وجاء في مقال آخر بعثته إلى أحد الأصدقاء مايلي :
يحبّذ العديد من القرّاء و حتى الكتّاب في أيامنا هذه النظر بعين واحدة الى الأحداث التي تجري في المنطقة. بعضهم يفعل ذلك بدون قصد منه و عن حسن نيّة, و منهم من يفعل ذلك امّا قصد تورية التناقضات و إخفائها عن العامة عمدا, و امّا تسهيلا عليه لاستيعاب الكم الهائل من التطورات و لعدم الغوص في تفكيك و تحليل التناقضات المرتبطة ببعضها البعض.
الفلسطينيون في عين العاصفة من جديد, و كأن القدر أن يلاحقهم الموت حتى في البلدان التي لجؤوا اليها هربا من المجازر الاسرائيلية و حماية لأولادهم و أطفالهم و بحثا عن مستقبل لهم يخوّلهم استعادة حقّهم في وطنهم من جديد.
تشير الدراسات المختلفة حول اللاجئين الفلسطينيين العراق ، الى رحيل نحو (4000-5000) فلسطيني تحت وطأة المجازر الاسرائيلية عام 1948 معظمهم من قرى قضاء حيفا الى الجمهوريـة العراقية ، و ذلك بواسطة شاحنات الجيش العراقي التي انسحبت من الساحل الفلسطيني الى جنين حيث تجمعت و انتقلت بعد ذلك الى بغداد. و تفيد الاحصاءات المتوافرة الى ارتفاع مجموع اللاجئين الفلسطينيين في العراق نتيجة التكاثر الطبيعي الى (44000) أو أقل قليلا في نهاية العام 2003 تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق. تستأثر العاصمة العراقية بغداد على 96.1 من اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، و2.4% في الموصل ، و 1.5 % في البصرة.
لقد أضحى اللاجئون الفلسطينيون في العراق عقب احتلال العراق عام 2003,هدفاً للعنف والمضايقات والطرد من المنازل حيث دأبت العصابات الشيعية على إطلاق أسلحتها الهجومية وقذائف الهاون على أماكن سكن الفلسطينيين، وإلقاء القنابل داخل بيوتهم. و لم يقتصر الأمر على طردهم من منازلهم و تهديدهم و اذلالهم بل وصل الى حد سجنهم و قتلهم و تعذيبهم و تشويههم, و لم ينحصر الأمر على حالات فرديّة بل تعدّاه ليصبح ظاهرة لفتت انتباه المنظمات العالمية.
فلسطينيو العراق "وهّابيون" و "ارهابيون"!!
لقد أدّى احتلال العراق الى انهيار الدولة و المجتمع و كل ما يتّصل بهما مع ما يترافق من أمان و استقرار و الحق الاول في تواجد الانسان و هو الحق في الحياة. و بدلا من ان يفترض المنطق قيام الحكومات العراقية التي قدمت مع الاحتلال الأمريكي بتأمين الحماية لهؤلاء اللاجئين نظرا لوضعهم الاستثنائي و لانعدام الخيارات لديهم, قامت هذه الحكومات خلال العامين الماضيين بالتعبير عن عدائية طائفية و سياسية معلنة ضدهم من خلال الادعاء بأنهم متورطون في "الإرهاب ويدعمون المتمردين!!" بدءا بحكومة الجعفري التي عملت على نسب الارهاب اليهم من خلال دفع بعضهم بالادلاء بشهادات متلفزة كاذبة نتيجة التعذيب بالتعاون مع وزير الداخلية الطائفي و الشعوبي و صاحب فضيحة معتقلات التعذيب الشيعية "بيان جبر صولاغ" المنتمي الى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم. و قام اتباع وزارة الداخلية من "لواء الذئب" و فيلق بدر و باعتراف منظمة هيومان رايتس ووتش باعتقال وتعذيب العديد من اللاجئين الفلسطينيين كما كانوا مسؤولين عن اختفاء الكثير منهم في عدد من الحالات,و ترافق ذلك مع قيام فيلق بدر بتوزيع منشورات على نطاق واسع في كل من غداد و الحرية و البلديات يهدّد بقتل الفلسطينيين اذا لم يرحلوا من البلاد بدعوى أنّهم (وهّابيون يساندون الارهابيين!!).
و في أكتوبر 2005، دعت وزيرة الهجرة والمهجرين الحكومة إلى إبعاد جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى غزة متهمةً إياهم بالمشاركة في الأعمال الإرهابية. وقد تلقت منظمات حقوقية دولية إفاداتٍ متطابقة من فلسطينيين عراقيين تتحدث عن قيام جهات تابعة لوزارة الداخلية بمضايقة اللاجئين الفلسطينيين في العراق وممارسة التمييز بحقهم واستهدافهم بالاعتقال واتهامهم بالإرهاب.
و ينقل الأستاذ عبد الكريم ريحاوي رئيس المنظمة السورية سواسية لحقوق الانسان شهادة احد الفلسطينيين للتعذيب الذي تعرض له لمجرد كونه فلسطينيا, فهو احتجز ثمانيةً وستين يوماً في قاعدة الكوت العسكرية جنوب بغداد و يقول: "كان الحرس يدخلون غرفة الاحتجاز ويسألون عن "الفلسطيني"؛ وكانوا يضربونه بانتظام ويعرضون قضيبه للتيار الكهربائي. وقد قال محامي مجموعة من الفلسطينيين اعتقلوا في مايو 2005 بتهمٍ تتعلق بالإرهاب أن موكليه تعرضوا للضرب بالسلاسل الحديدية وللصدمات الكهربائية ولحرق الوجه بالسجائر، ووضعوا في غرفةٍ تغمرها مياهٌ مكهربة. كما اعتقلت وحدات الحرس الوطني العراقي في أبريل 2005 فلسطينياً في الخامسة والسبعين من العمر؛ ومازال الرجل "مختفياً"، مع وجود شكوك بقيامهم بقتله أثناء الاحتجاز.
لقد دفعت حالت القتل الفاضحة المفوض السامي للاجئين أنطونيو غوتيريس إلى مناشدة الرئيس العراقي جلال الطالباني التدخل لوقف أعمال القتل بحق الفلسطينيين و عدم التضييق عليهم. فبعد أن كان اللاجئون الفلسطينيون يتمكنون بسهولةٍ من تجديد إقامتهم في العراق فيما مضى، أصدرت وزارة الداخلية تعليماتها لهم بالحصول على تصاريح إقامة قصيرة الأجل معاملةً إياهم بوصفهم أجانب غير مقيمين بدلاً من معاملتهم كلاجئين معترفٍ بهم. كما أن إجراءات الحصول على الإقامة شاقةٌ ومرهقة، إذ تتطلب أن يُحضر اللاجئ الفلسطيني جميع أفراد أسرته إلى مكتب تابع لوزارة الداخلية بغية تجديد تصاريح الإقامة، وهو أمر قد يستغرق أياماً أو أسابيع. كما أن تصاريح الإقامة الجديدة تكون صالحةً لشهرٍ أو شهرين فقط!!
فيلق بدر و جيش المهدي يغتالون فلسطينيين على قائمة اسرائيل!!
و في إطار الحملة الإعلامية التحريضية الشعوبية على الوجود العربي بشكل عام والوجود الفلسطيني بشكل خاص في أرض الرافدين ؛ تظهر الأحقاد الدفينة ( الطائفية والعنصرية ) التي تغذّيها أفكار الصفويين في ايران و اموالهم.
اذ لم تكتف فرق الموت الايرانية و جماعات التكفير الشيعية في قتل العلماء و الأستاذة و العسكريين السابقين الذين شاركو في الحرب العراقية-الايرانية و في اغتيال العقول العلمية و الدينية و الكفاءات و المجاهدين (و هذا موضوع يحتاج الى بحث كامل) بل تعدّته الى سفك دماء الفلسطيني في العراق مقدّمة بذلك خدمات جليلة و هديّة عظيمة الى الموساد الاسرائيلي و الدولة الصهيونية التي يتغنّون بلعنها و الموت لها في ايران كل جمعة. الحقائق بطبيعة الحال تتكلم عن نفسها, فمن أبرز الاغتيالات التي قام بها كل من فيلق بدر بقيادة عبدالعزيز الحكيم و جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر المدعومين مباشرة من الجمهورية الاسلامية الايرانية في المال و التدريب و التسليح, اغتيال ثلاثة من أشهر القادة الفلسطينين الواردة اسماؤهم على لائحة الاغتيالات الاسرائيلية منذ العام 2000 عرف من بينهم و من أشهرهم الشيخ أحمد فرج أحد قادة حماس السابقين والذي يعتبر على رأس قائمة الاغتيالات الصهيونية, الأمر الذي دفع محمود أحمد فتحي عضو جمعية شئون الفلسطينيين في العراق الى ان يقول في تصريح صحفي: "إن العصابات الشيعية التي يقودها السيستاني والحكيم والصدر قد نفذت وبجدارة أجندة إسرائيل تجاه الفلسطينيين المطلوبين لديها والذين قام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بإيوائهم في العراق. انّ قائمة الفلسطينيين الذين تم اغتيالهم على يد تلك العصابات الشيعية الإيرانية طويلة و يكفي ان نعرف انّها قامت خلال الأشهر الستة المنصرمة باغتيال ثلاثة فلسطينيين في بغداد كانوا على قائمة الاغتيالات الصهيونية ومطلوبين للكيان الصهيوني منذ عام 2000و قتلت الشيخ أحمد فرج أحد قادة حماس السابقين والذي يعتبر على رأس قائمة الاغتيالات الصهيونية".
كما اتهم رئيس كتلة فتح بالمجلس التشريعي السفير الفلسطيني السابق بالعراق عزام الأحمد هذه العصابات الشيعية باستهداف الفلسطينيين بالقتل لأسباب عرقية وطائفية, قائلا: "إن القوى العراقية القادمة من إيران وتحديداً المجلس الأعلى للثورة الإسلامية قد ارتكبت أكبر أعمال قتل ضد الفلسطينيين بالعراق لأسباب عرقية طائفية, و انّ سبب القتل ليس سياسيا بل معظمهم قتل نتيجة التعصب من قِبل قوى طائفية ضد الفلسطينيين والعرب عموماً".
قتلى الفلسطينيين في العراق يفوق عدد قتلاهم في اسرائيل!!
استنادا الى ما اعلنه السيد قاسم محمد مدير مركز حقوق الإنسان والدراسات الديمقراطية, فان "عدد من قتل من الفلسطينيين في العراق على يد جيش المهدي وفيلق بدر خلال العام المنصرم والحالي يفوق عدد قتلاهم على يد اليهود في فلسطين خلال الفترة نفسها". و على الرغم من انّه لا احصاء رسمي بخصوص عدد القتلى الفلسطينيين على أيدي العصابات الشيعية المدعومة ايرانيا, فانّ التقديرات تتفاوت وصولا الى الرقم 900, و بعض المصادر تضيف عدد المهجّرين و المعذّبين و المعتقلين فيصبح العدد عندها باللآلاف. لكنّ الأكيد في جميع الأحوال انّ العدد كبير و انّ الامر خرج عن كونه عملا فرديا ليصبح ظاهرة جذبت اهتمام المنظمات الاقليمية و الدولية المهتمّة بحقوق الانسان و اللاجئين. فقد توعدت لجنة الدفاع عن حق العودة في الاردن بانها ستلاحق المجموعات المسلحة التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين في العراق بكل الملفات والوثائق لتقديمهم للعدالة الدولية وكل من يقف وراءهم كمجرمي حرب ارتكبوا العديد من اعمال القتل والتنكيل بحق المدنيين الابرياء وخاصة اللاجئين الفلسطينيين في العراق. واعلنت اللجنة في بيان اصدرته انها بصدد العمل على تقديم دعوى رسمية للمحكمة الجنائية الدولية ضد هذه المجموعات بالتعاون مع لجان الدفاع عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين في العالم ومنظمات حقوق الانسان والجمعيات الحقوقية والانسانية.
و كانت منظّمة هيومان رايتس ووتش قد ذكرت الشهر الفائت انّها حصلت على منشور يحمل وزّعه جيش المهدي في بغداد و يحمل اسم "وحدات الرد السريع لكتيبة ثأر آل البيت" جاء فيه: "لا مكان للفلسطينيين في عراق علي والحسن والحسين, سيوفنا يمكن أن تصل إلى الرقاب" وحث الفلسطينيين على مغادرة العراق و الذهاب "لمقاتلة الاحتلال في بلدكم"!!.
هذه الانتهاكات و الاغتيالات بحق الفلسطينيين في العراق زادت لديهم الشعور بالمرارة من موقف الحركات الجهادية الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس والجهاد ، فالبرغم من النداءات الكثيرة لهم بالتدخل لدى الحكومة الإيرانية لوقف هجمات عصاباتها إلا أنهم يرفضون مبدأ التدخل من غير حجة معقولة. بل زاد الوضع سوءًا عمليات التلميع التي تقوم بها بعض الجماعات و الأحزاب الموالية لايران في المنطقة و التي تدّعي حمايتها للفلسطينيين و الدفاع عنهم. فهل دم الفلسطيني حلال لإيران وعصاباتها في العراق؟!!.