منقول
مفكرة الاسلام: حرص "فرنسيس ريتشاردوني" السفير الأمريكي، كعادته كل عام على حضور مولد "أحمد البدوي" في طنطا، مبديًا في تصريحات صحافية إعجابه بالطرق الصوفية والأجواء الروحانية التي تشيعها.
وأبدى السفير الأمريكي شغفه بمولد البدوي وبجميع موالد آل البيت، معتبرًا أنها تعبر عن سماحة المصريين وتدينهم "المعتدل".
اليونسكو يكرم "جلال الدين الرومي" ويعتبر عام 2007 عام "جلال الدين الرومي".
الرئيس الأمريكي "جورج بوش" يعرب عن إشادته بأشعار الرومي.
هذه بعض من الأخبار المتواترة في الأشهر الماضية، وهناك أخبار مماثلة كثيرة تصب كلها في معنى واحد، وهو (الدعم الأمريكي للصوفية).
قبل أن نبدأ:
غير أننا قبل أن نبدأ في مناقشة "الدعم الأمريكي للصوفية"، لا نستطيع أن نتجاهل أصلاً وحقيقة؛ أما الأصل فهو أن الجمع الغفير من الصوفية إنما اعتنق الفكر الصوفي عن قناعة بأنه بذلك يخدم الإسلام، وهذا الجمع الغفير لا يتأخر عن أمر يجد فيه نصرةً للإسلام وإرغامًا لأعداء الله.
أما الحقيقة فهي أن حديثنا في هذا المقال ليس منصبًا على هذا الجمع الغفير، إنما يدور حديثنا حول تلك الفئة من الصوفية، والذين لا يجدون غضاضة في التعاون مع الأمريكيين، وليس حديثنا منصبًا لانتقاد الصوفية إنما هو دعوة لجموع الصوفية أن تطهر صفوفها من هؤلاء الذين يستقبلون السفير الأمريكي بـ"طلع البدر علينا" وبالضحكات والابتسامات، إن حديثنا ليس سوى دعوة لتطهير الصوفية مما شابها من بدع وأفكار لم يكن عليها الصوفية الأوائل.
أما جموع الصوفية فإننا على يقين أنهم لن يتأخروا عن نصرة الإسلام، ولعل مقالنا هذا يدفعهم إلى مراجعة مواقفهم من شيوخهم وصوفيتهم.
الدعم الأمريكي للصوفية:
لا يقف الأمر عند الأخبار والمواقف، التي لا يتأخر فيها الأمريكيون عن إبداء إعجابهم وإعلان دعمهم للصوفية، ولكن الأمر يتجاوز ذلك إلى خطط تهدف لجعل "الإسلام الصوفي" هو الدين السائد في المنطقة المسلمة.
علاوة على أن هناك العديد من الدراسات الأمريكية والغربية التي ترى أنه من الممكن استخدام الحركات الصوفية لمجابهة حركات الإسلام السياسي والسلفية، ويعتقد الرئيس الأمريكي جورج بوش نفسه إمكانية ذلك.
وفي الأعوام الأخيرة، صنفت تحليلات المراكز البحثية الأمريكية الصوفية في خانة "الإسلام المعتدل" ودعت الغرب إلى تشجيعها ورعايتها باعتبارها تنبذ العنف ولا تتبنى التطرف.
ويكشف الدكتور عبد الوهاب المسيري عن توصية للجنة الحريات الدينية التابعة للكونجرس الأمريكي بضرورة تشجيع "حركات الإسلام التقليدي والصوفي"، ويقول المسيري: "ومما له دلالته أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام يشجع الحركات الصوفية، ومن أكثر الكتب انتشارًا الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي، وأشعار جلال الدين الرومي".
وفي هذا الإطار ذاته، عقد مركز "نيكسون" بالولايات المتحدة مؤتمرًا في 24/10/2003م، وكان موضوعه عن "فهم الصوفية والدور الذي ستلعبه في رسم السياسة الأمريكية".
وكان الهدف من هذا المؤتمر، والذي جاء بعد عامين من أحداث سبتمبر، وعقب سقوط بغداد بأشهر قليلة، هو تقديم [الإسلام الوسطي] أو [الإسلام الثقافي] لصانعي القرار والأكاديميين الأمريكيين.
وكان من أبرز المشاركين في المؤتمر الذي أقيم برعاية وزارة الدفاع الأمريكية؛ بيرنارد لويس أستاذ دراسات الشرق الأدنى بجامعة برينستون بولاية نيوجيرسي، وهو من منظري الحرب الأساسيين على العراق، وأحد أشد الكتاب الأمريكيين عداوة للإسلام من خلال كتاباته الناقدة والمستهدفة للإسلام.
وفي الجانب المسلم شارك الشيخ محمد هشام قباني نائب رئيس المجلس الأعلى الإسلامي في أمريكا، 'isca' الذي تأسس عام 1997م, ويتبع الطريقة النقشبندية الصوفية، ويهدف فيما يهدف إليه إلى 'رسم مستقبل المسلمين في أمريكا وفي أرجاء العالم'، وكان القباني قدم في يناير عام 1999م محاضرة في وزارة الداخلية الأمريكية بعنوان [التطرف الإسلامي وخطورته على الأمن القومي الأمريكي] أوضح فيها بـ'أنهم - كصوفيين - يبقون المتحدثين الأهم عن الجمعيات الإسلامية لمحاربة الإرهاب والتجمعات المتطرفة الدينية'.
وهكذا يتضح لنا أن الأمريكيين يرون في الصوفية مشروعًا جديدًا لمواجهة الإسلام وتخريبه من داخله، وهي محاولة يبدو أنها تلقى تجاوبًا من بعض الصوفية، غير أن السؤال الذي يلح علينا، ما سر هذا الدعم الأمريكي للصوفية؟! وما الأمور التي وجدها الغربيون في الصوفية يدفعهم لدعمها وتأييدها، هذا ما نحاول الإجابة عنه في المحور التالي:
أسباب الدعم الغربي للصوفية:
نستطيع أن نحصر أسباب الدعم الغربي للصوفية في ثلاثة أسباب، تتمثل فيما يلي:
1- الحب والرضا عندما يكونان في غير موقعهما:
يعرف عن الصوفية اهتمامهم بالمعاني الإيمانية وأعمال القلوب، وهو اهتمام محمود إذا كان في أطره الشرعية ولم يأتِ مخالفًا للثوابت الشرعية.
وفي هذا الإطار، فإن الصوفية هم أكثر من تكلم عن الحب، والحب هو جوهر الإسلام، غير أنه، للأسف، حاول البعض استغلال الاهتمام الصوفي بالحب فأخرجوه عن الإطار الشرعي المنضبط, فبعد أن كان الحب المقصود به الإسلام "الحب في الله والبغض في الله"، صار الحب منفتحًا لا يفرق بين ولي لله وبين معادٍ له عز وجل، وهو ما يسمى بـ"وحدة الوجود"، وهي الاعتقاد بأن الله هو الوجود المطلق الذي يظهر بصور الكائنات، وهذا الأمر من ثماره اعتبار كل الأديان صحيحة؛ لأن كل المعبودات هي الله وكل شيء هو الله، ويترتب على ذلك إلغاء عقيدة "الولاء والبراء" بين المؤمنين والكافرين.
وفي هذا الإطار نجد "جلال الدين الرومي" يقول في أحد أشعاره:
مسلمٌ أنا، ولكني نصراني وبرهمي وزرادشتي
توكلتُ عليك أيها الحق الأعلى، فلا تَنْءَ عني لا تَنْءَ عني
ليس لي سوى معبدٍ واحد، مسجدًا كان أو كنيسة أو بيت أصنام.
كما أن الرئيس الأمريكي في أحد أحاديثه استشهد ببيت من شعر الرومي، يقول فيه:
المصابيح مختلفة ولكن الضوء واحد.
وهو بيت، قد يكون الرومي يقصد من ورائه الحب بمعناه الواسع المنفتح، غير أن الأمريكيين والغربيين يجدون في هذا الحب غير المنضبط بميزان الشرع فرصة لاختراق الصوفية، وجعل الصوفية جزءًا من المشروع الأمريكي للسيطرة على المنطقة المسلمة.
ومن المعاني الإيمانية التي تركز عليها الصوفية، الرضا، وهو مفهوم إسلامي عظيم الشأن، غير أنه يجب أيضًا أن يكون منضبطًا بالضوابط الشرعية، فالمسلم لا يرضى بأن يعلو أعداء الدين، والمسلم لا يرضى بالظلم والهوان، والمسلم لا يرضى بحاله المخالفة للشرع بل هو مأمور بالتغيير، غير أن بعض طوائف الصوفية غالت في معنى الرضا حتى أخرجته من معناه الشرعي وجعلت منه المسلم سلبيًا مستسلمًا لما حوله من ظلم وطغيان لا يفكر في تغيير ولا يحلم بمقاومة، يعبر عن هذا الغلو في جملة مختصرة الشعراني صاحب الطبقات فيقول: "لقد أخذ علينا العهد بأن نأمر إخواننا أن يدوروا مع الزمان وأهله كيفما دار، ولا يزدروا قط من رفعه الله عليهم، ولو كان في أمور الدنيا وولايتها، كل ذلك أدبًا مع الله عز وجل الذي رفعهم، فإنه لم يرفع أحدًا إلا لحكمة هو يعلمها".
هذه المفاهيم المتطرفة في معنى الرضا وجد فيها الغربيون والأمريكيون فرصة لاختراق الصوفية، وساعدها على ذلك طوائف من الصوفية لا تجد غضاضة في التعاون مع الأمريكيين، فهذه مجلة (المسلم) الخاصة بالعشيرة المحمدية (الصوفية)، تقول في عددها الصادر في ذي الحجة 1426 هـ يناير 2006م، العدد السادس (594): "ومن جانبه أشار السفير الأمريكي بالقاهرة ريتشارد دوني إلى أن هناك تقاربًا وتشابهًا في مبادئ وسلوك القديسين وسلوك المتصوفة، وذلك بالإيمان المشترك بالبساطة والسماحة وقوة وسلطان الحب والإيمان بأثره الكبير على انتشار السلام والأمن العالميين، وأكد اهتمامه الشخصي بفكر التصوف منذ أكثر من 20 عامًا، خاصة أنه يتبنى مبادئ مقربة لفكر المجتمع الأمريكي الداعية إلى حرية العبادة والاعتقاد والتسامح والديمقراطية بين الناس، وكذلك رفض كل أشكال العنف داخليًا وخارجيًا".
فهذه مجلة صوفية لا تجد غضاضة أن تقارن نفسها بالمجتمع الأمريكي، وأن تفتخر بتشابهها مع سلوك القديسين، ولا عجب في ذلك ما دام يرى الصوفية في "الحب" و"العشق الإلهي" دينًا يقدم على كل ما جاء به الكتاب والسنة.
كما أن مركز راند من جهته، وجد في مفهوم الرضا عند الصوفية نموذجًا مثاليًا لتغيير الإسلام، وجعله إسلامًا طيعًا مطيعًا، فهذا النوع من الصوفيين لا يجد غضاضة في أن تسود العلمانية بينما هو قابع في زواياه يترنح يمينًا ويسارًا، يقول مركز راند في تعريفه للصوفيين: "وأصبح الكثيرون منهم لا يرون تضاربًا بين معتقداتهم الدينية وولائهم لدولهم العلمانية وقوانينها".
ويعترف المستشرق "بيرنارد لويس" بأن الغرب يسعى إلى مصالحة (التصوف الإسلامي) ودعمه لكي يستطيع ملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط (فصل الدين عن الحياة)، وإقصائه (الإسلام) نهائيًا عن قضايا السياسة والاقتصاد، وبالطريقة نفسها التي استخدمت في تهميش المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته، تؤكد مجلة "يو إس نيوز" الأمريكية أن الولايات المتحدة تسعى لأجل تشجيع ودعم الصوفية باعتبارها واحدة من أهم وسائل التصدي للجماعات الإسلامية، هذا ويعتقد بعض كبار الاستراتيجيين الأمريكيين أن أتباع الصوفية ربما كانوا من بين أفضل الأسلحة الدولية ضد "القاعدة" وغيرها من الإسلاميين.
إننا ندعو أفاضل الصوفية إلى تطهير مناهجهم وكتبهم من المفاهيم المغلوطة لأعمال القلوب من الحب والرضا، وغيرهما، لأن تلك المفاهيم المغلوطة تمنح الفرصة لأعداء الإسلام للظن بأن الصوفية أفضل حليف لهم لتغيير الإسلام، كما مر معنا.
2- تاريخ متعاون مع الاحتلال:
أما السبب الثاني الذي يدفع الأمريكان لدعم الصوفية، هو أنه لا يوجد للصوفية تاريخ حقيقي في مقاومة الاحتلال والاستعمار، باستثناء بعض من نسبوا إلى الصوفية ولم يرضوا بالاحتلال والخضوع له، فلقد عاصر أئمة الصوفية الكبار "كالغزالي" و"ابن الفارض" و"ابن عربي" كثيرًا من معارك المسلمين، ولم يحرك واحد منهم ساكنًا.
وجاء في كتاب "عوارف المعارف" أن بعض الصالحين كتب إلى أخ له يستدعيه إلى الغزو، فكتب إليه: يا أخي كل الثغور مجتمعة لي في بيت واحد والباب مردود، فكتب إليه أخوه: لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمت لاختلت أمور المسلمين وغلب الكفار، فلابد من الغزو والجهاد، فكتب إليه: يا أخي لو لزم الناس ما أنا عليه وقالوا في زواياهم وعلى سجاداتهم: الله أكبر، لانهدم سور القسطنطينية.
وجاء في كتاب: "كتب ليست من الإسلام" للإِستانبولي (ص 78): "إِن الفرنسيين إبان استعمارهم لتونس كانوا يجدون معارضة شديدة من الناس، فتفاهم الفرنسيون مع شيخ الصوفية على أن يدخلوا البِلاد، فَلما أصبح الصباح قعد الشيخ مطْرقًا رأسه وهو يقول: لا حول ولا قُوة إِلا بِالله، فلمّا سأله أَتباعه عن الأَمر الذي يقلقه، قَال لهم: "لقد رأَيت الخضر وسيدي أبا العباس الشاذلي وهما قَابِضان بِحصان جِنرال فرنسا، ثم أَوكلا الجِنرال أَمر تونس. يا جماعة؛ هذَا أَمر الله فما العمل؟ فقالوا له: "إِذا كان سيدي أبو العباس راضيًا، ونحن نحارب في سبِيله، فَلا داعي للحرب". ثم دخل الجيش الفرنسي تونس دون مقاومة.
ومن العوامل التي ساعدت على انتشار الطريقة التيجانية الصوفية في إفريقيا، قيام الإدارات الاستعمارية بتشجيع رجال الطرق الصوفية بالمال وبسط النفوذ من أجل تشويه صورة الدين الإسلامي عن طريق نشر البدع والخرافات التي تعوق المسلمين عن مقاومة المستعمر الأوروبي، وعرف الأوروبيون رغبة رجال الصوفية في الحصول على المال والنفوذ, فراحوا يغذون هذه الروح حتى قال جوليان: إن حكومة فرنسا قد عرفت كيف تجمع المتصوفة حولها عن طريق التمويل والحماية [روم لاندو: تاريخ المغرب في القرن العشرين: ص 134].
ويقول الدكتور "زكي مبارك" في كتابه عن "التصوف": هناك كثير من الطرق ثابرت على انحرافها عن الطريق السوي, فكانت أروع انقيادًا للمستعمرين من الزنوج الوثنيين، قال الرئيس "فيليب قونداس" من المستعمرين الفرنسيين: لقد اضطر حكامنا الإداريون وجنودنا في إفريقيا إلى تنشيط دعوة الطرق الدينية الإسلامية لأنها كانت أطوع للسلطة الفرنسية، وأكثر تفهمًا وانتظامًا من الطرق الوثنية التي تعرف باسم (بيليدو، وهاجون) أو من بعض كبار الكهان أو السحرة السود".
ويقول الدكتور عمر فروخ: "يقول الصوفية: إذا سلّط الله على قوم ظالمًا فليس لأحد أن يقاوم إرادة الله أو أن يتأفف منها، لا ريب أن الأوروبيين قد عرفوا في الصوفية هذا المعتقد فاستغلوه في أعمالهم، فقد ذكر الزعيم الوطني مصطفى كامل المصري في كتابه "المسألة الشرقية" قصة غريبة عن سقوط "القيروان" قال:
ومن الأمور المشهورة عن الاحتلال الفرنسي للقيروان في تونس أن رجلاً فرنسيًا دخل الإسلام وسمى نفسه "سيد أحمد الهادي"، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعُيّن إمامًا لمسجد كبير بالقيروان.. فلما اقترب الجنود الفرنسيون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها.. وجاءوا يسألونه أن يستشير الضريح الذي في المسجد، ودخل "سيدي أحمد الهادي" الضريح.. ثم خرج يقول: إن الشيخ ينصحكم بالتسليم لأن وقوع البلاد صار محتمًا.. فاتبع القوم كلمته، ودخل الفرنسيون آمنين في 26 أكتوبر سنة 1881".
ثم يعقب الدكتور "عمر فروخ" بقوله: "من أجل ذلك يجب ألا نستغرب إذا رأينا المستعمرين لا يبخلون بالمال أو التأييد بالجاه للطرق الصوفية.. وكل مندوب سامي أو نائب الملك.. لابد أنه يقدم شيخ الطرق الصوفية في كل مكان، وقد يشترك المستعمر إمعانًا في المداهنة في حلقات الذكر".
وهكذا تتكاثر الأدلة والوقائع التي تدين عددًا كبيرًا من طرق الصوفية، وإن كان لا بد أن نشهد بأنه كان لطرق أخرى ورجال آخرين من الصوفية دور بارز في مقاومة الاحتلال، غير أنه، للأسف الشديد، كانت السيادة لتلك الطرق التي عاونت الاحتلال, ما شوّه صورة الصوفية.
3- واقع معاصر مستخذٍ:
قد يزعم بعض الصوفية المعاصرة أنهم براء من تلك الصوفية المتعاونة مع الاحتلال, غير أن الوقع يثبت عكس تلك الدعوى، يقول الكاتب الأمريكي "ستيفن شوارتز" في مقال بعنوان 'التعرف على الصوفية': "ينطوي العالم الإسلامي على طيف واسع من التفسيرات الدينية، فإذا وجدنا في أحد أطراف الطيف المذهب الوهابي المتعصب، فإننا نجد في الطرف الآخر التعاليم المتنورة للصوفية، لا تؤكد هذه التعاليم على الحوار داخل الإسلام، وعلى الفصل بين السلطة الروحية وسلطة رجال الدين، وعلى التعليم باللغة المحلية فحسب، بل إنها تحترم أيضًا جميع المؤمنين سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين أم يهود أم هندوسيين أم بوذيين... أم من ديانات أخرى، وتشدد الصوفية علاوة على ذلك على التزامها باللطف والتفاعل، والتعاون المتبادل بين المؤمنين بغض النظر عن مذاهبهم".
ويكشف "شوارتز" عن تعاون الصوفية مع الاحتلال أينما وقع، فيقول: "كردستان العراق مركز آخر للصوفية؛ إذ كان زعماؤهم الروحيون بارزين في قتال صدام حسين، وهم يدعمون الآن دعمًا فاعلاً التحالف العراقي مع الولايات المتحدة".
ويحث شوارتز على استغلال الصوفية في بث ثقافة العلمنة، بقوله: "يمكن أن نرى نموذجًا آخر حيث الصوفية هي الشكل المهيمن من الإسلام, وذلك في بلاد تمتد من إفريقيا الغربية الناطقة بالفرنسية والمغرب إلى البلقان وتركيا وآسيا الوسطى ومن الهند إلى إندونيسيا، أثرت الصوفية هنا تأثيرًا عميقًا في الثقافات المحلية, ما سهل وجود المواقف العلمانية إضافة إلى التعايش السلمي مع غير المسلمين، ليس بمحض الصدفة أن المملكة المغربية وتركيا وإندونيسيا التي ينتشر فيها جميعًا الإسلام الصوفي هي الدول التي يعتبر أنها تحمل أفضل الإمكانيات لنشوء الديمقراطيات الإسلامية".
لهذه الأسباب يرى شوارتز: أن 'من الواضح جدًا أن على الأمريكيين أن يتعلموا المزيد عن الصوفية، وأن يتعاملوا مع شيوخها ومريديها، وأن يتعرفوا على ميولها الأساسية... يجب على أعضاء السلك الدبلوماسي الأمريكي في المدن الإسلامية أن يضعوا الصوفيين المحليين على قائمة زياراتهم الدورية".
غير أنه يحذر من إظهار الدعم الأجنبي للحركات الصوفية بقوله: 'لا حاجة للقول بأنه يجب تجنب القيام بمحاولات الاختيار أو الدعم المباشر لبديل صوفي عن الإسلام المتطرف".
الصوفية تلتقط الخيط:
من جهتها، لم تفوّت بعض طوائف الصوفية الفرصة، واستجابت للرغبة الأمريكية، فهذا حسن الشناوي شيخ مشايخ الطرق الصوفية بعد لقائه مع السفير الأمريكي في القاهرة، يُسأل: كيف يقبل بذلك؟! فيكون جوابه: "أنا لم أسعَ للسفير الأمريكي بأي طريقة وهو الذي طلب مقابلتي، فهل أرفضه؟!".
ويضيف الشناوي: "إن هدف اللقاءات هو معرفة مدى عمق الطرق الصوفية داخل المجتمع المصري، وعددهم ومدى تأثير الفكر الصوفي في المصريين، ولقد زارني في مدينة طنطا مرتين (92 كم شمال القاهرة)، منها مرة أثناء احتفال الطرق الصوفية بمولد السيد أحمد البدوي".
وبعد أشهر من تلك اللقاءات والود المتبادل بين "الشيخ" الشناوي والسفير "ريتشاردوني" يكشف الشناوي عن شروع قيادات الطرق الصوفية في إجراء مفاوضات مع عدد من رجال الأعمال المنتمين لها لحثهم على المشاركة في تمويل أول فضائية عربية لنشر ما أسماه بثقافة "الاعتدال" الصوفي بالمنطقة.
ولنا أن نسأل: هل لهذه القناة علاقة بلقاءات وزيارات "ريتشاردوني" المتكررة لطنطا، والتي يبدو أن من أهدافها تحديث الخطاب "الصوفي" ليصل ببدعه وهوانه إلى كل بيت مسلم؟!!
لا يقف الأمر عند فضائية "للاعتدال" الصوفي، ولكن الشيخ "علي جمعة" مفتى الديار المصرية، والذي له آراء وفتاوى أثارت جدلا في الشارع المصري وقوبلت باستهجان واسع من قطاعات عريضة والذي يتبنى الطرح الصوفي في كافة المحافل واللقاءات، يكشف صراحة عن مشروع لفرض سيطرة الصوفية على الأمة المسلمة، فيقول، على هامش احتفال الطرق الصوفية بتكريمه، إن المشكلات المعقدة التي يواجهها العالم الإسلامي لن تجد حلاً إلا بالانضواء تحت راية الصوفية التي تقدم حلولاً ناجحة ـ بحد رآيه ـ للمشكلات العديدة التي يعانيها عالمنا الإسلامي.
وهكذا تتضح لنا معالم المشروع الأمريكي الجديد لتخريب العقل المسلم ولمحاربة الإسلام بأيدي أبنائه، فهل نحن منتبهون؟!!