reaction
10.3K
الجوائز
2.5K
- تاريخ التسجيل
- 8 جانفي 2010
- المشاركات
- 10,646
- آخر نشاط
- الوظيفة
- تاجر
- الأوسمة
- 2
شهر «رجب» بين المشروع والممنوع
[إدارة الموقع]
الحمدُ لله الواحد القهَّار، مكوِّرِ الليل والنهار، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ المختار، وعلى صحابته الأطهار وبعد:
فإنَّ الله سبحانه وتعالى كما اصطفى بعض البشر على بعضٍ، فإنه فضَّل بعضَ الأمكنة على أخرى، واختار بعض الأزمنة وشرَّفها على غيرها قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36]، فجعل الله سبحانه السنة اثني عشر شهرًا، انصرامُها وانقضاؤها بسير القمر وطلوعه، لا بسير الشمس وانتقالها كما يفعله أهل الكتاب. ومن هذه الأشهر اختار سبحانه أربعةً معظَّمةً، وقد فسَّرها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ»(١). قال كعبٌ: «اختار الله الزمانَ فأحبُّه إلى الله الأشهرُ الحُرُمُ»(٢)، ومنها شهر رجبٍ الذي هو الشهر الرابع من الأشهر الحرم(٣)، والسابع من شهور السنة، وإنما بالغ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في وصف شهر رجبٍ تأكيدًا للشأن والإيضاح، لأنهم كانوا يؤخِّرون بعضًا من الأشهر الحرم من شهرٍ إلى آخَرَ، فيتحوَّل من محلِّه الذي يختصُّ به، فجاء البيان النبويُّ مزيلاً للَّبس عنه، وفي نسبته إلى قبيلة «مضر» بيان ما كان بين قبيلتي «مُضَرَ» و«ربيعة» من اختلافٍ في تحديده، فكانت «ربيعة» تجعله رمضان، و«مضر» تجعله الشهر المعروف بين جمادى وشعبان، وقيل لأنهم كانوا يعظِّمونه أكثر من غيرهم(٤)، ويطلقون عليه لفظة «رجبان» إذا ضُمَّ إليه شعبان من باب التغليب.
سُمِّي «رجب» بذلك لأنه كان يُرجَّب أي: يُعظَّم. قال ابن فارسٍ: «رجب: الراء والجيم والباء أصلٌ يدلُّ على دعم شيءٍ بشيءٍ وتقويته ... ومن هذا الباب: رجبت الشيءَ أي عظَّمته ... فسُمِّي رجبًا لأنهم كانوا يعظِّمونه، وقد عظَّمته الشريعة أيضًا»(٥)، وذكر أبو الخطَّاب بن دحية الكلبيُّ أنَّ لرجبٍ ثمانية عشر اسمً(٦).
وقد جاء في الإسلام ممَّا يتعلَّق بتعظيم شهر رجبٍ: تحريمُ القتال فيه، فإنَّ أهل الجاهلية كانوا ينزعون أسنَّة رماحهم إذا استهلَّ شهر رجبٍ تركًا منهم للقتال كما قال أَبو رَجَاءٍ العُطَارِدِيُّ، «فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ، فَلاَ نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، وَلاَ سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، إِلاَّ نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ»(٧). وصنيعهم هذا لأجل التمكُّن من زيارة الكعبة بيت الله بأمانٍ دون أن يتعرَّض بعضهم لبعضٍ بسوءٍ أو أذيَّةٍ. قال ابن كثيرٍ: «وإنما كانت الأشهر المحرَّمة أربعةً، ثلاثةٌ سردٌ وواحدٌ فردٌ؛ لأجل أداء مناسك الحجِّ والعمرة، فحُرِّم قبل شهر الحجِّ شهرٌ، وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجَّة لأنهم يوقعون فيه الحجَّ ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهرٌ آخَر، وهو المحرَّم؛ ليرجعوا فيه إلى نائي أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجبٌّ في وسط الحول، لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يَقْدَم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثمَّ يعود إلى وطنه فيه آمنا»(٨).
وأقرَّ الإسلام تحريمَ القتال في هذه الأشهر حكمًا ثابتًا غير منسوخٍ على أظهر قولَيِ العلماء، قال ابنُ القيِّم -رحمه الله-: «وقال الله تعالى في سورة المائدة، وهي من آخر القرآن نزولاً، وليس فيها منسوخٌ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة:2]، وقال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة:217]، فهاتان آيتان مدنيتان بينهما في النزول نحو ثمانية أعوامٍ، وليس في كتاب الله ولا سنَّة رسوله ناسخٌ لحكمهما، ولا أجمعت الأمَّة على نسخه، ومن استدلَّ على نسخه بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة:36] ونحوها من العمومات، فقد استدلَّ على النسخ بما لا يدلُّ عليه، ومن استدلَّ عليه بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعث أبا عامرٍ في سريَّةٍ إلى أوطاسٍ في ذي القعدة، فقد استدلَّ بغير دليلٍ؛ لأنَّ ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ابتداءً منه لقتالهم في الشهر الحرام»(٩).
هذا، وقد تعلَّق بشهر «رجبٍ» جملةٌ من البدع والمحدثات في أبوابٍ متفرِّقةٍ من العبادات والقربات منها: