دعوة إلى أدب قرآني

أبو العبــــاس

:: عضو مُتميز ::
إنضم
10 سبتمبر 2009
المشاركات
1,270
النقاط
43
محل الإقامة
سيدي خالد...بسكرة
الجنس
ذكر

دعوة إلى أدب قرآني
محمود رداوي
إن مجال القرآن وإيحاءاته كبيرة واسعة.. في كل مرة بعد التلاوة أو القراءة يجد قارئه أمورًا ومعاني ودلالات جديدة، وكلما أمعن في التلاوة تكشفت له آفاق جديدة من المشاعر والأفكار، وقد يقف عند الآية أو الآيتين كثيرًا؛ ليستمد منها مادة رائعة في الكتابة الأدبية، وما أكثر تلك الآيات التي تدعو المبدع كي يجول في عالم السماء وعالم الأرض، ليخرج لنا عملًا جديدًا فذا ومتميزًا.
فمعاني الآيات وإيحاءاتها الدالة تلاحق المرء أو تواكبه أينما كان، مع نفسه وأسرته، ومجتمعه، ووطنه، وأمته.. ومع الأحباب الأخيار، والأعداء الأشرار، سواء كانوا فردا أم جماعة، أم قيادة أم دولة.
ويجب ألا يفهم من هذه الدعوة القرآنية أن نحوِّل مجال الأدب القرآني الجديد إلى مجال علم التفسير والمفسرين، ولكن هذا لا يمنع أن يجول المبدع أيضًا في تراثنا التفسيري القديم والحديث، ليستمد منه أجواء تسعفه في ارتياد آفاق عريضة لمعاني القرآن التي ستكون له سندًا لمادته الأدبية.
إننا بصدد عرض مبادئ عامة في التوجه إلى أدب عربي إسلامي جديد، ينبت في أرض متميزة في ماضيها وحاضرها، وإن نصوص القرآن متروكة للمبدع كي يختار أو يستوحي، لأن لكل مقام مقالًا، ولكل حالة اختيارًا.
فالكتاب الإلهي مفتوح، والباب واسع لكل من أراد التقرب منه، وولوجه ليختار ما يشاء، كما قد يقول قائل: الفن والدين. ومع كل ذلك فيمكن لنا- في هذا الصدد- أن ننوّه ببعض الآيات التي يمكن لنا أن نوظفها في أعمال إبداعية، ولنأخذ الآيات التالية حسب تسلسلها في القرآن:
< مثلًا ذاك الذي ذكر في القرآن الكريم في قوله تعالى: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يوم} (البقرة: 259).
< {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ...} (يونس: 45).
<{يوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 52).
< وعن أصحاب الكهف الذين أماتهم الله أكثر من ثلاثمائة سنة: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم...} (الكهف: 19).
< {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} (النازعات: 46).
فهذه الآيات ذات مدلول واحد، وهو الحياة بعد الموت، سواء كان الموت الذي تتبعه الصحوة في الدنيا، أم الموت الذي تتبعه الصحوة في الآخرة، وهو مدلول مكرر كي يكرسه المبدع في موقف أو مشهد قصصي أو روائي حيال الصراع المذهبي الفكري بين الشخوص والأبطال في الحياة، إذ تنتابهم قضية جوهرية ومصيرية في حياة الإنسان وإيمانه ووجوده، ومن زوايا مختلفة ومتنافرة، وهي قضية الموت والبعث والحساب، والزمن الفاصل بينهم، فما أكثر المنكرين للبعث؟ أو من هم- على الأقل- يرون أن الحقبة الزمنية التي يرقد فيها الأموات تطول آلاف القرون المؤلفة، بل هي رقدة تكاد تكون أبدية لا تقاس بالسنين والقرون. ولابد من موقف آخر يتبلور كي يتصدى لأولئك المفكرين الملحدين الذين يقيسون أمورهم وزمنهم بمنطق الإنسان في الحياة، وكي يظن- الموقف المتصدي- أن للأموات منطقًا آخر مستمدًا من منطق الخالق حالما تفارق المرء روحه، وحالما يرقد المرء ميتًا سيخضع للمنطق الإلهي حيال الزمن: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (الحج: 47).
وهكذا ستكون رقدة الأموات رقدة قصيرة، ستعقبها اليقظة العاجلة، أي أن البعث والنشور والحساب سيعقب الموت مباشرة، لأن من يمت الآن سيحيا غدًا.. وسيرى أنه كان البارحة حيًّا، وما أقصر تلك الرقدة! وما أسرع الصحوة بعد الموت! ومن تكن هذه هي رؤيته سيخاف كثيرًا في الدنيا قبل أن يدركه الموت وقبل أن يتفرق الحساب السريع.
فعندها سيعرف الجميع.. جميع العباد، كبير وصغير ووجيه وحقير وبريء وظالم أن ثمة حياة جديدة بعد يوم من مماتهم.. كل واحد سينهض، سيحيا سريعًا ليواجه المحكمة الإلهية الكبرى.
باحث لغوي....عن مجلة الوعي أإسلامــــي
 
Top