترضعها ألا في ما ندر وأنا لا أشتري لها طعامً ومستلزمات الأطفال ألا في فترات متباعدة .

قطع وائل قصته التي تفتت منها الصخرً لقسوة قلب الوالدين .. تلك الذكرى التي حركت ضميره وهزت أركانه ووجدانه وكأن راجمة صواريخ دكته دكاً .. لملم شيئاً من شتات نفسه وتابع حكايته أو حكاية طفلته المظلومة : ولكن ما جعلني أهيم بها عشقً ومحبة وحنانً .. بأنني حين أنظر إليها أجدها تضحك بشدة ,، بالرغم من كل ما فعلنا بها وحرمناها منه وكرهناها إلا أنها لم تكن تبكي .. فقط كانت تنظر إلينا وتضحك .. لم تكن كبقية الأطفال مزعجة وكثيرة الصياح بل كانت رحمة نزلت علينا من السماء .. حتى أن والدتها تقول بأنها لم تشعر بأي ألم أثناء ولادتها .. هل تصدقون ذلك ؟ يا إلهي ,، أنها فعلاً فتاة بريئة .. أنها معجزة من خالقي لقد ندمت على كل شيئا فعلته بحقها .. ليتني أستطيع أن أعيد الزمن إلى الوراء ونسيان تلك الكراهية التي حملتها عليها بداخلي .. يا إلهي تنظر إلينا وتضحك وكأنها تقول لما تكرهوني ؟ لما أردتم موتي ؟ وأنا لم أوذيكم ؟ حين أنظر إليها الآن لا أستطيع تمالك دموعي ودائماً أتذكر هذه الآية (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ) .. لا أعرف ماذا أقول لكم ؟ وماذا أقول لها حين تكبر ؟ أنها الوحيدة من كل أطفالي التي تشعرني بإرتياحٍ تام وسعادة حين أنظر إليها .. كيف فكرت للحظة أن أوذيها .. هل تصدقون ماذا فعلت بطفلتي ؟ هل تصدقون ذلك ؟ لذا لا تسألونني أو تتعجبون حين تنزل علينا صاعقة من السماء تحرقني وتحرقكم معي بسبب ما فعلناه ونفعله .

خيم هدوءً وصمت في ذلك المبنى بأكمله بل أمتد إلى كل القوات المحاصرة في الخارج التي ظلت على سكونها وكأنها تتجسس عليهم سرً .

قاطع "الجندي عاصم" لحظات الصمت تلك وكأن عدوى الأعتراف بالذنب أصابته هو الآخر , وقال : دعوني أحدثكم أمرً ,، معظمكم ربما سمع "بالمهدي المنتظر" أليس كذلك .؟ في كل الكتب المقدسة وغيرها يتكلمون عن "منقذٍ" يخرج في نهاية الزمان وينشر العدل والحق على الأرض .. لذا ترى كل الديانات والطوائف تقول بأن المهدي هو رجلٌ منهم وينتمي إليهم .. لقد كنت طوال عمري اقرأ عنه في الكتب وكل ما طالته يداي .. كرست حياتي لذلك .. لا أخفيكم لقد آمنت به بشدة أنام وأجلس وأن أنتظر تلك الساعة الموعودة التي يخرج فيها لألتحق به وأنظم إلى جيشه .. كنت أراقب كل الأحداث التي تجري في العالم أكانت صغيرةٌ أم كبيرة وأقول في نفسي أنها اللحظة "لحظة الظهور" يبدو بأنها أقتربت ؟ ولكن لا شيء .. المهدي لم يظهر ,، تركت كل شيئاً في حياتي وجلست أعيش الحلم منذ أن كنت مراهقً لعله يخرج في أية لحظة .. ألتحقت بالجيش معكم بعد سادت الفوضى في البلد لأنني ظننتها "ساعة خروج المهدي" .. لقد قرأت في الكتب عن المعركة التي تسبق ظهوره وكانت شبيهة بهذه الحرب .. وكما ترون ! المدة قد طالت والحرب توشك أن تضع أوزارها وحتى الآن لم يخرج المهدي .

دخل معهم في هذا الخط "الجندي بسام" بعد أن أصيب بذهول من قصة أنتظار زميله "عاصم" طوال هذه السنين .. وراح يخبر حكايته هو الآخر : كما تعلمون بأنني متزوج وأعيش حياة هادئة بسيطة وليست لدي أية مشاكل , ولكن ما لا تعرفونه بأني مصاب بمرض نفسي مرض خبيث مرض لم أستطع التخلص منه بالرغم من أنني حاولت كثيرً .

سكت لثوان ,، وكأنه يريد أن يزيد من فضول رفاقه الذين نسوا رصاصات الموت التي تحيط بهم .. قال بعد لحظة : أنني .. أنني .. أنني "شاذٌ جنسي" أفضل الصبية على زوجتي بل حتى أنني أهيم بهم عشق وهوسً
ربما يصيبكم ذلك بالغثيان ولكنني لا أستطيع تمالك نفسي حين أرى شابً وسيمً .. أعرف بأن ذلك مرضً لذا حاولت التخلص من هذا الشذوذ الذي يكاد يدخلني دار جهنم .. حاولت بشتى الطرق والوسائل ولكن لم أقدر على ذلك .. ولإكون صريحً معكم ربما لم أستطع أن أعالج نفسي لأن شيئاً بداخلي لا يريد ذلك ربما لأنه يعجبني لذا لم أحاول كما ينبغي للتخلص منه .. لكن أتعرفون أكثر ما يحزنني ؟ بأن زوجتي تظنني أعاشر فتيات غيرها .. سحقاً فما بالها لو علمت بأن زوجها يفضل الصبية عليها ؟

"الجندي جمعه" هو أيضاً لم يرد أن تمر عليه هذه الجلسة التي بدت وكأنها تجمعً للروائيين والقاصين بدلً من موقعً عسكري تفصله خطواتً قليله عن الموت .. فأبى "جمعه" دون أن يعترف بخبثً ما في داخله , وقال : لربما تظنونني طيبا وعبداً صالحً لأنكم وكما ترونني لا أتكلم كثيرً ولا أتدخل في شؤون أحد .. ولكن لا يغرنكم ذلك لأن "الحقد يتآكلني من الداخل على الجميع" .. حين يشتري أحدً سيارة أو يوفق في وظيفة جيدة أو يذهب إلى الخارج لإكمال دراسته أو أي شيء لم أفعله أو لا أستطيع فعله , تشتعل بداخلي نارً تصهر الحديد لحرارتها وأتمنى وأدعو أن يموت هذا الشخص الذي صب الجمر في داخلي .. كل من يفعل شيء ولو كان تافهً أحترق وأحترق وكأنني أحترق بداخل جهنم أتمنى أن أقتله حتى لو كان أخ أو قريبً أو صديق .. هواجسٌ تتلاعب بناري على الجميع ,، لماذا هذا الشخص حدث له هكذا ؟ أو لما عنده هكذا ؟ اللعنة أنه شيئاً متعبٌ ومريض .. هذا الحقد والحسد بداخلي يجب أن يدفن حتى لو أضطررت أن أقتل نفسي .. لأنني أشعر بأني قتلت أشخاص لكثرة ما في قلبي عليهم وما أحمله بداخلي أتجاههم .

قاطعه "الجندي فلاح" وكأن نفسه أشمئزت من ذلك ولا يريده أن يكمل قصة الحسد تلك التي أتعبت صاحبها هماً وأتعبت الآخرين معه , وقال : أعتذر منك "يا جمعه" لأنني قاطعتك .. ولكن بما أن الجميع يخبر ما في سريرته ويعترف بأشياء لربما لم يتجرأ يومً على الأعتراف بها حتى مع نفسه .. دعوني أقول لكم حكايتي فأنا مثلكم جميعاً علاقتي مع والدتي جيدة .. أحبها وأحترمها وأجلها .. أفعل كل ما تطلبه مني حتى "أُفٍ" لا تسمعها مني , أسافر معها إلى كل مكان تريده وتشتهيه .. لكن ليست هذه المشكلة .. بما أنها كبيرةٌ في العمر بطيئة الحركة ثقيلة الخطى .. فأنها أحياناً تفعل أشياء "مقرفة ومقززة" كما هو حال بعض كبار السن .. أنني معتادٌ على ذلك وأتحمله فهي والدتي ومن كانت تعتني بي وتحملت كل الأذى الذي نسببها لها ونحن أطفال .. ولكن من أخدع ؟ لا أخفيكم دائماً ما أكون مشمئزً منها بداخلي وأشعر بالغثيان وأريد التقيؤ بمجرد النظر إليها أنها تصيبني بالقرف .. لذا أحاول الأبتعاد عنها دائماً .. ألا أنها تأتي إلي , لا أعرف ماذا أفعل ؟ فلا أستطيع أن أقول لها ذلك ؟ ولا أستطيع أن أقول لها لا تفعلين ذلك ؟ وأيضاً لا أستطيع أن أتجنبها ؟ كنت أتمنى أن لا أشعر بشيئاً تجاهها .. لأني أرى نفسي "بغيضاً" حين أحس بالنفور منها .. لقد حملت بي وربتني لأحترمها وأخدمها في كل ظروفها وحالتها .. ولكن لا أعرف لما أنتهى بي الحال هكذا ؟

كانت الأجواء خارج المبنى كما بداخله يسودها الهدوء الشديد والحذر وكأن تلك الجيوش تنتظرهم يخبرون قصصهم قبل أن تقضي عليهم , بينما الجنود بداخل المبنى ظلوا ينظرون إلى كبيرهم وعميدهم أسحاق ليسمعون ما عنده وماذا فعل في حياته ليعاقب هكذا .

الدقائق تمر والعميد مطأطأً رأسه يفكر ويسترجع شيئاً ما سبق أو لعلها ذكرى فعلها أو عايشها .. لحظات قال بعدها : قبل 11 عاماً كانت هناك قرية حدودية يقطنها ما يقرب من 3000 أنسان .. قام أهلها بإثارة البلبلة والفوضى والشغب والأنتفاض على الدولة .. فتلقينا أوامر سرية من القيادة العليا بأن نذهب إلى هناك لإخماد ثورتهم .. فأرسلوا كتيبة إلى القرية وكنت القائد والمسؤول والمكلف بكل شيء , لكنني حين وصلت لم أتفاوض معهم أو أسمع مطالبهم أو أحاول تهدئتهم وحل مشكلتهم .. كنت مصابً حينها بالغرور والكبرياء والأعتداد بالنفس وحب التسلط .. بسرعة أعطيت الأوامر للطيران والمدافع والدبابات أن يقصفوا القرية بمن فيها ويسقطونها على رؤوس أهلها ويدفنونهم في مكانهم , أصدرت أوامر دقيقة جدا بأن يقصف كل شيئاً يمشي أو يتحرك أو يزحف على الأرض .. ولم تمضي نصف ساعة حتى حولت المكان إلى لا شيء .. محيت القرية عن بكرة أبيها من صغيرها حتى كبيرها جعلتها مقبرة لهم .

سكت العميد لشيئاً لا يعرفه غيره ربما حسرة أو ندم أو حتى طيف القرية مر أمام ناظريه .. قال متحشرجً بعدها : اللعنة ,، جيلاً بأكمله سويته بالتراب .. شعبٌ بأكمله دفنتهم في الجحيم , ولم أحرك ساكنً ولم ترمش لي عين بل كنت سعيدً بذلك , وحصلت على أوسمة عدة وهدايا ومزايا وأموالٌ كثيرة لماذا ؟ لأنني قضيت على حضارة كانت ذات يومً هناك , ولم يعلم أحدا عنهم شيئاً .. فقط أصدرت الحكومة بياناً قالت فيه "بأننا قضينا على بعض العملاء والخونة الذين يحاولون النيل من الوطن" .


يتبع ....​
 
تلك الذنوب والمعاصي التي أخبروها لبعضهم وكيف فعلوها وأرتكبوها في ليلٍ أو "أمرٍ دبروه لأنفسهم بليل" وجعلهم يعرفون السبب في كل ما يحصل لهم وبأنها العاقبة الألهية التي حلت بهم وببلادهم وشعبهم .

وكأن تلك القوات التي تحاصرهم وتتربص بهم تعرف ما يجري بينهم وتسمع ما يقولون .. فقام أحد الجنود المرتزقة ورفع مكبر الصوت ونادى فيهم : "هذا النداء الأخير والفرصة الوحيدة المتبقية لكم .. سنمهلكم نصف ساعة وإذ لم تلقوا بإسلحتكم وتسلموا أنفسكم سنهدم المبنى فوق رؤوسكم .

أيقن العميد بأنها النهاية لا محالة .. فلا سبيل أمامهم إلا الأستسلام أو المقاومة حتى الموت , راح يشاور جنوده ويعرف رأيهم .. تارة يختلفون وتارة يتفقون .. أحدهم يطالب بالأستسلام وآخر ينادي بالمقاومة , في خضم ذلك قال "بسام" لعميده : أنت كبيرنا وأنت الخبير بيننا ونثق برأيك .. أي قرارٍ تتخذه نحن معك ..!

راح العميد يفكر ويفكر في مخرجٍ من تلك الورطة المميتة المعقدة التي وضعته أمام منعطفٍ تاريخيً خطير , وأي قرارٍ سيتخذه أكان جيدً أم سيئاً سيسجل في كتب التاريخ بأسمه , لحظات حيرته تلك قصمت ظهره وتلاعبت بهواجسه , وجنوده ينتظرون أوامره .. أوامر من وضعوا أرواحهم بين يديه .

قال العميد : يجب أن نكفر عن ذنوبنا وما فعلناه في ماضينا ونذهب ونعتذر لكل من أخطأنا بحقهم ,،
- أما أنت يا فلاح : يجب أن تعتذر من والدتك وتبعد عنك تلك النظرة الدونية لها
- أما أنت يا بسام : يجب أن تصارح زوجتك بعلتك وشذوذك لكي تساعدك في العلاج من هذا البلاء
- أما أنت يا جمعه : يجب أن تطهر قلبك من الأحقاد والذنوب وتحاول أن تبتعد عن كل ما تشعر أنه يثير الحسد بداخلك
- أما أنت يا عاصم : يجب أن تمارس حياتك كالباقين حتى لو كنت تنتظر "المهدي" ولكن لا تجلس هكذا دون أن تفعل شيء وتقول متى تحين ساعة الظهور
- أما أنت يا وائل : يجب أن تذهب لطفلتك الصغيرة لتلاعبها وتحتضنها وتعوضها عن كل التقصير بحقها
- أما أنا : يجب أن أخبر العالم بما جرى وأسترجع حق من دفنتهم في أنقاض القرية وأكشف سر 3000 أنسان الذين غطيتهم بالتراب وقتلتهم بلا سبب
لو متنا الآن لن نستطيع أن نفعل ذلك ستدفن أسرارنا وذنوبنا معنا , لذا يجب أن نسلم أسلحتنا ونستسلم .. رغم أن هذا القرار سيكون عارً أحمله طوال حياتي ولكنها الظروف التي حكمت بذلك وأجبرتني على الذل والخنوع .

تقبل الجنود قرار عميدهم .. أعدوا عدتهم .. ثم "أتفقوا مع بعض القوات المسلحة خارج المبنى على شروط الأستسلام" .. هموا بالخروج ألا أن وائل توقف وقال لهم : أذهبوا أنتم ودعوني لوحدي .. سأظل هنا وأقاتل حتى أقضي نحبي .
العميد : ولما ؟ ألم نتفق جميعاً على الخروج ؟ ألا تريد أن ترى أبنتك ؟
وائل : بلى ,، ولكن لا أخفيك ليست لدي الجرأة للنظر في عينيها .. أرجوكم ,، أذهبوا وأحترموا قراري هذا .. فقط أريدكم أن تخبروا أبنتي بأن والدها يحبها وبأنه مات شجاعً يقاوم .. مات بشرف .

أحترم رفاقه هذا القرار .. راحوا يودعونه بأحضانهم ودموعهم .. بعدها تركوه وألقوا بأسلحتهم وخرجوا .

ألقت قوات المعارضة القبض عليهم طبق للشروط التي أتفقوا عليها لتسليم أنفسهم .. ألا أن تلك القوات لم يكن لديها ميثاق شرف وبلحظة غدرٍ وأنتقام تفشى في سائر البلاد والعباد .. "أخذوهم إلى محلٍ منعزل وأطلقوا عليهم الرصاص حتى قتلوهم أكثر من مرة ومثلوا بجثثهم" .

تقدمت كل القوات المحاصرة والمتناحرة إلى المبنى وأصوات المدافع والقنابل والرصاص تدوي في المكان وتعلو على كل صوت .. وهم يزحفون ويتقدمون بأتجاه المبنى الذي بات ملعوناً , ووائل وحيدً يقاوم ويطلق النار والقذائف على الجميع من نافذته ولم يستثني منهم أحد حتى قتل منهم مقتلً كثيرة .. ساعده على ذلك أنشغالهم بين بعضهم حتى أنهم "نسوا وجوده في المبنى" رغم أن بعض المسلحين تمكنوا من التسلل والدخول , وأصوات المدافع والرشاشات لم تهدأ للحظة إلى أن أنتهى الأمر بمجزرةً لم ينجو منها إلا القليل ومن أستطاع الهرب والفرار من موقع الأشتباكات .

تمكن المرتزقة وبعض التنظيمات الأرهابية من السيطرة على وزارة النفط أخيرً , ولكن من محاسن الصدف والحظ الذي نادرً ما يبتسم للصابرين (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) .. بأن وائل أستطاع الخروج من المبنى دون أن تطلق عليه رصاصة واحدة أو يعترض طريقه أحد فالمرتزقة عميت أبصارهم وظنوه واحدً منهم .

ذهب إلى منزله بسرعه أحتضن أبنته وقبلها .. أستغل الوقت خوفً من أن ينكشف أمره أو تحدث عمليات تصفية وأنتقام للمنتسبين للجيش سابقاً , حمل ما أستطاع من المؤن والمال الذي لديه وأخذ عائلته وهرب من بلاده إلى الأبد .




- أحياناً ,، يجب عليك أن تواجه واقعك مهما كان مُرً وقاسياً .
- أحياناً ,، يجب عليك أن تخوض حروبك مهما كانت الأسلحة المستخدمة .
- أحياناً ,، يجب عليك أن تقاتل عدوك مهما كان عنيفاً ومتوحشاً .
- أحياناً ,، يجب عليك أن تعترف بخطئك مهما كان مؤلماً ومؤذياً .
- أحياناً ,، يجب عليك أن تبحث عن السبب لكل مشاكلك , في النهاية ستكتشف بأنك السبب لكل ما يحدث لك .



(النهاية)

رواية : الجنود الستة
قلم \ مضطرب


طبعا بعتذر لأنني وضعتها كاملة مما جعلها طويلة , ولكن بما أنها رواية قصيرة لم أحبذا أن تتباعد أحداثها
وأيضا بعتذر لأنني أقوم بتنزل المواضيع في أوقات متقاربة والسبب لأنني قد أتوقف لفترة قصيرة​
 
لإعلاناتكم وإشهاراتكم عبر صفحات منتدى اللمة الجزائرية، ولمزيد من التفاصيل ... تواصلوا معنا
العودة
Top