التفاعل
18
الجوائز
677
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة للشيخ سليم الهلالي
كلمة للشيخ سليم الهلالي
الكتاب والسنة يجمعنا
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وآله وصحبه ووفده.
أما بعد: فإن الناظر في مقاصد الكتاب والسنة يجد أن من أهمها وأعلاها جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم.
فهذا ربنا –تبارك وتعالى- يخاطبنا بالأمة الواحدة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون}[الأنبياء:92]، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون}[المؤمنون:52].
بل إن هذا المقصد الألهي عده الله نعمة كبرى ومنة عظمى على الموحدين {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون}[آل عمران:103].
وكذلك تحقيقه لا يتم إلا بتوفيق الله وعونه، وتسديده مهما بذل الناس السبل إليه فلن يصلوا إليه إلا بما شرعه الله من السنن الكونية والشرعية {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِين * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم}[الأنفال:62-63].
ومن أهم ما شرعه الله في ذلك:
1- التوحيد: فلا توحيد للكلمة إلا بكلمة التوحيد، ولذلك كانت الدعوة إلى التوحيد هي أصل الرسالات الإلهية جميعها من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليهم وسلم، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين}[النحل:36].
2- السنة الصحيحة: فإنها تجمع ولا تفرق، بل هي العلاج الشافي من داء التفرق والتشرذم؛ كما في حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- الصحيح: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
ولما كانت السنة توحد الكلمة وتجمع الشمل فإن أهلها هم أهل السنة والجماعة.
3- السلفية: وهي انتساب لجيل الصحابة –رضي الله عنهم- والعمل بمنهجهم في الفهم والإصلاح والهداية، ولم تعرف الأمة جيلاً توحدت كلمته كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ولذلك فإن المتمسكين بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يختلفون، ولا يتباغضون، ولا بتدابرون.
وهذه الأصول الثلاثة هي التي توحد كلمة المسلمين، وتجمع شملهم، وتعلي رايتهم، وتنصرهم على أعدائهم، فإن ابتغوا ذلك في غيرها فلن يصلوا إلى مرادهم، أو يحققوا غايتهم، فمن أراد النجاة سلك مسالكها، وقرع أبوابها، ولذلك كان من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي».
... لذلك كله فإن الكتاب والسنة يجمعنا لكن بفهم السلف الصالح ومنهجهم وعقيدتهم وسلوكهم وأخلاقهم وتربيتهم، فإن الله مدح تابعيهم بإحسان: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[التوبة:100]، ولن نكون من المتبعين بإحسان إلا إذا تمسكنا بغرزهم في كل شأن من شؤون حياتنا الدنيوية والأخروية.
فإن وجد خلاف ما ذكرنا وعكس ما قررنا مع وجود هذه الأصول الثلاثة، فإنه داء الأمم الذي أصاب ما قبلنا من التنافس والتحاسد والبغي والظلم {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَاب}[آل عمران:19]؛ وعندها لا بد أن يزكي المسلم نفسه بأن يعلم أن الله معه حيث كان، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأنه بالمرصاد، {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد}[الفجر:14].