مفهوم علم الواقع ‏ رؤية شرعية منهجية

azam

:: عضو مُشارك ::
إنضم
12 جانفي 2012
المشاركات
275
النقاط
6
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

مفهوم علم الواقع ‏
رؤية شرعية منهجية


الفصل الأول
أهمية دراسة الواقع
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلوات و أتم والتبريكات على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد:
فإن الانتباه لدراسة علم الواقع بشتى شرائحه، ودوائره لهو نقلة نوعية من حالة المراهقة في العمل الإسلامي إلى حالة الرشد.
ويمكننا تلخيص أهمية دراسة علم الواقع بالنقاط التالية:
1) دراسة علم الواقع واجب شرعي قبل كونه ضرورة يحتمها العمل الإسلامي الراشد:
إن دراسة علم الواقع هو واجب شرعي، وفريضة ربانية، قبل كونه ضرورة من ضرورات العمل الإسلامي ويستفاد ذلك مما يلي:
أ- دراسة علم الواقع مقدمة الواجب لتحقيق المهام الربانية المقدسة في حياة الأمة الإسلامية:
أوجب الله على هذه الأمة الإسلامية، واجبات عظيمة، بحكم الدور الريادي الذي تحمله بين الأمم، بما حباها الله من شهادة على أمم الأرض، ومن هذه الواجبات العظيمة، إقامة الدين بجعل السيادة المطلقة للشرع، ونشره بين أمم الأرض، لإخراج البشرية من حالة الظلم والظلمات التي تفرزها شرائع الغاب، وإقامة العدل في تقسيم ثروات الأرض، وفي كيفية استخدام هذه الثروات، والنهوض لأداء هذه الواجبات الربانية المقدسة، يلزم منه التعرف على السنن الكونية التي أثرت في الواقع، وجعلته يخرج بهذا الشكل وبهذه اللوحة.
وبعبارة أخرى إن تحرك الأمة الإسلامية للقيام بعمل إيجابي تغييري بما يحقق أوامر الله في تأسيس دولة الإسلام وتنزيل أحكام الدين من الحالة النصيّة إلى الحالة التطبيقية يلزم منه بداهة: الأخذ بمقدمات ذلك من معرفة للواقع، والقوى المؤثرة فيه، والسنن الكونية والإلهية التي صنعته، ومن هنا تكمن أهمية دراسة علم الواقع بوصفة مقدمة الواجب لواجبات عظيمة في حياة الأمة الإسلامية (وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
ب - دراسة واقع الأمة الإسلامية وحالها، واجب شرعي بحكم الاخوة الإيمانية:
فالمؤمنون اخوة بعقد الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، وهم كالجسد الواحد كما وصفهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)، فعلى الأخوة أن يتفقدوا حال أخوتهم في شتى بقاع الأرض، كمقدمة للقيام بواجبات الأخوة الإيمانية، من نصرة بالنفس والمال وهو الجهاد، أو لبرهم والإحسان إليهم، وهي الواجبات الاجتماعية، أو لمساعدتهم والوقوف إلى جنبهم.
فكيف لنا أن ننهض لمساعدة اخوتنا المؤمنين في بقاع الأرض إذا لم نعرف قضيتهم أصلاً، وكنا بمعزل ومنأى عنها العلم بالواقع يهيئ لنا هذه المعرفة، فالعلم بواقع الأمة الإسلامية، وقضايا شعوبها في العالم، هو واجب شرعي لأنه مقدمة لتحقيق مفهوم الأخوة الإيمانية.
ج- دراسة علم الواقع واجب شرعي لاستبانة طريق المجرمين:
إن طبيعة الاختبار لحملة الدين تقتضي المغالبة بين معسكرين، ووجود الأعداء الذين يمكرون بالدعوة و أهلها، ويخططون للقضاء عليها، قال الله تعالى (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30]، وقال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) [الأنعام: 112]، وقد كشفت آيات القرآن الكريم مؤامرات اليهود والنصارى والمنافقين وغيرهم على الأمة الإسلامية، وبينت خطر هذه المؤامرات وحذرت منها اشد الحذر، بل أمرت بإجراءات عملية كثير لاتقائها، كحرمة ولاء الكفار، وكهدم مسجد الضرار..وغيرها.
واليوم تطورت أساليب المكر وأشكاله مع تطور ثورة المعلومات بشكل هائل جداً، وتنوعت فنون حرب الإسلام وخصوصاً بعد طروء حالة القطبية الواحدة في العالم وانطلاق الحملات الصليبيهودية. وقد تبلورت هذه القوى في خطوط ثلاثة هي: الاستعمار وذيوله وأذنابه و الاستشراق والتبشير .
فعلى العاملين في حقل العمل الإسلامي كشف هذه المؤامرات، والتعرف عليها في سبيل وئدها في مهدها، أو على الأقل تحضير الأسلحة المناسبة لمواجهتها، قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام:55]، وعلم الواقع يمنح الدارس له مجموعة من التقارير التحليلية التي تتكلم عن هذه المؤامرات وتشخصها وتبين أبعادها.
ومن هنا فإن دراسة علم الواقع وإيجاد المراكز التي تعتني به، لهو واجب شرعي على الأمة القيام به.
2) دراسة علم الواقع ضرورة حتمية لتغييره:
يقول علماء الإدارة: أن معرفة المشكلة جزء من حلها، وكذلك فإن التعرف على واقع العالم وواقع الأمة الإسلامية هو خطوة رائدة لتغييره، ما من أحد من المسلمين اليوم ممن في قلبه ذرة من الإيمان والغيرة على الدين يقول أن واقع الأمة اليوم بخير، بل نحن نعلم علم اليقين أن واقع الأمة مرير ومؤلم إلى أبعد الحدود التي لم تصل إليه في أي حقبة تاريخية، بل أن واقع العالم – كما سوف نبين – بانحرافه عن توجيهات الوحي يعيش في ظلم وظلمات، يسير به باتجاه الهاوية.
وبالتالي فواجب على الأخوة العاملين في حقل العمل الإسلامي النهوض لدراسة الواقع ودوائره و العوامل المؤثرة فيه، دراسة علمية واعية – وسوف نبين الخطوط العريضة لكيفياتها في هذا التمهيد – كمقدمة ضرورية لتغييره،وكمقدمة ضرورية للتأثير فيه بأعمال إيجابية، لا التأثر فيه والانفعال به.
ولابد كذلك بعد دراسة أجزاء من الواقع من إطلاق الأحكام الشرعية عليه من قبل المختصين والعلماء وتحديد الموقف الشرعي من هذه المؤسسات والدول والهيئات والأشخاص، وليس فقط فهم الواقع بل لا بد من إصدار الحكم الشرعي الصحيح التكييف الموافق للنصوص الشريعة وليس الموافق لترقيعات علماء السوء والسلطان الذين يكيفون الحكم الشرعي مع الواقع، ويحملون لواء الوسطية والتيسير المزعومتين، إن الحكم الشرعي هو الوسطية والحكم الشرعي هو التيسير مهما كان فيه من مشقة، قال صلى الله عليه وسلم: (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) .
وتبرز أهمية إصدار الأحكام الشرعية على الواقع وبيان الموقف الشرعي منه من المختصين في هذا العصر بشكل كبير بسبب التضليل المقصود عن المصطلح الشرعي، والتسويق لمصطلحات جاهلية تضليلية بين المسلمين والرعاع من الناس، فالجهاد أصبح الإرهاب، والربا أصبح العائد الاستثماري وضرورة العصر، والاحتلال أصبح تحرير وتنوير بالديمقراطية، والطاغوت أمام الكفر أصبح أمام المسلمين وأمير المؤمنين، وغير ذلك من القائمة السوداء من المصطلحات التي تزيف الحقائق وتقلب الباطل وهي لعبة الإعلام القذرة التي تمكن لعروش الطواغيت.
فواجب على الأخوة العاملين في الساحة تخصيص لجان للدفاع عن المصطلح الشرعي وبيان الحقيقة وكشف زيف هذه الألاعيب.
إن إصدار الأحكام الشرعية من المختصين على هيئات الواقع ومؤسساته وأشخاصه.. خطوة شرعية راشدة لوضوح السلوك والموقف تجاه هذه الهيئات، وقد عانت الحركة الإسلامية وويلات وويلات ولا تزال تعاني إلى هذه اللحظة التي اكتب فيها هذه السطور من جرّاء ضبابية الرؤية، والخطأ في تشخيص الواقع، وإطلاق أحكام خاطئة على الواقع أما جهلاً مخجلاً بحقيقة الواقع، أو اتباعاً لهوى ودنيا وتطلعات أرضية.
إن دراسة الواقع دراسة واعية علمية تمنح الدارسين والقياديين في العمل الإسلامي نقطتين هامتين جداً متعلقتان بعملية التغيير المنشود وهما:


أ- النقطة الأولى: اختيار منهج التغيير الصحيح للواقع:
ولطالما دارت الحوارت والنقاشات بين العاملين في الساحة الإسلامية حول المنهج الصحيح للتغيير، وأنا أقول إن منهج العمل الإسلامي الصحيح للتغيير ليس هو وليد التفكير الداخلي فقط، وكذلك ليس هو وليد النصوص الشرعية فقط، بل لا بد أن يكون وليد النصوص الشرعية مضافاً إليها فقه عميق بالواقع نتيجة مجموعة من الأبحاث والدراسات التي تقوم به مراكز علمية مختصة بهذا الشأن، ليحدث لنا التنزيل الواعي للدين الإسلامي على أرض الواقع وتبدأ عملية التغيير الراشد، وليس التخبط الفاسد الذي يبعدنا عن تحقيق الأهداف.
وما هو منهج العمل الناجح أصلاً إلا الطريق الذي يضم مجموعة من مراحل التي توصل لتحقيق الأهداف بأقل جهد ووقت وطاقة ممكنة.
ب- النقطة الثانية: اختيار وسائل منهج التغيير:
من المعلوم لدى الأخوة العاملين انه لا يوجد منهج بدون وسائل، وأنه لا يكفى فقط صياغة منهج نظري من مجموعة نقاط للوصول للأهداف، بل لا بدّ من أخذ وسائل مناسبة لسلوك هذا المنهج، ولكن الوسائل متنوعة ومتعددة في هذا العصر، فكيف نختار الوسيلة المناسبة ؟؟
إن دراسة علم الواقع دراسة واعية هي مقدمة هامة لاختيار الوسيلة المناسبة للتغيير، لأن مساحة العمل التغييري هي في الواقع نفسه، وبالتالي فإن معرفة الواقع تعني اختيار الوسيلة المناسبة لتغيير هذا الواقع، طبعاً ما دامت في دائرة المشروعية، فالغايات لا تبرر الوسائل كما هو مقرر في شريعتنا الغراء لا كما هو في ياسق العصر.
3) دراسة علم الواقع مصدر لتوسيع خيارات القرار بالنسبة لقيادي العمل الإسلامي:
يقول علماء الإدارة: كلما نجمع معلومات اكثر عن القضية التي نريد اتخاذ قرار فيها كلما اقتربنا اكثر من صوابية القرار، ومن هنا تأتي أهمية علم الواقع بالنسبة للقياديين في العمل الإسلامي، وذلك أن القيادي يتعرض دائماً لاتخاذ قرارات، وأحياناً قرارات حاسمة كالهجرة، أو فتح جبهة قتالية، أو تغيير سياسية، ومعظم هذه القرارات مرتبطة بالواقع، وبالتالي فهو بحاجة ماسة إلى المعلومات عن الواقع إذا أراد اتخاذ قرارات صائبة ناصحة لرعيته.
ومخابر تحليل الواقع هي الكفيل المثالي الوحيد لهذه المعلومات، وليس الثقة العمياء بالنفس، وليس كذلك الإلهام والحدث الذي يجر إلى ويلات أحياناً لفساد الذوق الإيماني في هذا العصر.
ومن هنا ندرك مدى سطحية اتخاذ القرارات عند كثير من قيادي العمل الإسلامي لأنها تنطلق من معلومات بسيطة، أو حتى أحياناً قرارات ارتجالية لا تمس للواقع بصلة.
4) أهمية علم الواقع للداعية والعالم:
بالإضافة لما سبق فهناك أهمية ثانوية لدراسة علم واقع تتعلق بالداعية: وهو ما يسمى العلم بحال المدعو، فكلما كان الداعية عالماً بحال المدعوين، استطاع اختيار الأسلوب المناسب لهدايتهم ودعوتهم.
وكذلك الحال بالنسبة للعالم الذي يتصدر للفتوى، فهو بحاجة ماسة لفهم الواقع فهماً صحيحاً، بالإضافة لحاجته لأصول الفقه، حتى لا تخرج عنه فتاوى مضللة للأمة، ويا للأسف فإننا نرى في الواقع كثير ممن يتصدر للفتوى، وهو جاهل جهلاً مركباً بحال الواقع والمؤثرات فيه، والمصيبة تزداد سوءاً عندما تجده يعرض عن دراسة الواقع ولا يريد أن يتعلمه، كالنعامة التي تدس رأسها بالتراب عند رؤية الأعداء.
لا نزال نعيش في ساحة العمل الإسلامي حالة من الأعراض عن فهم الواقع والعلم به نتيجة لدعاوى كثيرة، منها الظن بأن فقهم النصوص وحده يكفى للعمل بها أو أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، ومنها أن الواقع شرعي وهو لا يحتاج لتغيير،أو حتى لو أدرك بعض الأخوة العاملين في حقل العمل الإسلامي أهمية دراسة الواقع فتجدهم لا يهتدون للوسائل الصحيحة لدراسة الواقع، وحتى لو اهتدى قسم منهم لهذه الوسائل، لا يتوفر لدى معظمهم القدرة عليها، وحتى لو توفرت القدرة لا يتوافر هامش الحرية لنشر هذه التقارير والأبحاث التي تشخص حال الأمة الإسلامية.
فلا تزال الدراسات في هذا المجال بكر، في حين مئات مراكز البحوث والدراسات في علم الواقع في بلدان النهضة الصناعية.
نحتاج إلى نهضة علمية في هذا الجانب، ولعشرات مخابر تحليل الواقع التي تقدم دراسات لخدمة الأمة الإسلامية، وللدفاع عن الحقيقة والشرع، وإبرازها للناس، ولترشيد العمل الإسلامي والقياديين فيه، ولاختيار المنهج المناسب لجماعة المسلمين، ولاختيار الوسائل المناسبة لهذه المناهج، ولكشف وفضح مكائد الأعداء، والتحقق بالرؤية الاستراتيجية التي تفقه الحاضر، وتستشرف الماضي، وتبصر المستقبل، وتدرك العواقب والتداعيات المترتبة على فعلها، فتفكر كثيراً: متى وكيف ولماذا تُقْدم ؟ ومتى ولماذا تُحجم؟
إن البدء في أية عملية للتنمية والنهوض والارتقاء لا بد أن تأخذ في اعتبارها هذا الواقع وأن لا تتجاهله، لأن تجاهل الواقع والقفز من فوقه وعدم أخذه بعين الاعتبار هو استنباتٌ للبذور في الهواء بدل زرعها في الأرض..
فهذا ثغر ينادي من يقف عليه فهل من هبة شجاعة واعية في ذلك، يا أخوتي الموحدين.
وسوف أضع لكم في الفصول القادمة الأسس والخطوط العريضة لتأسيس هذه المخابر،وعندما توجد هذه المخابر ترتبط فيما بينها برابط عام لتنسيق عملها على صعيد الأمة الإسلامية، لتفادي التكرار وتوزيع المهام وهو ما سوف يكون بإذن الله تعالى.
- مثال مهم جداً يوضح أهمية دراسة علم الواقع:

لقرأة الكتاب كاملا

حمله من هنا
 
Top