التفاعل
0
الجوائز
66
- تاريخ التسجيل
- 27 جويلية 2008
- المشاركات
- 507
- آخر نشاط
- تاريخ الميلاد
- 5 جانفي 1980
يرى جمع من الباحثين أن عولمة الاقتصاد العالمي بدأت بقيادة أمريكا منذ عام 1944م، والتي انبثق منها الصندوق الدولي ليقوم حارساً على النظام النقدي الدولي والبنك الدولي ليعمل على تخطيط التدفقات المالية، طويلة المدى، وإنشاء منظمة التجارة العالمية التي أدت إلى اتفاقية الجات والتي حوّلت السياسة التجارية للدول المستقلة إلى شأن دولي وليس عملاً من أعمال السيادة الوطنية، من خلال النظام النقدي العالمي والتحكم في حركة رؤوس الأموال، ومن خلال الشركات المتعددة الجنسيات التي لأمريكا فيها نصيب الأسد.
ولقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية بإجبار كثير من الدول الإسلامية، باعتبارها إحدى مكونات مجموعة دول الجنوب، على إعادة هيكلة اقتصادياتها، وفقاً لهذه السياسة الإمبريالية، فاتجهت هذه الدول إلى الخارج لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتبني مفهوم القطاع الخاص، من خلال استخدام آليات السوق الحرة، وما يتطلبه ذلك من التقليص الواضح للملكية العامة وزيادة الفوارق الاجتماعية، ورهن أجيال المستقبل بالديون الخارجية(1).
ولقد تقررت هذه السياسة الاقتصادية الأخيرة نهائياً عندما اجتمع طائفة من الـمُنظرين الأمريكيين وقدموا قضايا لتثبيت السيطرة الأمريكية على العالم، هذه القضايا هي:
1) استعمال السوق العالمية كأداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية.
2) السوق مجال للمنافسة، أي فتح المجال لسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة، لغرض فرض نمط اقتصادي معين على البلدان الأخرى، دون أي اعتبار لمصالح الكادحين.
وتلك الشركات العملاقة تكونت بالدرجة الأولى من الشركات الأمريكية، ثم الأوربية ثم اليابانية متكاتفة متعاونة(2).
ويمكن هنا أن نعرض إحصائية أولية لقوة تلك الشركات المتعددة الجنسيات. فهناك 350 شركة كبرى لتلك الدول تستأثر بما نسبته 40% من التجارة الدولية. وقد بلغت الحصة المئوية لأكبر عشر شركات في قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية 86% من السوق العالمي، وبلغت هذه النسبة 85% من قطاع المبيدات وما يقرب من 70% من قطاع الحاسبات و60% في قطاع الأدوية البيطرية و35% من قطاع الأدوية الصيدلانية و34% في قطاع البذور التجارية(3).
ولا شك أن هذه الاحتكارات ستؤدي إلى إقامة الحواجز بين الشعوب، وسيصبح وسيلة للسيطرة والهيمنة على مصادرها.
وهذه الشركات العملاقة هي في حدود (15) شركة، هم السادة الفعليون الذين يطبقون نظرية: إنتاج أكثر ما يمكن من السلع والمصنوعات بأقل ما يمكن من العمال، من أجل تركيز الثروة العالمية في أيدي الرأسماليين الجشعين من أصحاب تلك الشركات الأمريكية وحلفائها(4).
ونتيجة لهذه السياسة، تنتهي العولـمة الاقتصادية إلى فتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الغربية بدون عائق أو ضوابط، وعليه فلن تستطيع المنتجات المحلية مواجهة المنتجات المستوردة ومنافستها، مما يعني تعثر العديد من الأنشطة الاقتصادية الوطنية. ويكون البديل المتاح هو إما الاقتصار على الاستيراد، وهذا البديل قصير الأمد؛ حيث ستنضب أرصدة السيولة المالية، ويزيد التضخم نتيجة للركود الاقتصادي، وبيع الأصول الاقتصادية إلى الشركات العالمية بحجة الإصلاح الاقتصادي. وهو المطلوب؛ لأنه سيؤدي إلى الاستسلام النهائي لسياسات الإمبريالية الأمريكية(5).
إن هذه الشركات تعد الأرض كلها سوقًا كبيرًا لها، بما فيها ومن فيها بحيث تتنافس في اقتسام هذه الأراضي دون أي اعتبار لقيم أو أخلاق(6).
وهي نادرًا ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة طويلة الأمد، وإنما تدخل بما يعرف بالأموال الطائرة، في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الفوائد والتي تحقق لها عوائد هائلة، دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية. وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة، فإنها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يعرقل الاقتصاد المحلي، زيادة على ذلك، فإن معظم أنشطتها تقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد.
وخلاصة الأمر أن هذه الشركات تقوم بامتصاص الفوائض المالية لدى المستهلكين عن طريق الإغواء والإغراء الاستهلاكي(7).
ومن هنا فإن نسبة كبيرة من الفساد المنتشر في دول العالم الثالث هي من صنع الشركات المتعددة الجنسيات التي تتركز مقارها في الدول الصناعية، وتعمل على تقديم الرشاوى الكبيرة لمسؤولي الدول المختلفة من أجل الفوز بالصفات دائماً(8).
وبهذا يتحول العالم كله إلى سوق استهلاكية لمنتجات الدول الصناعية وعلى رأسها أمريكا، فهي تمثل عصا استعمارية بيد حكومة عالمية خفية لها مؤسساتها: كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية التجارة الحرة(9).
وعلى ذلك، فإن النتيجة المباشرة لفخ العولـمة هي اللامساواة، وهذا يعني أن البؤس والشقاء وغياب الديمقراطية وضياع كل حلم بالرفاه ستكون بمثابة علامة فارقة لنظام العولـمة في البلاد التي وقعت في فخها(10).
والكارثة التي يمكن أن تحدث لأي بلد تغزوه العولـمة، انتشار الفقر وفقدان العمل البشري لقيمته، وتوجيه هدام يقضي على فرص العمل، فتنتشر البطالة، وينقسم المجتمع إلى مجتمع أغنياء طفيليين خدام للشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، وأكثرية مسحوقة سرقت خيراتها كي تدخل في جيوب رأسمالي العولـمة المتوحشين الذين يملك (358) منهم في الغرب ما يملكه (2.5) مليار من سكان المعمورة؛ لأن النظام المعولم سيخفض نسبة الحاجة إلى العمال إلى 20% أي سيظل 80% منهم عاطلون. وهذا هو الذي يسميه دعاة العولمة بمجتمع الخمس(11).
والنتيجة التي يستخلصها المختصون هي: إذا كان النمو الاقتصادي في الماضي يخلق مناصب الشغل، فإن النمو الاقتصادي في إطار العولـمة يؤدي إلى تخفيض عدد مناصب الشغل، لأن بعض القطاعات في مجال الإلكترونيات والإعلاميات والاتصال وهي من القطاعات الأكثر رواجًا في العالم لا تحتاج إلاّ إلى عدد قليل من العمال. فالتقدم التكنولوجي يؤدي في إطار العولـمة إلى ارتفاع البطالة، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى أزمات سياسية(12).
ومحصلة القول: إن العولـمة الموجهة توجيهًا مباشرًا من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من اليهود والأوربيين، تريد عن طريق المخلب الاقتصادي أن تتمكن من الشعوب عن طريق استغلال حاجياتها الاستهلاكية وقتل المبادرات الوطنية، وتوجيه ثرواتها وهيكلة اقتصادها بتدخل مباشر من المؤسسات المالية والتجارية الخاضعة لها، والتي تغرقها بالديون وفوائد الديون التي لا تتخلص منها ومن ويلاتها، يساعد في ذلك مخططان آخران يمشيان جنبًا إلى جنب بجانب المخطط الاقتصادي، وهما مخطط إخضاع الدولة الوطنية واستلاب الفكر والثقافة عن طريق الفضائيات الكونية التي تبثها مئات الأقمار الصناعية.
2 - العولمة والدولة الوطنية:
يقول الفيلسوف الفرنسي جارودي: "والتيار المهيمن في صفوف الاقتصاديين الرسميين والسياسيين هو الدفاع عن الليبرالية بدون حدود، والداعي إلى اختفاء الدولة أمام السلطة المطلقة للسوق، وحتى لا يبقى أي عائق أمام الاحتلال الاقتصادي"(13). لأن العولـمة تحتاج إلى السيطرة على الدولة الوطنية وإخضاع قوانينها لحركتها وحريتها في العمل. وبذلك تؤدي العولـمة المعاصرة إلى حرمان الدول من حق السيادة المطلقة وصولاً إلى مفهوم جديد للسيادة يركز على العالم أجمع بصفة الوحدة السياسية التي تحل محل الدولة التقليدية المعتادة(14). ومن هنا فإن سيادة الدولة بمعناها الأساسي يتم إعادة تعريفها الآن في الأقل بوساطة قوى العولـمة والتعاون الدولي.
والسيادة في هذا التعريف هي الإدارة الدولية التي ترسم خريطة جديدة للعالم تتوافق مع التصورات العالمية، وهذه الخريطة الجديدة، لن يكون فيها حدود خاصة بكل دولة، بل سيصبح العالم كتلة واحدة متعاونة متكافئة متراضية مسالمة آمنة! كما يقولون زورًا وبهتانًا تخالف الواقع الذي تسيطر عليه العولـمة ومخالبها(15).
وقد يسأل باحث فيقول: وهل تبقى الدولة الوطنية في ظل العولـمة؟ نقول: نعم تبقى الدولة في ظل العولـمة، كأنها إدارة عامة جديدة، أي أنها تتحول إلى حكومة أعمال. وهو ما يترتب عليه وهن الدولة وشرعيتها. ومبعث ذلك يتمثل في أن هذه الدولة تسعى لنيل ثقة الأسواق العالمية على حساب مهامها الأخرى(16).
ولكن ما مهامها الأخرى؟!.
يجيبنا صاحبا كتاب فخ العولـمة فيقولان: "إنهم يهددون بهروب رؤوس أموالهم: أي الشركات المتعددة الجنسيات، ما لم تستجب الحكومات لمطالبهم، وهي مطالب عديدة، مثل منحهم تنازلات ضريبية سخية، وتقديم مشروعات البنية التحتية لهم مجانًا، وإلغاء وتعديل التشريعات التي كانت تحقق بعض المكاسب للعمل والطبقة الوسطى، مثل: قوانين الحد الأدنى للأجور، ومشروعات الضمان الاجتماعي والصحي وإعانات البطالة، وبما يقلل مساهماتهم المالية في هذه الأمور وخصخصة المشروعات، وتحويل كثير من الخدمات العامة التي كانت تقوم بها الحكومات، لكي يضطلع بها القطاع الخاص، وإضفاء الطابع التجاري عليها(17).
ومجمل القول: إنه في ظل العولـمة، تتحول الشركات المتعددة الجنسيات إلى دول حقيقية تقوم بتفكيك الدول وإعادة بنائها من جديد، وجعلها تتنازل تحت ضربات الرأسمالية الاحتكارية عن حقوقها وحدودها الجغرافية وواجباتها تجاه مجتمعاتها، كي تقيم دولة عالمية، قادتها ورؤساؤها رؤوس الاحتكارات العالمية الجشعة من اليهود وغيرهم من الأمريكان وخلفائهم الخاضعين لتوجيهاتهم، كي تمتص دماء الكادحين في المجتمعات الإنسانية، وتقضي على شعورهم الوطني الذي هو شعور بدائي عند الاقتصادي المعولم الشهير ليندبيرج، ولكل هذا اختار عبارة "نهاية الدولة القومية" عنوانًا لكتابه الذي ألفه عام 1995م(18).
3 - عولمة الفضاء الكوني:
ويصح أن نسميها إمبراطورية الفضاء الكوني؛ لأن مجالها الكرة الأرضية كلها، وما حولها كما قيل إلى قرية واحدة عن طريق مئات الأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء الأرضي، وترسل البرامج المنوعة في كل يوم إلى كل عائلة من عوائل بلدان العالم، لتستقبلها أجهزة التلفاز والإنترنت، لتشكل في النهاية سلطة تكنولوجية ذات منظومات معقدة لا تعترف بالحدود الوطنية أو الفضائية أو البحرية، تقودها شبكات اتصالية معلوماتية من خلال سياسة العولـمة واقتصادها وثقافتها وأفكارها وأنظمتها الاجتماعية، كي تقيم عالمًا جديدًا تتسلل دون استئذان إلى عقول وقلوب ونفوس البشر جميعًا دون استثناء من دون رقيب من دولة أو أمة أو دين أو وطن.
وهذه الشبكات يعود معظمها إلى قادة العولـمة من الرأسماليين الاحتكاريين الأمريكيين وغيرهم ممن يدورون حولهم، لكي يمحوا ذاكرة الشعوب ويفرغوها من انتماءاتهم وأصالتهم وثقافتهم وأنظمتهم الاجتماعية، كي يقعوا صرعى أمام مغريات الحياة الرأسمالية الأمريكية وأنماطها الاجتماعية والأخلاقية في التفكير واللبس والأكل والترفيه ودغدغة الأحلام والقيم والوعي، بحيث يسهل تكريس نوع معين من السلع والخدمات والأفكار، والذي يخضع إلى النظام المعولم الذي يُراد له أن يسود العالم أجمع(19).
ولأهمية هذا المجال الرهيب في عالم العولـمة تم عقد أربع مؤتمرات دولية لبحث قضايـاه (جنيف 1992، بوينس أيرس 1994، بروكسل 1995، جوهانسبرج 1996)، نجح خلالها الأمريكيون من تسويق فكرتهم حول مجتمع المعلومات العالمي والضغط لفتح حدود أكبر عدد ممكن من البلدان أمام تدفق المعلومات.
يقول العالم الأمريكي المعروف ناعوم تشومسكي: "إن العولـمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الإعلام، تعزز سيطرة المركز الأمريكي على الأطراف، أي على العالم كله"(20). إن هيمنة أمريكا ناتجة من أن 65% من مجمل المواد والمنتجات الإعلامية والإعلانية والثقافية والترفيهية تحت سيطرتها، ومن إنتاجها. هذا الأمر الذي أدى إلى توجس بعض الدول الغربية وخوفها على أجيالها.
وختامًا، فإن المجال الإعلامي أكثر أوجه العولـمة سلبية؛ إذ يسيطر أصحاب المصالح التجارية والاقتصادية على الإعلام، عبر التوظيف المالي والسيطرة الإدارية والفنية، ويستخدمونه في تشويه معرفتنا بالعالم ووعينا بأنفسنا ومعرفة الآخرين ووعيهم بأنفسهم وقضاياهم(21).
وأخيرًا، فإن عولمة الفضاء الكوني بكل أبعاده، من أخطر القضايا التي تمس العالمين العربي والإسلامي معًا، بسبب سيطرة اليهود على أجهزة الإعلام والاتصالات، وما يرافق ذلك من تشويه الحقائق وطمس معالم الحضارة العربية الإسلامية، وصورة العربي المعاصر وتراثه لدى الرأي العام العالمي(22)
ولقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية بإجبار كثير من الدول الإسلامية، باعتبارها إحدى مكونات مجموعة دول الجنوب، على إعادة هيكلة اقتصادياتها، وفقاً لهذه السياسة الإمبريالية، فاتجهت هذه الدول إلى الخارج لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتبني مفهوم القطاع الخاص، من خلال استخدام آليات السوق الحرة، وما يتطلبه ذلك من التقليص الواضح للملكية العامة وزيادة الفوارق الاجتماعية، ورهن أجيال المستقبل بالديون الخارجية(1).
ولقد تقررت هذه السياسة الاقتصادية الأخيرة نهائياً عندما اجتمع طائفة من الـمُنظرين الأمريكيين وقدموا قضايا لتثبيت السيطرة الأمريكية على العالم، هذه القضايا هي:
1) استعمال السوق العالمية كأداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية.
2) السوق مجال للمنافسة، أي فتح المجال لسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة، لغرض فرض نمط اقتصادي معين على البلدان الأخرى، دون أي اعتبار لمصالح الكادحين.
وتلك الشركات العملاقة تكونت بالدرجة الأولى من الشركات الأمريكية، ثم الأوربية ثم اليابانية متكاتفة متعاونة(2).
ويمكن هنا أن نعرض إحصائية أولية لقوة تلك الشركات المتعددة الجنسيات. فهناك 350 شركة كبرى لتلك الدول تستأثر بما نسبته 40% من التجارة الدولية. وقد بلغت الحصة المئوية لأكبر عشر شركات في قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية 86% من السوق العالمي، وبلغت هذه النسبة 85% من قطاع المبيدات وما يقرب من 70% من قطاع الحاسبات و60% في قطاع الأدوية البيطرية و35% من قطاع الأدوية الصيدلانية و34% في قطاع البذور التجارية(3).
ولا شك أن هذه الاحتكارات ستؤدي إلى إقامة الحواجز بين الشعوب، وسيصبح وسيلة للسيطرة والهيمنة على مصادرها.
وهذه الشركات العملاقة هي في حدود (15) شركة، هم السادة الفعليون الذين يطبقون نظرية: إنتاج أكثر ما يمكن من السلع والمصنوعات بأقل ما يمكن من العمال، من أجل تركيز الثروة العالمية في أيدي الرأسماليين الجشعين من أصحاب تلك الشركات الأمريكية وحلفائها(4).
ونتيجة لهذه السياسة، تنتهي العولـمة الاقتصادية إلى فتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الغربية بدون عائق أو ضوابط، وعليه فلن تستطيع المنتجات المحلية مواجهة المنتجات المستوردة ومنافستها، مما يعني تعثر العديد من الأنشطة الاقتصادية الوطنية. ويكون البديل المتاح هو إما الاقتصار على الاستيراد، وهذا البديل قصير الأمد؛ حيث ستنضب أرصدة السيولة المالية، ويزيد التضخم نتيجة للركود الاقتصادي، وبيع الأصول الاقتصادية إلى الشركات العالمية بحجة الإصلاح الاقتصادي. وهو المطلوب؛ لأنه سيؤدي إلى الاستسلام النهائي لسياسات الإمبريالية الأمريكية(5).
إن هذه الشركات تعد الأرض كلها سوقًا كبيرًا لها، بما فيها ومن فيها بحيث تتنافس في اقتسام هذه الأراضي دون أي اعتبار لقيم أو أخلاق(6).
وهي نادرًا ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة طويلة الأمد، وإنما تدخل بما يعرف بالأموال الطائرة، في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الفوائد والتي تحقق لها عوائد هائلة، دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية. وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة، فإنها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يعرقل الاقتصاد المحلي، زيادة على ذلك، فإن معظم أنشطتها تقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد.
وخلاصة الأمر أن هذه الشركات تقوم بامتصاص الفوائض المالية لدى المستهلكين عن طريق الإغواء والإغراء الاستهلاكي(7).
ومن هنا فإن نسبة كبيرة من الفساد المنتشر في دول العالم الثالث هي من صنع الشركات المتعددة الجنسيات التي تتركز مقارها في الدول الصناعية، وتعمل على تقديم الرشاوى الكبيرة لمسؤولي الدول المختلفة من أجل الفوز بالصفات دائماً(8).
وبهذا يتحول العالم كله إلى سوق استهلاكية لمنتجات الدول الصناعية وعلى رأسها أمريكا، فهي تمثل عصا استعمارية بيد حكومة عالمية خفية لها مؤسساتها: كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية التجارة الحرة(9).
وعلى ذلك، فإن النتيجة المباشرة لفخ العولـمة هي اللامساواة، وهذا يعني أن البؤس والشقاء وغياب الديمقراطية وضياع كل حلم بالرفاه ستكون بمثابة علامة فارقة لنظام العولـمة في البلاد التي وقعت في فخها(10).
والكارثة التي يمكن أن تحدث لأي بلد تغزوه العولـمة، انتشار الفقر وفقدان العمل البشري لقيمته، وتوجيه هدام يقضي على فرص العمل، فتنتشر البطالة، وينقسم المجتمع إلى مجتمع أغنياء طفيليين خدام للشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، وأكثرية مسحوقة سرقت خيراتها كي تدخل في جيوب رأسمالي العولـمة المتوحشين الذين يملك (358) منهم في الغرب ما يملكه (2.5) مليار من سكان المعمورة؛ لأن النظام المعولم سيخفض نسبة الحاجة إلى العمال إلى 20% أي سيظل 80% منهم عاطلون. وهذا هو الذي يسميه دعاة العولمة بمجتمع الخمس(11).
والنتيجة التي يستخلصها المختصون هي: إذا كان النمو الاقتصادي في الماضي يخلق مناصب الشغل، فإن النمو الاقتصادي في إطار العولـمة يؤدي إلى تخفيض عدد مناصب الشغل، لأن بعض القطاعات في مجال الإلكترونيات والإعلاميات والاتصال وهي من القطاعات الأكثر رواجًا في العالم لا تحتاج إلاّ إلى عدد قليل من العمال. فالتقدم التكنولوجي يؤدي في إطار العولـمة إلى ارتفاع البطالة، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى أزمات سياسية(12).
ومحصلة القول: إن العولـمة الموجهة توجيهًا مباشرًا من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من اليهود والأوربيين، تريد عن طريق المخلب الاقتصادي أن تتمكن من الشعوب عن طريق استغلال حاجياتها الاستهلاكية وقتل المبادرات الوطنية، وتوجيه ثرواتها وهيكلة اقتصادها بتدخل مباشر من المؤسسات المالية والتجارية الخاضعة لها، والتي تغرقها بالديون وفوائد الديون التي لا تتخلص منها ومن ويلاتها، يساعد في ذلك مخططان آخران يمشيان جنبًا إلى جنب بجانب المخطط الاقتصادي، وهما مخطط إخضاع الدولة الوطنية واستلاب الفكر والثقافة عن طريق الفضائيات الكونية التي تبثها مئات الأقمار الصناعية.
2 - العولمة والدولة الوطنية:
يقول الفيلسوف الفرنسي جارودي: "والتيار المهيمن في صفوف الاقتصاديين الرسميين والسياسيين هو الدفاع عن الليبرالية بدون حدود، والداعي إلى اختفاء الدولة أمام السلطة المطلقة للسوق، وحتى لا يبقى أي عائق أمام الاحتلال الاقتصادي"(13). لأن العولـمة تحتاج إلى السيطرة على الدولة الوطنية وإخضاع قوانينها لحركتها وحريتها في العمل. وبذلك تؤدي العولـمة المعاصرة إلى حرمان الدول من حق السيادة المطلقة وصولاً إلى مفهوم جديد للسيادة يركز على العالم أجمع بصفة الوحدة السياسية التي تحل محل الدولة التقليدية المعتادة(14). ومن هنا فإن سيادة الدولة بمعناها الأساسي يتم إعادة تعريفها الآن في الأقل بوساطة قوى العولـمة والتعاون الدولي.
والسيادة في هذا التعريف هي الإدارة الدولية التي ترسم خريطة جديدة للعالم تتوافق مع التصورات العالمية، وهذه الخريطة الجديدة، لن يكون فيها حدود خاصة بكل دولة، بل سيصبح العالم كتلة واحدة متعاونة متكافئة متراضية مسالمة آمنة! كما يقولون زورًا وبهتانًا تخالف الواقع الذي تسيطر عليه العولـمة ومخالبها(15).
وقد يسأل باحث فيقول: وهل تبقى الدولة الوطنية في ظل العولـمة؟ نقول: نعم تبقى الدولة في ظل العولـمة، كأنها إدارة عامة جديدة، أي أنها تتحول إلى حكومة أعمال. وهو ما يترتب عليه وهن الدولة وشرعيتها. ومبعث ذلك يتمثل في أن هذه الدولة تسعى لنيل ثقة الأسواق العالمية على حساب مهامها الأخرى(16).
ولكن ما مهامها الأخرى؟!.
يجيبنا صاحبا كتاب فخ العولـمة فيقولان: "إنهم يهددون بهروب رؤوس أموالهم: أي الشركات المتعددة الجنسيات، ما لم تستجب الحكومات لمطالبهم، وهي مطالب عديدة، مثل منحهم تنازلات ضريبية سخية، وتقديم مشروعات البنية التحتية لهم مجانًا، وإلغاء وتعديل التشريعات التي كانت تحقق بعض المكاسب للعمل والطبقة الوسطى، مثل: قوانين الحد الأدنى للأجور، ومشروعات الضمان الاجتماعي والصحي وإعانات البطالة، وبما يقلل مساهماتهم المالية في هذه الأمور وخصخصة المشروعات، وتحويل كثير من الخدمات العامة التي كانت تقوم بها الحكومات، لكي يضطلع بها القطاع الخاص، وإضفاء الطابع التجاري عليها(17).
ومجمل القول: إنه في ظل العولـمة، تتحول الشركات المتعددة الجنسيات إلى دول حقيقية تقوم بتفكيك الدول وإعادة بنائها من جديد، وجعلها تتنازل تحت ضربات الرأسمالية الاحتكارية عن حقوقها وحدودها الجغرافية وواجباتها تجاه مجتمعاتها، كي تقيم دولة عالمية، قادتها ورؤساؤها رؤوس الاحتكارات العالمية الجشعة من اليهود وغيرهم من الأمريكان وخلفائهم الخاضعين لتوجيهاتهم، كي تمتص دماء الكادحين في المجتمعات الإنسانية، وتقضي على شعورهم الوطني الذي هو شعور بدائي عند الاقتصادي المعولم الشهير ليندبيرج، ولكل هذا اختار عبارة "نهاية الدولة القومية" عنوانًا لكتابه الذي ألفه عام 1995م(18).
3 - عولمة الفضاء الكوني:
ويصح أن نسميها إمبراطورية الفضاء الكوني؛ لأن مجالها الكرة الأرضية كلها، وما حولها كما قيل إلى قرية واحدة عن طريق مئات الأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء الأرضي، وترسل البرامج المنوعة في كل يوم إلى كل عائلة من عوائل بلدان العالم، لتستقبلها أجهزة التلفاز والإنترنت، لتشكل في النهاية سلطة تكنولوجية ذات منظومات معقدة لا تعترف بالحدود الوطنية أو الفضائية أو البحرية، تقودها شبكات اتصالية معلوماتية من خلال سياسة العولـمة واقتصادها وثقافتها وأفكارها وأنظمتها الاجتماعية، كي تقيم عالمًا جديدًا تتسلل دون استئذان إلى عقول وقلوب ونفوس البشر جميعًا دون استثناء من دون رقيب من دولة أو أمة أو دين أو وطن.
وهذه الشبكات يعود معظمها إلى قادة العولـمة من الرأسماليين الاحتكاريين الأمريكيين وغيرهم ممن يدورون حولهم، لكي يمحوا ذاكرة الشعوب ويفرغوها من انتماءاتهم وأصالتهم وثقافتهم وأنظمتهم الاجتماعية، كي يقعوا صرعى أمام مغريات الحياة الرأسمالية الأمريكية وأنماطها الاجتماعية والأخلاقية في التفكير واللبس والأكل والترفيه ودغدغة الأحلام والقيم والوعي، بحيث يسهل تكريس نوع معين من السلع والخدمات والأفكار، والذي يخضع إلى النظام المعولم الذي يُراد له أن يسود العالم أجمع(19).
ولأهمية هذا المجال الرهيب في عالم العولـمة تم عقد أربع مؤتمرات دولية لبحث قضايـاه (جنيف 1992، بوينس أيرس 1994، بروكسل 1995، جوهانسبرج 1996)، نجح خلالها الأمريكيون من تسويق فكرتهم حول مجتمع المعلومات العالمي والضغط لفتح حدود أكبر عدد ممكن من البلدان أمام تدفق المعلومات.
يقول العالم الأمريكي المعروف ناعوم تشومسكي: "إن العولـمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الإعلام، تعزز سيطرة المركز الأمريكي على الأطراف، أي على العالم كله"(20). إن هيمنة أمريكا ناتجة من أن 65% من مجمل المواد والمنتجات الإعلامية والإعلانية والثقافية والترفيهية تحت سيطرتها، ومن إنتاجها. هذا الأمر الذي أدى إلى توجس بعض الدول الغربية وخوفها على أجيالها.
وختامًا، فإن المجال الإعلامي أكثر أوجه العولـمة سلبية؛ إذ يسيطر أصحاب المصالح التجارية والاقتصادية على الإعلام، عبر التوظيف المالي والسيطرة الإدارية والفنية، ويستخدمونه في تشويه معرفتنا بالعالم ووعينا بأنفسنا ومعرفة الآخرين ووعيهم بأنفسهم وقضاياهم(21).
وأخيرًا، فإن عولمة الفضاء الكوني بكل أبعاده، من أخطر القضايا التي تمس العالمين العربي والإسلامي معًا، بسبب سيطرة اليهود على أجهزة الإعلام والاتصالات، وما يرافق ذلك من تشويه الحقائق وطمس معالم الحضارة العربية الإسلامية، وصورة العربي المعاصر وتراثه لدى الرأي العام العالمي(22)