إِنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَهُوَ أَعلَمُ بما يُصلِحُ شُؤُونَهُم

MOUAD.DZ

:: عضو مُشارك ::
إنضم
18 نوفمبر 2011
المشاركات
355
النقاط
9
بسم الله الرحمن الرحيم
أَمَّا بَعدُ: فَإِنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَهُوَ أَعلَمُ بما يُصلِحُ شُؤُونَهُم وَتَستَقِيمُ به أَحوَالُهُم قَد أَمَرَهُم وَأَوصَاهُم وَحَذَّرَهُم وَنَهَاهُم، أَوصَاهُم بِوَصَايَا جَامِعَةٍ وَأَمَرَهُم بِأَوَامِرَ نَافِعَةٍ، لَوِ امتَثَلُوهَا وَاتَّبَعُوهَا لَنَالُوا خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَحَذَّرَهُم مِن سَبَبِ كُلِّ بَلاءٍ، وَنَهَاهُم عَن مَنشَأِ كُلِّ دَاءٍ، ممَّا لَوِ اجتَنَبُوهُ وَتَجَافَوا عَنهُ وَهَجَرُوهُ لَسَعِدُوا في دُنيَاهُم وَفَازُوا في أُخرَاهُم، قَالَ سُبحَانَهُ: وَللهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرضِ وَلَقَد وَصَّينَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِن تَكفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا . مَا في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ مِن خَيرٍ وَلا صَلاحٍ وَلا مَتَاعٍ حَسَنٍ وَلا أَمنٍ ولا سَعَةٍ إِلاَّ وَطَرِيقُهَا التَّقوَى وَالإِيمَانُ وَسَبِيلُهَا الطَّاعَةُ وَالعَمَلُ الصَّالحُ، وَمَا فِيهِمَا مِن شَرٍّ وَلا فَسَادٍ وَلا بَلاءٍ وَلا فِتنَةٍ وَلا خَوفٍ ولا ضِيقٍ إِلاَّ وَسَبَبُهَا الكُفرُ فَمَا دُونَهُ مِنَ المَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، وَمَا أَنعَمَ اللهُ عَلَى قَومٍ نِعمَةً فَنَزَعَهَا مِنهُم وَغَيَّرَهَا عَلَيهِم إِلاَّ بِكُفرِهِم نِعمَةَ رَبِّهِم وَجُحُودِهِم فَضلَهُ وَفُسُوقِهِم عَن أَمرِهِ وَتَكذِيبِهِم رُسُلَهُ وَنَقضِهِم العَهدَ مَعَهُ وَتَغيِيرِهِم مَا بِأَنفُسِهِم، وَمَا عَادَ إِلَيهِم مَا نُزِعَ عَنهُم إِلاَّ بِتَوبَةٍ صَادِقَةٍ وَرُجُوعٍ حَقِيقِيٍّ، قَالَ تَعَالى: وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنَا عَلَيهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لم يَكُ مُغَيِّرًا نِعمَةً أَنعَمَهَا عَلَى قَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وَقَالَ تَعَالى: وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُو عَن كَثِيرٍ ، وَقَالَ سُبحَانَهُ: وَإِذَا أَرَدنَا أَن نُّهلِكَ قَريَةً أَمَرنَا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا القَولُ فَدَمَّرنَاهَا تَدمِيرًا ، وَقَالَ تَعَالى: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَريَةً كَانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بما كَانُوا يَصنَعُونَ ، وَقَالَ سُبحَانَهُ: وَأَنِ استَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتِّعْكُم مَتَاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤتِ كُلَّ ذِي فَضلٍ فَضلَهُ وَإِن تَوَلَّوا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيكُم عَذَابَ يَومٍ كَبِيرٍ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا عَن يُونُسَ عَلَيهِ السَّلامُ: فَالتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَولا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ في بَطنِهِ إِلى يَومِ يُبعَثُونَ ، وَقَالَ تَعَالى عَن قَومِهِ: فَلَولاَ كَانَت قَريَةٌ آمَنَت فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَومَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفنَا عَنهُم عَذَابَ الخِزيِ في الحَيَاةَ الدُّنيَا وَمَتَّعنَاهُم إِلى حِينٍ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ مَا يُرَى في العَالمِ اليَومَ مِن غَلاءٍ فَاحِشٍ في أَسعَارِ المَوَادِّ الأَسَاسِيَّةِ وَالضَّرُورِيَّاتِ وَارتِفَاعٍ كَبِيرٍ في قِيَمِ السِّلَعِ وَالحَاجَاتِ وَانخِفَاضٍ في القِيمَةِ الشِّرَائِيَّةِ لِلعُملاتِ وَانحِبَاسٍ لِلأَمطَارِ وَقِلَّةٍ في البَرَكَاتِ فَضلاً عَن تَسَلُّطِ الأَعدَاءِ وَضَعفِ كَلِمَةِ المُسلِمِينَ، إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لأَثَرٌ مِن آثَارِ ابتِعَادِ العِبَادِ عَن رَبِّهِم وَكُفرِهِم بِنِعَمِهِ وَغَفلَتِهِم عَمَّا خُلِقُوا لَهُ مِن عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَانشِغَالِهِم بما كُفُوا مَؤُونَتَهُ مِن طَلَبِ مَا زَادَ عَنِ الكَفَافِ وَعِمَارَتِهِم الدُّنيَا عِمَارَةَ مَن يَخلُدُ فِيهَا وَيَبقَى وَتَهَاوُنِهِم بِالآخِرَة تَهَاوُنَ مَن هُوَ بها مُكَذِّبٌ غَيرُ مُوقِنٍ، وَلَو يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُم إِلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا . وَإِنَّهُ وَاللهِ لا مُخَلِّصَ لِلعِبَادِ ممَّا هُم فِيهِ وَلا مُنجِيَ لهم ممَّا أَصَابَهُم إِلاَّ التَّوبَةُ الصَّادِقَةُ إِلى اللهِ وَالرُّجُوعُ الحَقِيقِيُّ إِلى حِمَاهُ وَالتَّخَلُّصُ مِن أَسبَابِ الغَضَبِ وَمُوجِبَاتِ العَذَابِ وَالعَمَلُ بما يَجلِبُ الرَّحمَةَ وَتُستَنزَلُ بِهِ البَرَكَةُ، وَإِنَّ مِن رَحمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ وَلُطفِهِ بهم وَإِرَادَتِهِ الخَيرَ لهم أَنْ يَبتَلِيَهُم بِأَنوَاعِ المَصَائِبِ وَالابتِلاءَاتِ؛ مِن تَأَخُّرِ الغَيثِ وَفَسَادِ الثَّمَرَاتِ وَغَلاءِ الأَسعَارِ وَنَزعِ البَرَكَاتِ وَظُهُورِ الأَمرَاضِ وَالأَوبِئَةِ وَالآفاتِ وَتَسَلُّطِ الظَّلَمَةِ وَالمُنَغِّصَاتِ، كُلُّ ذَلِكَ تَذكِيرًا لهم وَتَنبِيهًا؛ لِئَلاَّ يَتَمَادَوا في عِصيَانِهِم وَيستَرسِلُوا في غَيِّهِم، وَإِلاَّ فَلَو شَاءَ سُبحَانَهُ لَمَدَّ لهم وَأَمهَلَهُم وَوَسَّعَ عَلَيهِم، لِيَتَمَادَوا في طُغيَانِهِم وَيَلَجُّوا في عِصيَانِهِم، ظَنًّا مِنهُم أَنَّ ذَلِكَ عَن رِضًا مِنهُ عَنهُم، حَتى إِذَا فَرِحُوا أَخَذَهُم عَلَى غِرَّةٍ وَأَهلَكَهُم عَلَى حِينِ غَفلَةٍ، كَمَا فَعَلَ سُبحَانَهُ بِمَن لم يَتَذَكَّرْ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَالتي أَخبَرَنَا سُبحَانَهُ عَن أَحوَالِهِم في كِتَابِهِ لِنَعتَبِرَ وَنَتَّعِظَ، قَالَ جَلَّ وَعَلا: وَلَقَد أَرسَلنَا إِلى أُمَمٍ مِن قَبلِكَ فَأَخَذنَاهُم بِالبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ فَلَولا إِذْ جَاءهُم بَأسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَت قُلُوبُهُم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحنَا عَلَيهِم أَبوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذنَاهُم بَغتَةً فَإِذَا هُم مُبلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ القَومِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ، وَقَالَ سُبحَانَهُ: وَمَا أَرسَلنَا في قَريَةٍ مِن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذنَا أَهلَهَا بِالبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُم يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَد مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذنَاهُم بَغتَةً وَهُم لاَ يَشعُرُونَ وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنَا عَلَيهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهلُ القُرَى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنَا بَيَاتًا وَهُم نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهلُ القُرَى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنَا ضُحًى وَهُم يَلعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكرَ اللهِ فَلاَ يَأمَنُ مَكرَ اللهِ إِلاَّ القَومُ الخَاسِرُونَ أَوَلم يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرضَ مِن بَعدِ أَهلِهَا أَنْ لَو نَشَاءُ أَصَبنَاهُم بِذُنُوبِهِم وَنَطبَعُ عَلَى قُلُوبِهِم فَهُم لاَ يَسمَعُونَ .
نَعَمْ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ مَا أَصَابَنَا وَيُصِيبُنَا مِن تَغَيُّرٍ وَفَسَادٍ وَمَا يَتَوَالى عَلَينَا مِن مِحَنٍ وَابتِلاءَاتٍ إِنَّمَا هُوَ تَذكِيرٌ لَنَا لِنَتَنَبَّهَ وَنَرجِعَ وَنَتُوبَ، قَالَ جَلَّ وَعَلا: وَبَلَونَاهُم بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ظَهَرَ الفَسَادُ في البَرِّ وَالبَحرِ بِمَا كَسَبَت أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ ، وَقَالَ تَعَالى: وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ العَذَابِ الأَدنى دُونَ العَذَابِ الأَكبَرِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ ، وَقَالَ سُبحَانَهُ: وَلَقَد أَهلَكنَا مَا حَولَكُم مِنَ القُرَى وَصَرَّفنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ ، وَقَالَ تَعَالى: وَلَقَد أَخَذنَا آلَ فِرعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقصٍ مِن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ ، وَقَالَ في شَأنِ المَطَرِ: وَلَقَد صَرَّفنَاهُ بَينَهُم لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ، فَهَل نحنُ بما جَرَى لِغَيرِنَا مُعتَبِرُونَ؟ هَل نحنُ بما أَصَابَ مَن حَولَنَا مُتَّعِظُونَ؟ هَل نحنُ بما ذُكِّرْنَا بِهِ مُتَذَكِّرُونَ؟ هَل مِن تَوبَةٍ عَمَلِيَّةٍ صَادِقَةٍ شَامِلَةٍ، نُرَاجِعُ فِيهَا أَنفُسَنَا، وَنُدَقِّقُ النَّظَرَ في حِسَابَاتِنَا، وَنَتَذَكَّرُ مَا مَضَى مِن مُخَالَفَاتِنَا، فَنُصَحِّحَ الطَّرِيقَ وَنُعَدِّلَ المَسَارَ وَنُسَارِعَ بِالرُّجُوعِ وَنُبَادِرَ بِالانكِسَارِ؟ هَل نَفعَلُ ذَلِكَ وَنَجأَرُ إِلى اللهِ قَائِلِينَ: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لم تَغفِرْ لَنَا وَتَرحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ، أَمْ نَفعَلُ كَفِعلِ مَن قَسَت قُلُوبُهُم مِنَ المُنَافِقِينَ، فَلَم يَتَّعِظُوا بما يَرونَهُ مِنَ أَنوَاعِ العَذَابِ التي تُصَبُّ عَلَى مَن حَولَهُم، قَالَ سُبحَانَهُ في حَالِ أُولَئِكَ الظَّالمِينَ: أَوَلاَ يَرَونَ أَنَّهُم يُفتَنُونَ في كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَو مَرَّتَينِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُم يَذَّكَّرُونَ .
أَلا فَلنَتَّقِ اللهَ أُمَّةَ الإِسلامِ، وَلْنَبدَأْ بِأَنفُسِنَا وَلْنُحَاسِبْهَا، فَإِنَّ كُلاًّ مِنَّا أَدرَى بِنَفسِهِ وَأَبصَرُ بِعَيبِهِ، بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَو أَلقَى مَعَاذِيرَهُ . ثم لْنُصلِحْ أُسَرَنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا وَمَن حَولَنَا، يُصلِحِ اللهُ شَأنَنَا وَيَحفَظْ أَمنَنَا وَيَزِدْنَا وَيُبَارِكْ لَنَا. إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا، وَإِنَّ مَعَ الضِّيقِ مَخرَجًا، وإِنَّ مَعَ الكَرْبِ تنفيسًا وَمَعَ الهَمِّ فَرَجًا، لَكِنَّ فِينَا مَن لم يَزَلْ يَتمَادَى وَيَزدَادُ بُعدًا، فِينَا مَن يُرِيدُ العَودَةَ بِالأُمَّةِ إِلى جَهَالاتِهَا وَضَلالاتِهَا بَعدَ إِذْ أَنقَذَهَا اللهُ مِنهَا، فِينَا مَن يَسعَى لإِحيَاءِ القَومِيَّةِ وَالعَصَبِيَّةِ وَالنَّفخِ في رُوحِ القَبَلِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ، فِينَا مَن يُرِيدُ لِلنَّاسِ الاجتِمَاعَ عَلَى غَيرِ ذِكرِ اللهِ وَالصَّلاةِ، فِينَا مَن يَوَدُّ لَو تَفَرَّقَ النَّاسُ شِيَعًا وَأَحزَابًا، مِنَّا مَن تَرَكَ الصَّلاةَ وَتَهَاوَنَ بها، مِنَّا مَن مَنَعَ الزَّكَاةَ وَبَخِلَ بها، مِنَّا مَن يُعطِي وَيُنفِقُ وَيَتَكَرَّمُ لا لِوَجهِ اللهِ، فَإِذَا جَاءَ أَمرٌ للهِ وَفي سَبِيلِهِ بَخِلَ وَاستَغنى، مِنَّا القَاطِعُ لِرَحِمِهِ الهَاجِرُ لأَقَارِبِهِ المُصَارِمُ لإِخوَانِهِ، أَكَلنَا الرِّبَا وَتَهَاوَنَّا بِالمُعَامَلاتِ المَشبُوهَةِ، وَقَعنَا في محارِمِ اللهِ وَتَعَدَّينَا حُدُودَهُ بِأَدنى الحِيَلِ، طَلَبنَا الدُّنيَا بِالآخِرَةِ، تَعَالَجنَا بِالسِّحرِ وَأَتَينَا الكَهَنَةَ وَالعَرَّافِينَ، رَفَعنَا أَطبَاقَ الشَّرِّ فَوقَ مَنَازِلِنَا، تَسَمَّرنَا أَمَامَ فَاسِدِ القَنَوَاتِ، وَتَشَبَّعنَا بما يُلقَى فِيهَا مِن شُبُهَاتِ وَضَلالاتٍ، وَتَشَرَّبنَا مَا تَعرِضُهُ مِن فَوَاحِشَ وَشَهَوَاتٍ وَمُنكَرَاتٍ، فَإِلى مَتى الغَفلَةُ وَالتَّنَاسِي؟! وَإِلى مَتى الإِعرَاضُ وعَدَمُ العَمَلِ بِالعِلمِ؟! أَلم يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلُ فَطَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ فَقَسَت قُلُوبُهُم وَكَثِيرٌ مِنهُم فَاسِقُونَ .
إِنَّنَا وَاللهِ عَلَى خَطَرٍ مِن مَوتِ القُلُوبِ إِذَا نحنُ لم نُفِقْ مِن غَفلَتِنَا وَنَنتَبِهْ مِن سَكرَتِنَا وَنَعمَلْ بما عُلِّمْنَا وَنَفعَلْ مَا بِهِ وُعِظْنَا، قَالَ : ((تُعرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ عَرضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلبٍ أُشرِبَهَا نُكِتَت فِيهِ نُكتَةٌ سَودَاءُ، وَأَيُّ قَلبٍ أَنكَرَهَا نُكِتَت فِيهِ نُكتَةٌ بَيضَاءُ، حَتى يَصِيرَ القَلبُ أَبيَضَ مِثلَ الصَّفَا لا تَضُرُّهُ فِتنَةٌ مَا دَامَتِ السُّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، وَالآخَرُ أَسوَدَ مُربَدًّا كَالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعرُوفًا وَلا يُنكِرُ مُنكَرًا إِلاَّ مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ))، وَقَالَ سُبحَانَهُ: وَلَو أَنَّهُم فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيرًا لَهُم وَأَشَدَّ تَثبِيتًا وَإِذًا لآتَينَاهُم مِن لَدُنَّا أَجرًا عَظِيمًا وَلَهَدَينَاهُم صِرَاطًا مُستَقِيمًا .
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِ رَبِّكُم وَسُنَّةِ نَبِيِّكُم، اِعرِفُوا حَقِيقَةَ الدُّنيَا وَلا تَغتَرُّوا بها، وَاطلُبُوا الآخِرَةَ وَكُونُوا مِن أَهلِهَا، لا تُلهِيَنَّكُمُ الفَانِيَةُ عَنِ البَاقِيَةِ، اللهَ اللهَ في طَاعَةِ اللهِ وَالصَّلاةِ مَعَ الجَمَاعةِ، فَإِنَّهَا نِعْمَ الذُّخرُ وَحَسُنَتِ البِضَاعَةُ، أَدُّوا الزَّكَاةَ وَأَنفِقُوا لِوَجهِ اللهِ، وَارحَمُوا مَن في الأَرضِ يَرحَمْكُم مَن في السَّمَاءِ، مُرُوا بِالمَعرُوفِ أَمرًا حَلِيمًا رَفِيقًا، وَانهَوا عَنِ المُنكَرِ نَهيًا حَكِيمًا رَقِيقًا، اِحفَظُوا أَقدَارَ وُلاةِ الأَمرِ وَالعُلَمَاءِ، وَصُونُوا أَعرَاضَ أَهلِ الحِسبَةِ وَالدُّعَاةِ الفُضَلاءِ، أَطِيعُوا مَن وَلاَّهُ اللهُ أَمرَكُم، وَاحذَرُوا التَّفَرُّقَ وَالتَّشَرذُمَ، وَتَجَنَّبُوا مَوَاقِعَ الفِتَنِ وَمُصَاحَبَةَ المَفتُونِينَ، وَأَحيُوا رُوحَ الأُخُوَّةِ الإِسلامِيَّةِ وَمَحَبَّةَ الخَيرِ لِلآخَرِينَ، وَأَمِيتُوا التَّعَصُّبَ وَالأَثَرَةَ وَحُبَّ الذَّاتِ وَالحَسَدَ، بَرُّوا وَالِدِيكُم وَصِلُوا أَرحَامَكُم، تَرَاحَمُوا وَتَلاحَمُوا، وَتَصَالَحُوا وَتَسَامَحُوا، وَلا تَقَاطَعُوا وَلا تَهَاجَرُوا، عَلَيكُم بِالصِّدقِ وَالوَفَاءِ وَالحَيَاءِ، وَاجتَنِبُوا الكَذِبَ وَالغَدرَ وَالجَفَاءَ، أَدُّوا الأَمَانَةَ وَاحذَرُوا الخِيَانَةَ، وَأَلزِمُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم الحِشمَةَ وَالصِّيَانَةَ، اِحفَظُوا العُهُودَ وَأَوفُوا بِالعُقُودِ، اِحذَرُوا الغِشَّ وَالفُحشَ وَقَولَ الزُّورِ، وَإِيَّاكُم وَالغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ وَالشَّائِعَاتِ، وَاتَّقُوا الظُّلمَ وَالبُهتَانَ وَالتَّسُاهُلَ في حُقُوقِ العِبَادِ، وَلا تَقرَبُوا الفَوَاحِشَ وَالزِّنَا، وَاحذَرَوا الرِّشوَةَ وَالرِّبَا، وَاجتَنِبُوا المُسكِرَاتِ وَالمُخَدِّرَاتِ.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنيَا وَاطمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُم عَن آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهدِيهِم رَبُّهُم بِإِيمَانِهِم تَجرِي مِن تَحتِهِمُ الأَنهَارُ في جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعوَاهُم فِيهَا سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُم فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعوَاهُم أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَو يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ استِعجَالَهُم بِالخَيرِ لَقُضِيَ إِلَيهِم أَجَلُهُم فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرجُونَ لِقَاءَنَا في طُغيَانِهِم يَعمَهُونَ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَو قَاعِدًا أَو قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفنَا عَنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لم يَدعُنَا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلمُسرِفِينَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ وَلَقَد أَهلَكنَا القُرُونَ مِن قَبلِكُم لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا كَذَلِكَ نَجزِي القَومَ المُجرِمِينَ ثُمَّ جَعَلنَاكُم خَلاَئِفَ في الأَرضِ مِن بَعدِهِم لِنَنظُرَ كَيفَ تَعمَلُونَ .



الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعَالى حَقَّ تَقوَاهُ، وَاستَعِدُّوا بِصَالحِ الأَعمَالِ لِيَومِ لِقَاهُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنظُرْ نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ ، وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا ، وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مِن أَمرِهِ يُسرًا ، وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعظِمْ لَهُ أَجرًا .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، يَا مَن شَهِدتُم هَذَا العِيدَ السَّعِيدَ، اِعلَمُوا أَنَّهُ لا عِيدَ إِلاَّ لِمَن خَافَ رَبَّهُ وَتَابَ مِن ذَنبِهِ، لا عِيدَ إِلاَّ لِمَن أَعطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسنى، لا عِيدَ إِلاَّ لِمَن طَهَّرَ قَلبَهُ وَأَصلَحَ قَالَبَهُ، لا عِيدَ إِلاَّ لِمَن وَصَلَ رَحِمَهُ وَأَحسَنَ إِلى أَقَارِبِهُ. إِنَّكُم في يَومٍ عَظِيمٍ سَمَّاهُ اللهُ يَومَ الحَجِّ الأَكبرِ، تَتلُوهُ أَيَّامٌ مَعدُودَاتٌ عَظِيمَةٌ، فَعَظِّمُوهَا بِطَاعَةِ اللهِ وَذِكرِهِ، وَأَكثِرُوا مِن حَمدِهِ وَشُكرِهِ، ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ . ضَحُّوا وَطيبُوا نَفسًا بِضَحَايَاكُم، وَاذكُرُوا اللهَ عَلَى مَا رَزَقَكُم وَأَنْ هَدَاكُم، فَإِنَّهُ مَا عُبِدَ اللهُ في يَومِ النَّحرِ بِمِثلِ إِرَاقَةِ دَمِ الأَضَاحِي، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبلَ أَن يَقَعَ عَلَى الأَرضِ، فَاحرِصُوا عَلَى الأَخذِ بِأَسبَابِ القُبُولِ؛ مِنَ الإِخلاصِ للهِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَاستِشرَافِ الضَّحَايَا وَاستِسمَانِهَا وَاختِيَارِ أَطيَبِهَا، وَاحذَرُوا مَا يُحبِطُ الأَعمَالَ مِنَ الشِّركِ وَالرِّيَاءِ وَالبِدَعِ، أَو مَا يَمنَعُ الإِجزَاءَ أَو يُنقِصُ الأَجرَ مِنَ العُيُوبِ، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَأَنَّهُ لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقوَى مِنكُم ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ الذَّبحَ مُمتَدٌّ إِلى غُرُوبِ الشَّمسِ مِن ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشرِيقِ، وَأَنَّهُ يُشرَعُ في هَذِهِ الأَيَّامِ التَّكبِيرُ وَلا سِيَّمَا في أَدبَارِ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَةِ، فَكَبِّرُوا وَارفَعُوا بِهِ أَصوَاتَكُم، وَأَحيُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُم في خَلَوَاتِكُم وَجَلَوَاتِكُم.
ثم صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيهِ...
 

MOUAD.DZ

:: عضو مُشارك ::
إنضم
18 نوفمبر 2011
المشاركات
355
النقاط
9
جزاكي الله كل الخير شكراً لك
 
Top