الرابح والخاسر

الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.

عاشق غزة

:: عضو منتسِب ::
الحقيقة أنني طوال فترة العدوان الغاشم والاعتداء الصارخ على كل القيم والشرائع والحقوق الإنسانية في غزة من قبل عدو لم ولن يعرف التاريخ مثله ، حتى الأنبياء الذين أُوذوا على أيدي أجدادهم ( اليهود)

لم يكن العداء بمثل هذه الصورة التي أقل ما يقال عنها بأنها الأبشع على الإطلاق، أقول : إنني طوال تلك الفترة آثرت وأحجمت عن الكتابة لا لشيء إلا لبشاعة المناظر وغزارة الدماء وعلو الصراخ والآهات وتعاظم الخيانة وقلة المروءة من أخوتنا العرب ( وأقصد هنا ما يسمى بدول الاعتدال )، ثم إن أقذع الكلمات وأشدها ستكون ذليلة في محراب عدم المقدرة على فعل شيء أمام تلك المآسي التي عاشها أخوتنا في غزة.
واليوم وقد بدأت عملية نفض الغبار عن ذلك الرصاص المصبوب على أبناءنا وأخوتنا في غزة ، وبدأت معها تتكشف أهوال الجريمة نجد التصميم والعزيمة والمقدرة على المواجهة بل والمبادرة نجدها بأبهى صورها، حيث يثبت إنساننا العربي هناك مقدرته على مواجهة الصعاب ، ومواجهة أعتى أنواع الإرهاب ، والوقوف نداً يقارع ويصارع بإيمان مطلق بالله تعالى وبعدالة القضية وحتمية النصر ، وصمود المقاومين الأشاوس هو بالتأكيد ملحمة أسطورية تتمتع بكل مقومات البطولة، فتحت الباب أمام كتاب ناصع الصفحات ممهوراً بدم طاهر .
بالتأكيد كل معركة لها خسائرها ، ونحن في هذه المعركة أبداً لم نخسر ، لأننا انتصرنا ، وانتصرت إرادتنا أولاًً ، ونفضنا بعضاً من غبار الذل والهوان الذي لحق بنا جراء الهرولة وراء سلام مزعوم في لوح محفوظ في عقول تشبّعت ورضعت من حليب الخوف ...
والحديث عن الربح والخسارة هو الآن حديث يكاد يعلوه صوت واحد ، صوت الانتصار ، لأن النصر تحقق ، ونقيض الربح الخسارة ، فماذا برأيهم خسرنا ، وهنا لن أتحدث عن الأثر الذي تركته هذه الهمجية على الداخل في الكيان الإرهابي ، من الخوف وحالات الانهيار التي أصابت هذا الكيان الإرهابي عدا عن الخسائر المادية ، حقاً لقد سقطت أسطورة التفوق وما يسمى بقوة الردع المزعومة ، قلت : إنني لن أكتب عن أثر هذه المعركة على داخل هذا الكيان الإرهابي بل سأكتب رداً على تلك الأصوات والأسواط التي تنادت من هنا ومن هناك وخاصة ممن يدعون بأبناء جلدتنا وأخوتنا على الأقل بالعروبة .
فالحديث عن خسارة الأرواح ، فهذا كلام فيه نظر ، لأن الشهادة ربح دائم ، والدنيا ربح زائل ، ونحن شعب نعشق الشهادة ونطلبها ، نخرجها من رحم نساءنا ونزرعها في عقول وقلوب أبناءنا ، فكلنا مشروع شهادة ، وبالتالي فإن الحديث عن الكم الكبير من الأرواح التي زُهقت أنه خسارة للمعركة فهذا كلام غير صحيح على الجانب المعنوي لأننا كما قلت كلنا مشاريع شهادة .
أما عن خسارة المال والتدمير المنهجي الذي اتبعه العدو وخاصة لكل مقومات الحياة هناك ، فالدمار الهائل والخراب الفوضوي المجنون ، والفساد والإفساد ، فهذه إذا ما قيست بالخسائر التي تكبدها العدو فهي بالتأكيد ربح وليس خسارة .
والحديث عن انتصار لدول ما يسمى بدول الاعتدال من خلال مبادرات تخرج العدو من ورطته فهذا أيضاً غير صحيح، ودليله أن الناس في تلك الدول ـ كما في باقي أنحاء العالم ـ خرجت تعبر عن عدم رضاها عما يحصل ، وهنا نسجل أيضاً أن تلك الدول وقادتها تحديداً قد خسروا ، وأعظم تلك الخسارة هي خسارتهم لأنفسهم وخسارتهم لشعوبهم ، وابتعادهم عن مطالب شعبية ملحة ، ولا أظن أن هناك أكبر من هذه الخسارة .
وأيضاً هنا نسجل عودة التحدث من جديد عن مفاهيم كاد شعبنا أن ينساها ـ إن لم نقل نسيها ـ بفعل فاعل غير خاف على أحد من مثل : المقاومة والحرب والجهاد ودول تصنف على أنها دول ممانعة ....
ولعل الربح الكبير والانتصار العظيم الذي تحقق هو في التحول النوعي لنوع المعركة ، صحيح أنها تدميرية ، لكنها نوعية من حيث المكان ، فهذه المرة الأولى التي يخوض شعبنا العربي في فلسطين المعركة على أرضهم ، من داخلها وليس من خارجها ، فإسرائيل منذ نشأتها خاضت المعارك كلها خارج حدود كيانها المصطنع ، واليوم بفضل المقاومة أصبح النضال من قلب المعركة ، وليس من أطرافها ، لقد أصبحت الأرض تضيق عليهم ، أصبح الخوف في داخلهم ...
بالتأكيد هناك ربح حصلنا عليه ، وليس بالضرورة أن نرى نتائجه مباشرة ، وإن كانت تتبدى نتائجه على الأرض ، فما حصل في قمة الكويت هو حتماً نتيجة من نتائج ربحية وكسب من مكاسبها ، وما قيل في تلك القمة، والحراك السياسي الذي توّلد عشية وقف الأعمال العدائية هو بالتأكيد أيضاً ربح يسجل في القائمة التي ستطول إن شاء الله .
بقلم : محمود طالب الحريري
 
الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.
العودة
Top Bottom