التفاعل
10.3K
الجوائز
2.5K
- تاريخ التسجيل
- 8 جانفي 2010
- المشاركات
- 10,646
- آخر نشاط
- الوظيفة
- تاجر
- الأوسمة
- 2
بسم الله الرحمن الرحيم
شرح متن الورقات في أصول الفقه (1)
مبادئ العلوم- تعريف أصول الفقه
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا يخفى ما ورد من النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- في مدح العلم ورفع أهله الدرجات في الدنيا والآخرة، والمراد بالعلم الممدوح في النصوص الشرعية هو العلم الشرعي المورث لخشية الله -عز وجل-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [(28) سورة فاطر].
هذا هو العلم الممدوح المذكور في نصوص الوحيين، الذي يورث الخشية لله -عز وجل- والذي يبعث على العمل الصالح، فالعلم الذي لا يبعث على العمل في الحقيقة ليس بعلم، فالعلم هو ما أورث العمل الصالح الموصل إلى رضوان الله -عز وجل- هذا هو العلم الممدوح في النصوص، ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في سورة الزمر من قوله -جل وعلا-: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}، بعد ذلكم قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [(9) سورة الزمر]، فدل على أن أهل العلم هم الذين يتقون الله -سبحانه وتعالى- ويخشونه ويعملون بعلمهم، أما الذي لا يعمل بما علم هذا في الحقيقة ليس من أهل العلم، وإن حصل على شيءٍ من العلوم والمعارف، لكنه ليس بعالم، ولذا جاء في الحديث -وفيه كلام طويل لأهل العلم-: ((يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله))، فالعدول هم الذين يحملون العلم الشرعي، العدول الذين يعملون بالعلم هم العلماء، هم الذين يحملون العلم، وفي هذا دليل على أن ما يحمله بعض الفساق من العلوم والمعارف لا يسمى علماً على الحقيقة.
إذا عرفنا هذا فالعلم الممدوح المذكور مداره على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، مداره على نصوص الوحيين الكتاب والسنة، فمنهما يؤخذ وعليهما المعول في تحصيله، وقد مضى الجيل الأول من الصحابة على ذلك فاقتصروا على نصوص الوحيين؛ لأنهم ليسو بحاجة إلى غيرهما؛ الكتاب عربي والرسول -عليه الصلاة والسلام- عربي فليسو بحاجة إلى تعلم العربية.
عاصروا النبي وعايشوه -عليه الصلاة والسلام- وعرفوا مقاصده وفهموا عنه ما أنزل عليه وما بيّنه في سنته -عليه الصلاة والسلام- فليسوا بحاجة إلى قواعد وضوابط تعينهم على فهم الكتاب والسنة، هي موجودة حاضرة في أذهانهم، لكنهم ليسو بحاجة إلى تدوين لها؛ لأنهم على علم واطلاع بها.
ومن أراد أن يعرف قدر السلف وعلم السلف وفضل علمهم على الخلف فليقرأ في رسالة الحافظ ابن رجب -رحمة الله عليه- التي أسماها: (فضل علم السلف على الخلف).
وإذا ارتفعت نفس الإنسان وعلت به عن قدره فليقرأ في (مقدمة موضح أوهام الجمع والتفريق) للخطيب؛ ليرى قدره ويعرف أقدار السلف.
أقول هذا؛ لئلا يقول قائل: هذه العلوم حادثة، وقد قيل، والتصنيف في هذه الأمور أمر طارئ حادث بعد عصر السلف.
أقول السلف ليسو بحاجة إلى مثل هذه القواعد وهذه الضوابط التي تعينهم على فهم الكتاب والسنة، فليسو بحاجة إلى مؤلفات في العربية؛ لأنهم عرب خلص أقحاح لا يحتاجون إلى شيءٍ من ذلك، لكن لما اتسعت رقعة البلاد ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وخالط العربَ غيرُهم من الأمم احتاجوا أن يؤلفوا في العربية، وفي علوم الآلة كلها، وإن شئت فقل: علوم الوسائل التي منها ما نحن بصدد شرحه وهو أصول الفقه.
وعلى هذا إذا عرفنا أن هذه العلوم التي يسميها أهل العلم علوم الآلة التي هي مجرد وسائل لفهم المقاصد من نصوص الوحيين فلا ينبغي لطالب العلم أن يصرف كلَّ وقته لهذه العلوم، بل عليه -لا أقول ينبغي- بل عليه أن يأخذ منها بقدر ما يحتاج إليه في فهم الكتاب والسنة، وليس معنى هذا التقليل من شأن هذه العلوم، القدر الذي يتوقف عليه فهم الكتاب والسنة أمر لا بد منه سواء كان في علوم العربية، أو في أصول الفقه أو في علوم الحديث، أو في قواعد التفسير وعلومه، وغير هذه العلوم مما يحتاجه من يعاني نصوص الوحيين.
ومع هذا التوجيه وعدم إضاعة جميع الوقت في تحصيل هذه الوسائل..؛ لأن من الناس من يستهويه علم النحو مثلاً أو علم أصول الفقه فتجده في جميع مراحل عمره، في شبابه، في كهولته، في شيخوخته، إلى أن يموت وهو يقرأ ويقرئ ويدرس ويؤلف في النحو فقط.
إذا عرفنا أن هذا وسيلة لفهم الكتاب والسنة فكيف نقدمه على الغاية والمقصد، ومثله تجد مثلا ًالشخص يتدرج في علم النحو ويقرأ الأجرومية ثم القطر ثم الألفية ثم يطلع إلى ما فوق ذلك من شروح الألفية والمفصل وشروحه وكتاب سيبويه ثم ينتهي عمره على لا شيء، والنحو كما قال أهل العلم: كالملح في الطعام، معناه إذا زاد ضرَّ، لكنه لا بد منه.
ومثله أصول الفقه، تجد بعض الناس يقرأ الورقات ويقرأ شروح الورقات وما نظم فيها، وشروح المنظومات، ثم يطلع إلى مختصر التحرير أو التحرير مع شرحه، ثم الروضة مع شروحها ثم المستصفى ثم البحر المحيط وغيره ويفني عمره في ذلك، فلا إفراط ولا تفريط.
على طالب بالعلم أن يكون متوسطاً في أموره، لا يهمل هذه العلوم بالكلية، كما سمعنا بعض الدعاوى التي تدعو إلى ذلك فيقلل من شأن هذه العلوم، وجدت دعاوى تقلل من شأن العربية، ما أدري كيف يفهم الإنسان الكتاب والسنة وهو لا يعرف العربية، وجدت دعاوى تقلل من شأن أصول الفقه، وهو علم حادث ودخله ما دخله من علم الكلام، نعم، هو علم حادث أوجدته الحاجة، لكن أصوله حاضرة في أذهان الصحابة والتابعين، قد يقول قائل: أصول الفقه لو كان الناس بحاجةٍ إليه استغنى عنه الصحابة والتابعون، ولم يؤلف فيه حتى جاء الإمام الشافعي على رأس المائتين فألف -فكتب الرسالة- إذن هو حادث، نقول: لا، كان معلوم عند أهل العلم من الصحابة والتابعين في أذهانهم، لما وجدت الحاجة ودعت الضرورة إلى التأليف ألف فيه، ومثله الدعاوى التي تقال في علوم الحديث مثلاً، وتدعو إلى نبذ القواعد وغير ذلك، وهذا له مجال آخر.
ومثله أيضاً التقليل من شأن كتب الفقه، والاجتهاد والمطالبة بالاجتهاد والتفقه من الكتاب والسنة رأساً –مباشرةً- لأنهما الأصل، والأمر كذلك هما الأصل، لكن متى يتأهل الإنسان للاجتهاد؟