قبلَ الكسر…
كنتُ غصنًا ينامُ عاليًا،
تداعبني الشمسُ كلَّ صباح،
وتُهدهدني الريحُ في ليالٍ هادئة،
لا أعرفُ الألم،
ولا أعرفُ أنَّ للأشياءِ أعمارًا تنتهي دون إنذار.
كنتُ أرى الطيورَ تُحلّق من حولي،
وأشعرُ أنّي واحدٌ منها،
أمتدّ مع السماء…
لا ثقبَ في صدري،
ولا حزنَ يسكنُ خشبي،
ولا يدٌ تقطعني من أمّي الشجرة.
ثم حدث…
صوتُ الفأس لم يكن صرخةً على الخشب،
بل على الروح.
سقطتُ… وانطفأ ضوءٌ في داخلي
لم ينر منذ ذلك اليوم.
أخذوني بعيدًا عن جذوري،
جرّدوني من أوراقي،
وسوّوا رأسي،
وحفروا في جسدي ثقوبًا
قالوا إنّها “نغمات”،
لكنّي عرفتها جراحًا…
علاماتٍ على موتٍ طويل.
بعد الكسر…
صرتُ نايًا.
ينفخون فيّ ليُخرجوا لحنًا،
ولا يعلمون أنّ كلّ لحن
هو صرخـةُ ذاكرةٍ تتفتت.
كنتُ غصنًا يلمسُ السحاب،
فصرتُ أنبوبًا يلمسُ الشفاه،
لا ضوءَ يمرّ بي… فقط هواءٌ بارد
يعبرُ ثقوبي بقسوةٍ
وكأنّه يختبرُ صبري على الانطفاء.
كلّ من يعزفني يترك داخلي أثره:
حزنُ العازف،
وحنينُ الواقف في صمت،
وغصّةُ الذي كتم بكاءه،
تتراكم داخلي،
حتى بتُّ أشبهَ بمقبرةٍ صغيرةٍ
تتسعُ للجميع… ولا يخرج منها أحد.
وها أنا اليوم…
لا أتذكّر صوت الريح في قمّة الشجرة،
ولا دفءَ الشمسِ على جلدي،
ولا الطيور التي كانت تحطّ فوقي.
أتذكّر فقط أني كنتُ يومًا حيًّا،
وأنّ حياتي توقّفت
عندما سقطتُ من حضنِ الشجرة،
وبدأتُ من جديد
كآلةٍ لا تفعلُ سوى أن تبكي بصوتٍ جميل.
أنا الناي…
تاريخي نصفُه ضوء،
ونصفُه جراح،
وكلُّ ما بينهما
مجردُ حكايةٍ
عن غصنٍ يريد أن يعود شجرة
ولا يستطيع.
الكاتب آدم حفياد