• : الموقف من القرآن الكريم :
[/B][/SIZE][/FONT]
(2) :
يرى أحد " دعاة التنوير " في عالمنا العربي / الإسلامي من الحداثيين الجدد " أنه لا بد من البحث ، والتنقيب ، في القرآن الكريم " ، كما لا بد من تجاوز " منهج " الصحابة الواقف مع بعض آيات القرآن موقفَ التفويض ... : " فإذا سألني سائل الآن : ألا يسعك ما وسع الصحابة في فهم الكتاب والقرآن ؟ . فجوابي ، بكل جرأة ويقين ، هو : كلا . لا يسعني ما وسعهم ؛ لأن أَرضيّتي العلمية تختلف عن أرضيتهم ، ومناهج البحث العلمي عندي تختلف عنهم ، وأعيش في عصر مختلف تماماً عن عصرهم ، والتحديات التي أواجهها تختلف عن تحدياتهم . إنني أواجه فلسفاتٍ قويةً ومنيعةً دخلت عقر داري ، وأواجه تقدماً علمياً يؤثر على كل حركة وكل قرار أتخذه في حياتي ، وأكون متوهماً إذا قلتُ ، أو قبلتُ ، أنه يسعني ما وسعهم " .
والحقيقة التي أراها ، أن الصحابة ، رضي الله عنهم ، لم يقفوا " موقف التفويض " إلا بآيات الصفات والمتشابهات ، وفيما عدا ذلك ، فقد فسروا القرآن للناس ( وليراجع ، من يشاء ، تفسير : الطبري ، والسيوطي في " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " والرازي في " التفسير الكبير " ) .
ويملي علينا الكاتبُ منهجيتَه ... وهو ، وهو شخص عادي ، من سبق ورفض منهج الصحابة ، وهم ليسوا " عاديين " ، فيذهب إلى أن التأويلاتِ الجديدةَ التي جاء بها غير نهائية ، وغير ملزمة للآتين بعد ... : " علينا أن لا ننسى أن التأويلات التي نؤولها في عهدنا قابلة للتطوير ، أو النقض ، على مر السنين ؛ لأن تأويلات عصرنا تقوم على أساس نسبـية معرفتنا للحقيقة . وهذا هو أهم بند علينا أن لا ننساه ، وعلينا أن نؤكد عليه للأجيال القادمة ، لكي لا تتحجر ، ولا تتزمت ، ولكي تكون روح المنهج العلمي في البحث عن الحقيقة هي المهيمنة على أجيالنا المقبلة " .
وما نراه أن " تأويلات " الرجل هي " ظنون " حول تأويل النص ، أو محاولة لبيان المراد من النص .
يرى الرجل أن طبيعة الإسلام ، وهو " دين الحنيفية " ، هي : ( " التطور " و " التغير " ( هذا " متنور " ولا يفرّق بين التطور والتغير ... كما لا يفرق بين " الدين " و " فهم " الدين ) لملاءمة أوضاع الناس وأحوالهم ) ... : " إن الإسلام دين الفطرة ، وهو دين الحنيفية المتغيرة حسب الزمان والمكان ، وحسب الأحوال الاجتماعية والاقتصادية ، وهو متطابق تماماً مع فطرة الناس ، والتي تحمل تشابهاً كبيراً مع قوانين الطبيعة " .
هذا الكلام فيه خلطٌ عجيب ؛ لأن تغير الحنيفية ، وهي متوافقة مع الفطرة ، يستلزم تغير الفطرة نفسِها . ثم من قال إن الفطرة متغيرة ؟ ... إن الله ، عزّ وجلّ ، فطرَ النفسَ الإنسانيةَ على الخير والشر معاً ... " " ونفسٍ وما سواها ، فألهمها فجورَها وتقواها " . وفطر الإنسانَ على حب الشهوات ... : " زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث " . وفطره ، الإنسانَ ، على حب الخير أيضاً ... " وإنه لحب الخير لشديد " .
الحنيفية لا تتغير ، ولا تتطور ؛ لأن التغير معناه فقدُ الخصائص الأولى : فحين تتحول الخمرُ إلى خل ، لا يمكن بيعها على أنها خمر ، كذلك حين يتحول أي مبدأ إلى مبدأ آخر ، لا يمكن القول إن المبدأ الجديد هو المبدأ القديم ، لأن هذا المبدأ الجديد يمكن أن يتحول إلى مبدأ ثالث ، والثالث إلى رابع ... وهكذا . وإذا قلنا إن الحنيفية تتبدل ، فهذا يعني أن الصورة التي تبدلت إليها الحنيفية ليست هي الصورة الأولى التي كان عليها أبو الأنبياء إبراهيمُ عليه السلام .
ويضيف صاحب النص نفسِه أن العرب لم يهتموا بفهم القرآن ، بل هجروه . ويعلل ذلك بعدم توفر أدوات البحث العلمي لديهم . وهو يسوّي ، في الهجران ، بين الكافرين وأكابر ، وأفاضل ، الصحابة رضي الله عنهم ... كالخلفاء الراشدين ... : " لقد اهتم العرب بفهم الرسالة اهتماماً شديداً ، وأعطوْها كل وقتهم وجهدهم ، وجاهدوا في نشرها بين الأمم . ولكنهم لم يهتموا بفهم القرآن ، لأن القرآن بحاجة إلى تفرغ ، ووضع حضاري معين ، وبحث علمي . لذا قال تعالى " وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث " . قال : ( على الناس ) ولم يقل على الذين اتقوا . فكلما زادت معاهد البحث العلمي ، وزاد عدد المتفرغين لهذا البحث ، وزاد عدد الاختصاصات ، زاد فهم الناس للقرآن . هذه الشروط لم تكن متوفرة في عهد النبـي صلى الله عليه وسلم . وهذه الظاهرة وردت في سورة الفرقان بقوله : ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ) . فقوم الرسول هم العرب ، كل العرب . لاحظ قوله ( إن قومي ) إذ لم يقل : إن الذين كفروا من قومي ، ولو عنى المسلمين لقال أمتي ، لأن العرب قومه ، والمسلمون أمته . هذه الآية تنطبق على العرب جميعاً ، بما فيهم الصحابة والخلفاء الراشدون من أبي بكر الصديق إلى علي بن أبي طالب " .
هكذا يسوق " متنورنا " اتهاماً للصحابة رضي الله عنهم . وقد لا يعلم أن اتهام هذه الكوكبة بعدم فهم القرآن ، وبهجرانه ، وجعلهم مع الكافرين في مستوى واحد ، هو باطل للآتي :
1- أن القرآن الكريم قد نزل بلغة هؤلاء ، وهم كانوا أكثر علماً باللغة منه ، ولذلك كان القرآن الكريم ينتقل ، لديهم ، من " النظري " إلى " العملي " مباشرة ، ولا يبقى الواحد منهم يدور في دائرة من الجدل عقيمة . هذا ، إضافة إلى أن القرآن الكريم قد أثنى عليهم بما لا يحتاج معه إلى مزيد .
2- أن القرآن الكريم ، في المقام الأول ، كتابُ هداية ، وهو موجّهٌ ، من الله عز وجل ، إلى خَلْقه على اختلاف مستوياتهم العلمية والثقافية والمعرفية ، ومن ثم لا يُعقل أن يكون " العلماء " هم ، وحدهم ، الذين يفهمونه ، بينما العامة تبقى هاجرةً له ... : " لمّا كان مقصود الشرع تعليم العلم الحق والعمل الحق ، وكان التعلم صنفين : تصوراً وتصديقاً ، وكانت طرق التصديق الموجودة للناس ثلاثاً : البرهانية والجدلية والخطابية ، وطرق التصور اثنتين : إما الشيء نفسه . وإما مثاله ، وكان الناس كلهم ليس في طباعهم أن يقبلوا البراهين ولا الأقاويل الجدلية ... فضلاً على الأدلة البرهانية ، ، مع ما في الأقاويل البرهانية من العسر والحاجة في ذلك إلى طول الزمان لمن هو أهل لتعلُّمِها ، وكان الشرع مقصوده تعليم الجميع ، وجب أن يشتمل الشرع على جميع أنحاء طرق التصديق وأنحاء طرق التصور . ولما كانت طرق التصديق منها ما هي عامة لأكثر الناس ... أي حصول التصديق من قِبلها ... وهي : الخطابية والجدلية ، والخطابية أعم من الجدلية ، ومنها ما هي خاصة بأقل الناس وهي البرهانية ، وكان الشرع مقصوده الأول العناية بالأكثر مع عدم إغفال تنبيه الخواص ، كانت أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة هي الطرق المشتركة للأكثر في حصول التصور التصديق " .
3- أن لفظ " قومي " الذي يتذرع به صاحب النص هو من باب " إطلاق العام " و " إرادة الخاص " ، بمعنى : الذين كفروا من قومي اتخذوا القرآن مهجوراً ، وهذا معروف في أساليب اللغة ... فنقول : حضر الطلاب ... بمعنى جُلهم ، و " غاب الطلاب ... بمعنى بعضهم . ذلك من قبيل ما جاء في القرآن الكريم : " وكذب به قومك وهو الحق " . فهل كذّب الصحابة الكرام ، رضي الله عنهم ، بالقرآن ؟ ، أم كانوا أول من صدّق به ، وها هو أبو بكر ، رضي الله عنه ، يلقّب بـ الصدّيق . إذاً ، فيكون المقصود هنا أن " بعض " القوم كذّبوا بالقرآن الكريم ، لا " كلهم " . ونلاحظ ادعاء الكاتب أنه سيستخدم " المنهج اللغوي " في التفسير ، فكيف فاته معرفة قاعدة بسيطة في البلاغة العربية ؟.
4- هل يكون مقبولاً ، فضلاً عن أن يكون معقولاً ، إنزالُ القرآن الكريم لقوم لن يفهموه لأنهم " ليس لديهم أدواتُ البحث العلمي " ؟ !!! إن قولاً كهذا يعد كلاماً قادحاً في إيمان قائله بـ حكمة الله تعالى .
وحتى يحيط الكاتب نفسَه بهالة " علمية " زعمَ توصله لـ " نتيجة خطيرة " تتمثل في التفرقة بين كل من لفظ " الكتاب " ولفظ " القرآن " . ونحن واجدون ، وعارفون ، بهكذا منهج ... : " مُلاحَظٌ على " تلاميذ المستشرقين " من الحداثيين أن أكثر المعلومات التي ينقلونها من العلوم الإسلامية قد لا تكون للبرهنة على أصل الفكرة . لكن الدافع وراء هذا كله الرغبة في " الإيحاء " للقارئ في عرْض " بطاقة ترخيص " لممارسة التحريف ولتضليل القارئ . كأن أحد هؤلاء يريد أن يوهم القارئ أنه يعرف هذه العلوم ، وبالتالي يكون له الحق في كتابة ما يكتب بشأنها حتى لو كان المكتوب شاذاً ، ومخالفاً ، لبدهيات هذه العلوم التي يكتب فيها هذا الحداثي " .
وبحال " ارتكاس الفطرة " لا يعدم الرجل أنصاراً ينافحون عن فكرته تلك ... : " قد يصاب القارئ بصدمة عند وصوله إلى النتيجة المعروضة في باب الذكر ، والتي تقول بعدم ترادف القرآن والكتاب ، ووجود فرق بينهما ، لأن هذه النتيجة تهدم التصور السائد في فهم الإسلام القائم على ترادف القرآن والكتاب . وبعد قبول النتيجة قد يصاب القارئ بحيرة ، لأن قبول هذه النتيجة يستوجب ، بالضرورة ، تقديم تصور جديد في فهم الإسلام قائم على تباين القرآن والكتاب . وقد أدرك الدكتور شحرور ذلك ، فلم يترك القارئ في حيرته بعد الصدمة ، بل قدم له التصور الجديد الذي يقترحه في فهم الإسلام " .
نحن ، على صعيد اللغة ، عارفون أن دلالةَ لفظ ( كتب ) غيرُ لفظ ( قرأ ) ، ما يعني الإعلان أن دلالة لفظ " الكتاب " تختلف عن دلالة لفظ " القرآن " : فلفظ الكتاب يدل على أنه " قراطيس " مكتوبٌ فيها ، بينما لفظ " القرآن " يدل على " القراءة " ، لكننا نشير إلى أنه قد " يقرأ " الإنسان من دون أن يكون أمامه " كتاب " ، وقد " يكتب " دون أن يقرأ ما يكتبه ، ما يعني أن دلالة اللفظين ليست واحدة على مستوى اللغة ، لكنهما قد يدلان على شيء واحد حال تَسمّى بهما هذا الشيء المشار إليه ، فما أنزله الله ، عز وجل ، على نبيه محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وحياً ، هو كتاب بمعنى أنه " مكتوب " ، وهو قرآن بمعنى أنه " مقروء " ، فكلاهما تعبير عن مسمى واحد : وهو ما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم بين دفتي المصحف ، وليس معنى هذا أن الله أنزل شيئاً اسمه الكتاب ، وشيئاً آخر اسمه القرآن . مثلاً : " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " . فلفظ الجلالة غيرُ مرادف ، دلالياً ، للفظ الرحمن ، وإلا كان تكراراً لا طائل من ورائه ، لكن ، في المقابل ، فإن اللفظين هما لمسمىً واحدٍ ... هو الذات الإلهية العظمى .
ولا يجوز ، عقدياً ، اعتبار قيام " ذات إلهية " هي الرحمن ، و " أخرى " هي الله عز وجل ، وإلا لتساوى صاحبُ هكذا اعتبار بالمشركين ، وهذا عين القول عن الأسماء الحسنى إنها مترادفة ، أي من حيث دلالتها على مسمّىً واحدٍ ، وليس من حيث معانيها اللغوية . ونفس الأمر بالنسبة للفظي الكتاب والقرآن : هما مترادفان من حيث دلالتهما على ما أنزله الله ، تعالى ، على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس من حيث المدلول اللغوي . وتاريخ العقائد ، والتفسير ، يُظهران أن علماء الأمة أقروا بالترادف ، حتى ليذكر السيوطي كيف أنكر على المعارضين / المخالفين الفخرُ الرازي ... : " وتعسفات الاشتقاقيين لا يشهد لها شبهةٌ ، فضلاً عن حجة " . وهناك من وقف بين بين محاولاً التوفيق بين الفريقين ... : " من جعلها مترادفة ، ينظر إلى اتحاد دلالتها على الذات ، ومن يمنع ، ينظر إلى اختصاص بعضها بمزيد معنى . فهي تشبه المترادفة في الذات ، والمتباينة في الصفات " .
والرجل ، صاحبنا المتنور ، يرى أن المسلمين ، بل والعلماء منهم حصراً وقصراً ، لم يفقهوا القرآن الكريم كما فقهه سعادته ، فيطالب ، لزومَ مايلزم ، بسحب القرآن منهم ... : " علينا أن نسحب القرآن ، قبل أن يفوت الأوان ، من أيدي السادة الوعاظ المعروفين بالعلماء الأفاضل ، أو رجال الدين ، حيث يجب أن يكون موقف هؤلاء العلماء الأفاضل من القرآن هو كموقف العامة تماماً : التسليم . لأن معلوماتهم بالنسبة للقرآن لا تزيد عن معلومات العامة بتاتاً ، وإن كان لهؤلاء الناس دور ، فدورهم وعظي بحت " .
وهذا موقف يؤيد ما وصفْنا به ، نحن الإسلاميين ، تنويريينا بالإقصائيين لمن خالفهم .
وهاك أسئلة تدين الرجل :
- ما معنى قول الرجل " نسحب القرآن " ؟ ،
- وما هذا التعميم الخاطئ ، والتعميم يدل على اللامنهجية ؟ ،
- وكيف يقيم " مثقفُنا " هذا هذا تسويةً بين العلماء والعامة ؟ ، ومن هم العلماء الذين يقصدهم ؟ .
لنا أن نبين أمرين نعتقد كونهما على قدر كبير من الخطورة :
الأول : أن كثيراً من " علماء " ، ولا أقول رجال ، الدين ، اليوم ، يعرفون عن علوم الحياة والدين مثلما يعرف صاحبنا هذا ، وربما أكثر . ومنهم من يجيد من اللغات الأجنبية مثلما يجيده صاحبنا هذا ، وربما أكثر .
الثاني : أن طرح الرجل الأمرَ على هذه الصورة ، إنما هو " حملة " على العلماء تضعه إلى جانب المخططين للسخرية من " العلماء " علماً / درايةً منهم أن السخرية من " الحامل " سيتبعها ، لزومَ ما يلزم ، سخريةٌ من المحمول ... : " لقد وجّهنا اهتماماً كبيراً إلى الحط من كرامة رجال الدين الأمميين ، غيرِ اليهود ، في أعين الناس ، وبذلك نجحنا في الإساءة إلى رسالتهم ، والإضرار بها ، وهي التي كانت تشكل عقبة كبيرة في طريقنا . إن نفوذ رجال الدين على الناس يتضاءل يوماً بعد يوم . اليوم تسود الحرية الدينية في كل مكان ، ولن يطول الوقت لسنين قليلة حتى تنهار المسيحية انهياراً تاماً ، سيبقى علينا بعد ذلك السهل اليسير للقضاء على الديانات الأخرى " .
• : نماذج من " انحرافات " التفسير الحديثة :
يُتْبع ...