reaction
24.4K
الجوائز
4.2K
- الحالة الإجتماعية
- متزوج
- العمر
- 45 إلى 50 سنة
- الجنس
- ذكر
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
يا سادة يا كرام، يا أهل الجود والكلمة التمام يا أهل اللمة الافاضل وجوه الخير والانوار.. رُدّوا الأبواب، وأشعلوا الألباب، وأنصتوا لحديثٍ يُذهب الأوصاب. فما طاب ليلٌ إلا بذكر الله، وما زان سمرٌ إلا بحكايةٍ فيها من الحكمةِ منتهاه.. ليلتنا خامسة، وحكايتنا لمَن أراد الزلفى، فأعيرونا القلوب قبل الآذان، لنبدأ حديث الزمان.
───
قالت ليلى:
"يا جدي، يا حافظ الأسرار، ومُروي عطش الأفكار، هاتِ من قصصِ الأولين ما يجلو غبار الغفلة، ويُشعل في الروح شعلة، فقد سكن الليل، وهدأ الضجيج، وانفتح القلب لفيض الحكايات."
فأسبل الجد جفنيه لحظةً، كأنما يسرجُ قناديل الفكر في صدره، ثم فاه بكلماتٍ موزونة بسبائك الذهب وقال:
"بلغني أيها السامعون، أن ملكاً من ملوك الزمان، كان يملكُ كل شيء إلا الاطمئنان. فبنى برجاً أطلق عليه 'برج الثبات'، ونصب في ذروته سراجاً أراده أن يكون منارةً للدهر، لا يغيب ضوؤه عن البر والبحر.
سخّر الملكُ كبار الكيميائيين ليستخرجوا من عروق الأرض أصفى الزيوت، ومن كبد الحيتان أندر الشحوم، ليبقى السراج متقداً. ولكن، ويا للعجب! كان السراجُ يرتجفُ عند أقل وسوسة للريح، وينطفئ إذا ما مرّت به سحابةٌ عابرة، فكأنما كان مصباحاً يفتقر إلى الروح.
وبينما الملك في حيرته، دخل عليه رجلٌ رثّ الثياب، لا يحمل في يده إلا مصباحاً صغيراً من فخار، وفتيلةً من غزل الرهبان. وضع الرجل مصباحه في مهبّ العواصف العاتية التي تقتلع الأشجار، فكانت الريحُ تضرب المصباح بقوة، فما تزيده إلا توهجاً وعظمة! بل كان الضياء ينبعث من الفخار كأنما المصباحُ يتنفس النور تنفساً.
دهش الملك وصاح: 'أيّ سحرٍ هذا؟ قناديلي الذهبية تغرق في الظلام عند أدنى اختبار، ومصباحك الطيني يتحدى الإعصار!'.فأجابه الرجل بحكمةٍ تقطرُ نوراً: 'يا مولاي، إن قناديلك تضيء بوقودٍ من خارجها، فإذا فني الزيتُ أو عصفت الريحُ بادت. أما مصباحي هذا، ففتيله مغموسٌ في (القوة التي لا تُقهر)؛ قوةٌ تسكنُ في الصدور، فتمسكُ الجوارح عن الفتور، وتجعل العبد يرى المنحة في المحنة، والمنفذ في الضيق. إنها القوة التي إذا سكنت قلب العليل شُفي، وإذا غمرت روح الخائف أمن، وإذا وضعت في القبر أضاءت لصاحبه حتى يرى مقعده من الجنان قبل أن يرتد إليه طرفه'."
وهنا، تنهدت ليلى بخشوع وقالت:'صدق الرجل الحكيم يا جدي، فما النورُ إلا ما استقر في القلب وصدقه العمل، ولقد ذكرنا ربنا في كتابه العزيز بهذا المشهد المهيب حين قال عز وجل: ((يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم)).. فيا رب، اجعل لنا من لدنك نوراً، وأوقد في قلوبنا سراجاً من الإيمان لا ينطفئ أبداً'."
فابتسم الجد ابتسامةً رقيقة، وربت على كفّ ليلى بوقار، وقال مجيباً:"نعم يا ابنتي، آمين..
استزيدي من هذا الوقود يا ليلى، فإنه الذخيرة التي لا تَبور، والسراج الذي يَعبر بكِ القنطرة إلى دار الحب والحبور.
───
لغز الليلة الخامسة:
يا من تطلبون النور في الدارين، وتخشون الظلمة في المحلين
"شيءٌ لا يُرى بالعين، لكنه يُبصر به الكونين.. هو عمادُ الروح في الملمات، ومنارةُ القلب في الظلمات.. لا تملكه الأيدي لتبيعه، ولا تطفئه الرياحُ لتضيعه.. إذا ضعف فيك تزلزلت أركانك، وإذا قَويَ فيك صنتَ أمانك هو السراجُ الذي تشعله بدمعك في السحر، فيضيءُ لك ما استتر في بطن القبر
"
تحدي الليلة الخامسة:
"يا ليلى ويا اعضاء اللمة الصائمين الصابرين مرادنا من الحكاية يزدادُ بـ 'الصمت الطويل مع الفكر'؛ فتحديكِ هو أن تعتزل الناس لنصف ساعة، لا تحمل فيها هاتفاً ولا كتاباً، بل تتدبر فقط في 'خالق القوى' لتستمد من جلاله وقوداً لسراجكِ الباطن."انتظروني في الليلة القادمة وليلة جديدة من ثلاثين ليلة وليلى.
شاركونا لنوصل الليلة بالليلة
شاركونا لنوصل الليلة بالليلة
آخر تعديل: