التفاعل
258
الجوائز
13
دكان «عمي ميمون» هو الشاهدُ الصامتُ على حيّنا العتيق؛ دكانٌ صغيرٌ ظلَّ صامداً كما عهدناه، وكأنّ الزمنَ تواطأ مع المكان فتناساه عمداً وحماه. غدت الصور وقصاصات الجرائد والمجلات محنطة داخل أُطُرِها المعلقة على الجدران، تشهد على ذكرياتِ صاحبه مع المشاهير.
كانَ المساءُ يسوقُنا إليهِ لنرتمي في أحضانِ مقاعدَ أسميها «كراسي الاعتراف»؛ لأننا كنا نجلس عليها لنروي تفاصيلَ يومياتِنا بكل صدقٍ وعفويةٍ.
«عمي ميمون» حلاقٌ حكيمُ الرأي، صاحبُ نكتةٍ وثرثرةٍ عذبةٍ؛ رجلٌ نبتت قدماه في طين الدرب، فحظيَ باحترامِ الجميعِ؛ لا لأنّه كانَ يحلقُ شعر رؤوسهم فحسب، بل لأنه عاش يُجبر خواطرهم.
وذاتَ أُمْسِيَة، دخل شابٌ ألقى سلاماً عابراً، ثم تقدم نحو الحلاق ماداً إليه شاشة هاتفِه قائلاً:
— عمي ميمون، أرغب في حلاقةٍ تطابق هذه تماماً.
أخرج الحلاق نظارته من جيبه، ونظر إلى الشاشة ملياً ثم قال:
— «يا بني، لك صورٌ على الجدران؛ اختر أيّةَ واحدة وأنا أنسخها لك، أو تأمل وجوه الحاضرين، ومَن تناسبك تسريحته اعتمدتُها لك».
تردد الفتى قليلاً قبل أن يرد:
— كلا.. أنا معجب بهذا اللاعب العالمي، ولا أريد إلا نفس حلاقته.
كنا ننصت إلى الحوار بكل انتباه ، قبل أن يختمهُ «عمي ميمون»؛ إذ نزع طاقيته، وبابتسامة ماكرة قال:
— إذن، فما رأيك بحلاقتي أنا؟
هي رفعةُ رأسٍ واحدة، كانت كلَّ ما احتاجَهُ الشاب وهو يحملقُ في صلعةِ الحلاق اللامعة؛ ابتلعَ ريقه، وارتدَّ نَحوَ البابِ بخُطىً متسارعةٍ دونَ أنْ يلتفت وراءه.
كانت عيني قد سرقت الصورةَ من شاشة هاتف الفتى قبل أن يغادرنا؛ صورةَ رأْسٍ جُرِّدَ من جانبيه كلياً، يتوسطه شعرٌ مدهونٌ مرفوعٌ إلى السماء، تحدّهُ خطوطٌ وهندسةٌ غريبة.
عدت إلى البيتِ والأسئلةُ تتقاذفُني:
كيف سيدخل هذا الشاب إلى بيتِه حاملاً فوقَ كتفيهِ رأساً من كوكبٍ آخر بشعرٍ مَجْزُوزٍ كصوفِ الخروف؟
وكيف للآباء أن يقبلوا هكذا صرعاتٍ ممسوخةٍ، قُصَّت فيها الكرامة قبل الشعر؟
هل نام الراعي وتُرِكتِ الرعيّةُ فريسة لِمِقَصَّاتِ المهانة؟
خلدت الى النوم و في قرارة نفسي كنت على بقين ان “ عمي ميمون ” لم يرفض للشاب طلبه ، و انما مقصه هو من رفض العبث براس الغلام و قرر ان يظل راقدا في الدرج الى حين صدور امر جديد!
و السلام.

المرفقات
آخر تعديل:

