تأمُّلاتٌ في آياتٍ .. ۩۞ سُورةُ المائِـدة ۩۞ ~

Nilüfer

:: عضو شرفي ::
إنضم
15 أكتوبر 2011
المشاركات
11,104
النقاط
351
السلآم عليكم رحمة الله تعآلى وبركآته

سُورةُ المائِـدة


هي آخر ما نزل من القرآن؛ ولذلك قال العلماء: ما كان فيها من حلال فأحلوه، وما كان فيها من حرام فحرموه، ولم يأتِ فيها حكم يكون منسوخاً، بل كل الأحكام التي فيها محكمة، وهي مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فإنه مدني، وإن نزل بمكة، وإلا ففيها قول الله تبارك وتعالى: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}} [المائدة: 3] وهذه الآية نزلت في عرفة والنبي صلّى الله عليه وسلّم واقف بها



﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ 1. هذا أمرٌ من الله تعالى لعِباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمانُ بالوفاء بالعُقُود؛ أيْ: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامِلٌ للعُقُودِ التي بين العَبدِ وبين رَبِّهِ؛ مِن التزام عُبُودِيَّتِه، والقيامِ بها أتَمَّ قِيام، وعدم الانتقاص من حُقُوقها شيئًا، والتي بينه وبين الرسول؛ بطاعته واتِّباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب؛ ببِرِّهِم وصِلَتِهم، وعدم قطيعتهم، والتي بينه وبين أصحابه؛ مِن القيام بحُقُوق الصُّحبةِ في الغِنَى والفَقر، واليُسْر والعُسْر، والتي بينه وبين الخَلْق؛ مِن عُقُودِ المُعاملاتِ، كالبَيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرُّعاتِ، كالهِبة ونحوها، بل والقيام بحُقُوق المسلمين التي عَقَدَها اللهُ بينهم في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الحجرات/10، بالتَّناصُر على الحَقِّ، والتَّعاون عليه، والتَّآلُفِ بين المسلمين وعدم التَّقاطُع.
فهذا الأمرُ شامِلٌ لأصول الدِّين وفُرُوعِهِ، فكُلُّها داخِلَةٌ في العُقُودِ التي أمر اللهُ بالقيام بها.
"تفسيرُ السَّعديِّ"

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ 2. أيْ: ليُعِن بَعضُكم بَعضًا على البِرِّ؛ وهو اسمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يُحِبُّه اللهُ ويَرضاه، من الأعمال الظاهِرة والباطِنة، من حُقُوق اللهِ وحُقُوق الآدميِّين.
والتَّقوى في هذا المَوضِع: اسمٌ جامِعٌ لتَركِ كُلِّ ما يكرهه اللهُ ورسولُه، من الأعمال الظاهِرة والباطِنة. وكلُّ خصلةٍ من خِصال الخير المأمور بفِعلِها، أو خصلةٍ من خِصال الشَّرِّ المأمور بتركها، فإنَّ العَبدَ مأمورٌ بفِعلها بنَفْسِهِ، وبمُعاونةِ غيره من إخوانِهِ المؤمنين عليها، بكُلِّ قَوْلٍ يَبعَثُ عليها ويُنَشِّطُ لها، وبكُلِّ فِعلٍ كذلك.
﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ ﴾ ؛ وهو التَّجَرؤ على المعاصي التي يأثَمُ صاحِبُها، ويحرج. ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾؛ وهو التَّعَدِّي على الخَلْق في دِمائِهم وأموالِهم وأعراضِهم. فكُلُّ مَعصيةٍ وظُلمٍ يَجِبُ على العَبدِ كَفّ نَفْسِهِ عنه، ثُمَّ إعانة غيره على تركِهِ.
"تفسيرُ السَّعديِّ"

﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... ﴾ 3. اليومُ المُشارُ إليه يوم عرفة..... ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بتمام النَّصر، وتكميل الشَّرائِع الظاهِرة والباطِنة، الأصول والفُروع، ولهذا كان الكتابُ والسُّنَّة كافِيَيْن كُلَّ الكِفايةِ في أحكام الدِّين، أصوله وفُرُوعِهِ.
فكُلُّ مُتكَلِّفٍ يَزعُمُ أنَّه لا بُدَّ للناس في مَعرفةِ عقائِدِهم وأحكامِهم إلى علومٍ غير عِلم الكتاب والسُّنَّةِ- من علم الكلام وغيره- فهو جاهِلٌ، مُبطِلٌ في دَعواه، قد زَعَمَ أنَّ الدِّينَ لا يَكمُلُ إلَّا بما قاله ودَعَا إليه، وهذا من أعظم الظُّلم والتَّجهيل للهِ ولرسولهِ.
﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ الظاهِرة والباطِنة، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾؛ أيْ: اخترتُه واصطفيتُه لكم دِينًا، كما ارتضيتكم له، فقُومُوا به شُكرًا لِرَبِّكم، واحمدوا الذي مَنَّ عليكم بأفضل الأديان وأشرفِها وأكملِها.
"تفسيرُ السَّعديِّ"

قال رجلٌ منَ اليهودِ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنِينَ، لو أنَّ عليْنا نزلتْ هذه الآيةُ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ، لاتَّخذْنا ذلكَ اليومَ عِيدًا، فقال عمرُ: إنِّي لأعلَمُ أيَّ يَومٍ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ، نزلتْ يومَ عرفةَ، في يومِ جُمُعةٍ.. رواه البُخاريُّ ومُسلِم.


﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ 9، وَمَن أصدقُ من الله قيلاً، ويا له من وعدٍ ! أن يَعِدَ اللهُ- سُبحانه وتعالى- المُؤمنين به وبكتابه وبرُسله وباليوم الآخِر وبالقَدَر خيره وشَرِّه، والذين يعملون الصالحاتِ- مِن واجباتٍ ومُستحبَّاتٍ- بالمغفرةِ لذنوبهم، وبالأجر العظيم؛ الذي لا يَعلمُ عِظَمه إلَّا اللهُ تعالى.

﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ 17. هكذا قالت النَّصارى، فكَفروا بقولهم هذا. تعالى اللهُ عَمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا.

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ 33. هذا حَدّ الحِرابَة. فهؤلاء الذين يُحاربون اللهَ ورَسولَه، ويُبدون العَدواةَ لهما، ويُفسدون في الأرض، ويبغونَ على الناس، ويُخيفونهم، ويقطعون عليهم طُرَقَهم، ويقتلونهم، جزاؤهم وضَّحته الآيةُ الكريمةُ. وهذا الجَزاءُ يَدُلُّ على عَظيم جُرمِهم، وسُوءِ فِعلهم. وكم نرى من القتل والإفسادِ في الأرضِ مِمَّن يدَّعون انتماءَهم للإسلام! وكم نرى مِن الناس مَن يُحاربون دِينَ اللهِ تحت مُسَمَّياتٍ وشعاراتٍ وادِّعاءاتٍ باطِلَةٍ! ولو طُبِّقَ حَدُّ الحِرابَةِ على هؤلاء، لارتدَعَ المُفسِد، ولَصَلحَ المُجتمع، لكنَّ القوانينَ الوَضْعِيَّة حلَّت مَحَلَّ الأحكام الشَّرعِيَّة، ففسَدَ كثيرٌ من الناس وأفسدُوا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 35. هذا أمرٌ مِن الله لعِبادِه المؤمنين، بما يقتضيه الإيمانُ مِن تقوى الله والحَذر من سَخَطِهِ وغَضَبِهِ، وذلك بأن يَجتَهِدَ العَبدُ، ويَبذُل غايةَ ما يُمكنه من المقدور في اجتناب ما يَسخَطُه اللهُ، من معاصي القلب واللسان والجوارح، الظاهرة والباطنة. ويَستعينُ باللهِ على تركها؛ ليَنجُوَ بذلك من سَخَطِ الله وعذابه. ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ أيْ: القُربَ منه، والحَظوةَ لديه، والحُبَّ له؛ وذلك بأداءِ فرائِضِهِ القلبيَّة، كالحُبِّ له وفيه، والخَوفِ، والرَّجاءِ، والإنابةِ، والتَّوكُّلِ، والبَدَنِيَّة: كالزَّكاةِ والحَجِّ، والمُركَّبَة من ذلك، كالصَّلاةِ ونحوها من أنواع القِراءةِ والذِّكر، ومن أنواع الإحسان إلى الخَلْق بالمال والعِلم والجَاه، والبَدن، والنُّصح لعباد الله. فكُلُّ هذه الأعمال تُقَرِّبُ إلى الله. ولا يَزالُ العَبدُ يتقرَّب بها إلى الله حتى يُحِبَّه الله، فإذا أحبَّه كان سَمْعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي [بها] ، ويَستجِيبُ اللهُ له الدُّعاءَ.
ثُمَّ خَصَّ تبارك وتعالى مِن العِبادات المُقرِّبَةِ إليه: الجِهادَ في سبيله؛ وهو بَذلُ الجُهْدِ في قِتال الكافرين بالمال، والنَّفْسِ، والرأي، والِّلسان، والسَّعي في نَصر دِين اللهِ بكُلِّ ما يَقدِرُ عليه العَبدُ؛ لأنَّ هذا النَّوعَ مِن أجَلِّ الطاعاتِ وأفضل القُرُباتِ، ولأنَّ مَن قام به، فهو على القِيامِ بغَيره أحرَى وأولى. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إذا اتَّقيتُم اللهَ بترك المعاصي، وابتغيتُم الوسيلةَ إلى الله، بفِعل الطاعاتِ، وجاهدتُم في سبيله ابتغاءَ مَرضاتِهِ.
والفلاحُ هو الفوزُ والظَّفَرُ بكُلِّ مَطلوبٍ مَرغوبٍ، والنجاةُ مِن كُلِّ مَرهوبٍ، فحقيقتُه السَّعادة الأبديَّة والنَّعيم المُقيم.
"تفسيرُ السَّعديِّ"

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 36. وهل هُناكَ ذنبٌ أعظم مِن الكُفر؟! فيَا مَن كَفرتَ باللهِ، ويَا مَن كَذَّبتَ بآياتِ الله، تدارك نَفْسَكَ قبل أن تندم، فيوم القيامةِ لن ينفعكَ شيءٌ، ولن تستطيعَ أن تفتدِيَ بشيءٍ مِن عذابِ الله.

﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ 38. لو طُبِّق هذا الحَدُّ على السَّارق ما سَرَقَ أحد، ولاستقامَ الناسُ، وصلحَ المُجتمع. قال رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((تُقطَعُ يَدُ السَّارقِ في رُبُعِ دِينارٍ)) رواه البُخاريُّ ومُسلِم، وقال: ((لا يَزني الزَّانِي حِينَ يَزني وهو مُؤمنٌ، ولا يَسرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسرِقُ وهو مُؤمنٌ)) رواه البُخاريُّ ومُسلِم. وقال أيضًا: ((لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسرِقُ البَيضةَ فتُقطَعُ يَدُه، ويَسرِقُ الحَبلَ فتُقطَعُ يَدُه)) رواه البُخاريُّ ومُسلِم.

ثلاثُ آياتٍ في سُورة المائِدة فيها وَعيدٌ لِمَن لم يَحكُم بما أنزلَ اللهُ تعالى مِن الحَقِّ المُبين، وحكَمَ بالباطِل؛ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ 44، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ 45، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ 47.

﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ 48. أي: فاحكُم يا مُحمد بين الناس- عَرَبِهم وعَجَمِهم، أُميهم وكتابيِّهم- بالحُكم الشَّرعيِّ الذي أنزله اللهُ إليكَ في هذا الكتاب العظيم (القُرآن الكريم)، ولا تَتَّبِع آراءَهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل اللهُ على رسوله؛ ولا تنصرِف عن الحَقِّ الذي أمركَ اللهُ بِهِ إلى أهواءِ هؤلاءِ مِن الجَهَلَةِ الأشقياءِ.
"تفسيرُ ابن كثيرٍ بتصرُّفٍ يسير"

وإذا كان النبيُّ- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قد أُمِرَ أن يَحكُمَ بشَرعِ الله، فنحنُ مأمورن بذلك مِن بَعدِه، فعلينا أن نحُكمُ به لا بأهوائِنا ولا مُجاملَةً لِمَن حولَنا ومَرضاةً لهم.


﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ 48. أيْ: بادِرُوا إليها وأكمِلوها، فإنَّ الخَيراتِ الشَّامِلَة لِكُلِّ فَرضٍ ومُستَحَبٍّ، مِن حُقُوق اللهِ وحُقُوق عِباده، لا يَصِيرُ فاعِلُها سابِقًا لغَيره مُستوليًا على الأمر، إلَّا بأمرين: المُبادَرَة إليها، وانتهاز الفُرصةِ حين يَجِيءُ وقتُها ويَعرِضُ عارِضُها، والاجتهاد في أدائِها كامِلَةً على الوجه المأمور به. ويُستَدَلُّ بهذه الآيةِ على المُبادرة لأداءِ الصلاةِ وغيرها في أوَّل وقتِها، وعلى أنَّه ينبغي أن لا يقتصرَ العَبدُ على مُجَرَّدِ ما يُجزِئُ في الصلاةِ وغيرها من العِباداتِ من الأمور الواجبة، بل ينبغي أن يأتِيَ بالمُستَحَبَّاتِ التي يقدرُ عليها؛ لِتَتَمَّ وتَكمُلَ، ويَحصُلَ بها السَّبْقُ.
"تفسيرُ السَّعديِّ"

فسارِع أخي، وليَكُن لَكَ مِن الخيرِ نصيبٌ. سارِع قبل انقضاءِ أجَلِكَ وانقطاعِ عَملِكَ. سابِق إلى الخيراتِ، واعمَل للآخِرةِ لِتَفُز بالجَنَّاتِ.


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 51. نَهَى اللهُ تعالى عن مُوالاةِ اليهودِ والنَّصَارى، ومُوالاتُهم تكونُ بمَحَبَّتِهم، ومُصاحبتِهم، وتهنئتِهم بأعيادِهم. وهم أعداءٌ للمُسلِمين، يَسعون لإضلالِهم، ويكونون يدًا واحِدةً على مَن سِواهم.

﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ 72. فأخبرَ اللهُ تعالى بكُفر النَّصارَى الذين ادَّعَوْا أنَّ المَسيحَ عيسى- عليه السَّلامُ- ابنُ الله، ومع ذلك نَجِدُ كثيرًا من المُسلِمين اليومَ ينسبونَهم للمَسيحِ بقولِهم (المَسِيحِيِّين)؛ إمَّا جَهلاً منهم أو مًوالاةً لهم. ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ، فكَذَّبَ ادِّعاءَاتِهم، وأثبَتَ لنَفسِهِ العُبوديَّةَ التَّامَّةَ للهِ تعالى، وأثبتَ لِرَبِّهِ سُبحانه الرُّبُوبِيَّةَ الشَّامِلَةَ لجميع الخَلْقِ.

﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ 73. فكَفَّر اللهُ تعالى النَّصارَى الذين ادَّعَوْا أنَّ اللهَ ثالِثُ ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم. تعالى اللهُ عَمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ، فليس لهذا الكونِ سِوَى إلَهٌ واحِدٌ، مُتَّصِفٌ بصِفاتِ الكمال، مُنَزَّهٌ عن كُلِّ نَقص؛ هو اللهُ عَزَّ وجلَّ.
﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ 75. فهو ليس ابن الله، وليس ثالِث ثلاثة، وإنَّما هو بَشَرٌ، ورَسُولٌ إلى قومه.
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 89. كثيرٌ من النَّاسِ يَظُنُّونَ أنَّ كَفَّارةَ اليمين هِيَ صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، فيُكفِّرونَ عن أيمانِهم بها، وإذا طُلِبَ مِن أحدِهم أن يُقسِمَ على شيءٍ أو أن يتراجَعَ عن يَمينه، رَفَضَ وقال: لا أستطيعُ أنَّ أصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ. والصَّحيحُ أنَّ كَفَّارة اليمين هِيَ: إطعامُ عشرة مساكين (مِن أوسطِ ما يَطعَمُ المَرءُ أو يُطعِمُ أهلَه)، أو كِسوة عشرة مساكين، أو عِتقُ رقبةٍ مُؤمنةٍ، فمَن لم يَجِد واحِدًا من هذه الثلاثة، فليَصُم ثلاثة أيَّامٍ.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ 105. أيْ: اجتهدوا في إصلاحِها وكمالِها وإلزامها سلوك الصِّراطِ المُستقيم، فإنَّكم إذا صلحتُم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ عن الصِّراطِ المُستقيم، ولم يَهتدِ إلى الدِّين القَويم، وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَه.
ولا يَدُلُّ هذا على أنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المُنكر لا يَضُرُّ العَبدَ تركُهما وإهمالُهما، فإنَّه لا يَتِمُّ هُداه إلَّا بالإتيان بما يَجِبُ عليه مِن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر.
نعم، إذا كان عاجِزًا عن إنكار المُنكر بيده ولِسانِهِ وأنكره بقلبه، فإنَّه لا يَضُرُّه ضلالُ غَيره.
"تفسيرُ السَّعديِّ"

عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّكُم تَقرؤونَ هذِهِ الآيةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ- صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- يَقولُ: ((إنَّ النَّاسَ إذا رأوا ظالمًا، فلم يأخُذوا على يَديهِ، أوشَكَ أن يعُمَّهُمُ اللَّهُ بعِقابٍ منهُ)) رواه الترمذيُّ وصَحَّحه الألبانيُّ.


﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ 109. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الرُّسُلَ لا يعلمونَ الغَيبَ، وهم المعصومون، فكيف بغيرهم مِن البَشَر؟! وكيف يَدَّعي البَعضُ أنَّ أمثالَهم مِن البَشرِ يَعلمون الغيبَ، ويتحكَّمونَ في الكون، مِن الرَّفضةِ وغيرهم مِن الفِرَقِ الضَّالَّة؟!

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ 116-117. وهذا توبيخٌ للنَّصارَى الذين قالوا: إنَّ اللهَ ثالِثُ ثلاثة، فيقولُ اللهُ هذا الكلامَ لعيسى. فيتبرأ عيسى ويقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ عن هذا الكلام القبيح، وعمّا لا يليق بك. ما ينبغي لي، ولا يليقُ أن أقولَ شيئًا ليس مِن أوصافي ولا مِن حُقُوقي، فإنَّه ليس أحدٌ مِن المخلوقين، لا الملائكةُ المُقَرَّبُونَ ولا الأنبياءُ المُرسَلُون ولا غيرُهم، لَه حَقٌّ ولا استحقاقٌ لمقام الإلَهِيَّةِ، وإنَّما الجَميعُ عِبادٌ، مُدَبَّرُونَ، وخَلْقٌ مُسَخَّرُونَ، وفُقَراء عاجِزُونَ. ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، فأنتَ أعلَمُ بما صَدَرَ مِنِّي، و ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾، وهذا مِن كمال أدَبِ المسيح- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- في خِطابِهِ لِرَبِّه، فلم يَقُل عليه السَّلام: (لم أقُل شيئًا مِن ذلك)، وإنَّما أخبر بكلامٍ ينفي عن نَفْسِهِ أن يقولَ كُلَّ مَقالةٍ تُنافِي مَنصبَه الشَّريف، وأنَّ هذا مِن الأمور المُحالَةِ، ونَزَّه رَبَّه عن ذلك أتَمَّ تَنزِيهِ، ورَدَّ العِلْمَ إلى عالِمِ الغَيبِ والشَّهادةِ.
ثُمَّ صَرَّح بذِكر ما أَمَرَ بِهِ بني إسرائيل، فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، فأنا عَبْدٌ مُتَّبِعٌ لأمركَ، لا مُتَجَرِّئٌ على عَظَمَتِكَ. ما أمرتُهم إلَّا بعِبادةِ الله وَحدَه وإخلاص الدِّين له، المُتَضَمِّن للنَّهي عن اتِّخاذِي وأُمِّي إلَهَيْن مِن دُون الله، وبَيان أنِّي عَبْدٌ مَربُوبٌ، فكما أنَّه رَبُّكم فهو رَبِّي.
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ ، أشهَدُ على مَن قام بهذا الأمر، مِمَّن لم يَقُم بِهِ. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ المُطَّلع على سرائِرهم وضَمائِرهم. ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عِلْمًا وسَمْعًا وبَصَرًا، فعِلْمُكَ قد أحاط بالمعلوماتِ، وسَمْعُكَ بالمَسْمُوعَاتِ، وبَصَرُكَ بالمُبْصَراتِ، فأنتَ الذي تُجازي عِبادَكَ بما تعلمُه فيهم مِن خَيرٍ وشَرٍّ.
"تفسيرُ السَّعديِّ بتصرُّفٍ يسير"




في أمآن الله
 
Top