رد: تسلية المصاب عند فقد الأقربين والأصحاب
المصيبة العظمى
المصائب ألوان بعضها أعظم من بعض، فبعضها تمر على المرء وفيها نوع من السهولة، وبعضها يحار العقل ويتمنَّع في قبولها وخصوصًا إذا كانت تتعلق بملاك الحياة وزمام الأمر، وبأهم شيء في حياة المسلم وهي المصيبة في الدِّين.
وإذا كانت المصائب لا بد واقعة لأن الله عز وجل قد كتبها على خلقه، فينبغي التأهب لها والاستعداد لتقبلها بنفس راضية بقضاء الله، طامعة بثوابه وذلك بتوطين النفس على قبولها، وإنَّ من أعظم التأهب لها تذكر مصاب الصحابة رضوان الله عليهم بوفاة سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فوالله الذي لا إله غيره إنها أعظم المصائب أن يفقد المسلمون خليلهم ونبيهم الذي ما عرفوا النور والحق إلا بعد مبعثه، وكل فضل من وقته إلى أن تقوم الساعة فهو بسببه عليه الصلاة والسلام.
إن الخلائق يوم مبعث أحمد
نظر الإله لها فبدل حالها
فبعد أن كانوا في جاهلية جهلاء يعبدون الأصنام والأوثان ويئدون البنات بغير ذنب ويستحلون الحرمات ويتناحرون فيما بينهم لأتفه الأسباب، بعث الله إليهم هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فتبدلت أحوالهم، وزكت نفوسهم، واستنارت بصائرهم واجتمعوا بعد الفرقة، وغنوا بعد العيلة وتحابوا بعد التباغض، وبين عشية وضحاها ينزل بالرسول صلى الله عليه وسلم الموت ويستجيب لنداء ربه، فيختار لقاء ربه.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته فقلت يا رسول الله إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال أجل إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم، قلت: إن لك أجرين. قال: نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذىً من مرض فما سواه إلا حط الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها»([1]).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم»([2])، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: «إن عبدًا خيرًه الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المُخَيَّر وكان أبو بكر هو أعلمنا به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أَمَنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذًا خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر»([3]).
وعن أنس رضي الله عنه قال: «لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة واكرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلمَّا مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دُفِن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب»([4]).
ورواه ابن ماجه مختصرًا من حديث حماد بن زيد، وعنده قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه([5]).
وعن أنس رضي الله عنه قال: لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء قال: وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا ([6]).
وقال محمد بن إسحاق قالت عائشة فيما بلغني عنها: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبي بكر رضي الله عنه»([7]).
وما أجسن هذا التصوير لحال الصحابة y وهُمْ مَنْ هُمْ في الإيمان والمتابعة والصلابة في الحق، فإذا استشعر المصاب حال الأصحاب y وتذكر هذه المصيبة العظيمة – فقد النبي صلى الله عليه وسلم - فلا ريب أن مصيبته ستهون عليه، ويسلو عنها بتذكر المصاب الجلل الذي لا يلحقه مصاب مثله.
وجاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لِيُعزَّ المسلمين في مصائبهم المصيبة بي»([8]).
إذا نزلت بساحتك الرزايا
فلا تجزع لها جزع الصبي
فإن لكل نازلة عزاء
بما قد كان من فقد النبي
فكل مصيبة تهون، وكل نازلة تسهل إذا قارنتها بهذا المصاب الكبير وهو فقد سيد الأولين والآخرين وأكرم الخلق على الله صلى الله عليه وسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابًا بينه وبين الناس – أو كشف سترًا – فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم رجاء أن يخلفه فيهم بالذي رآهم فقال: «يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزَ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي»([9]).
* وقال أبو العتاهية مسليًا لبعض إخوانه في ولد له اسمه محمد:
اصبر لكل مصيبة وتجلد
واعلم بأن المرء غير مخلد
أو ما ترى أن المصائب جمة
وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة
هذا سبيل لسست فيه بأوحد
فإذا ذكرت محمدًا ومصابه
فاذكر مصابك بالنبي محمد([10])
وقد رُثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصائد كثيرة وكلها معبرة عن بالغ الحزن والأسى على فقد هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وكان ممن رثاه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه بقوله:
أرقت فبات ليلي لا يزول
وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما
أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلَّت
عشية قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها
تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا
يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه
نفوس الناس أو كادت تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا
بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا تخشى ضلالا
علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذر
وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر
وفيه سيد الناس الرسول
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
بطيبة رسم للرسول ومعهد
منير وقد تعفو الرسوم وتهمد ([11])
ولا تمتحي ([12]) الآيات من دار حرمة
بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آيات وباقي معالم
وربع([13]) له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها
من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها
أتاها البلى فالآي منها تجدد ([14])
عرفت بها رسم الرسول وعهده
وقبرا به واراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت
عيون ومثلاها من الجفن تسعد
تذكَرن آلاء الرسول ولا أرى
لها محصيًا نفسي فنفسي تبلد ([15])
مفجعة قد شفها ([16]) فقد أحمد
فظلّت لآلاء الرسول تعدِّد
وما بلغت من كل أمر عشيره
ولكن لنفسي بعد ما قد توجَد ([17])
أطالت وقوفًا تذرف العين جهدها
على طلل ([18]) القبر الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت
بلاد ثوى فيها الرشيد المسدَّد
وبورك لحد منك ضمن طيبًا
عليه بناء من صفيح منضد
تهيل عليه الترب أيد وأعين
عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلمًا وعلما ورحمة
عشية علَّوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم
وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكَّون من تبكي السماوات يومه
ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد ([19])
وهل عدلت يومًا رزية هالك
رزية يوم مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحي عنهم
وقد كان ذا نور يغور وينجد ([20])
يدل على الرحمن من يقتدي به
وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدًا
معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
عفو عن الزلات يقبل عذرهم
وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله
فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبيناهم في نعمة الله بينهم
دليل به نهج الطريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى
حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثني جناحه
إلى كنف يحنو عليهم ويمهد ([21])
فبينا هم في ذلك النور إذ غدا
إلى نورهم سهم من الموت مقصد ([22])
فأصبح محمودًا إلى الله راجعًا
يبكِّيه حق المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحُرْمِ وحشًا بقاعها
لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارًا سوى معمورة اللحد ضافها
فقيد يبكيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده
خلاء له فيه مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت
ديار وعرصات ([23]) وربع ومولد
فبكِّي رسول الله يا عين عبرة
ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعمة التي
على الناس منها سابغ يتغمد ([24])
فجودي عليه بالدموع وأعولي
لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد
ولا مثله حتى القيامة يفقد
أعف وأوفى ذمة بعد ذمة
وأقرب منه نائلاً لا ينكد
وأبذل منه للطريق وتالد
إذا ضن معطاء بما كان يتلد ([25])
وأكرم صيتًا في البيوت إذا انتمى
وأكرم جداَ أبطحيا ([26]) يسود
وأمنع ذروات وأثبت في العلا
دعائم عز شاهقات تشيد ([27])
وأثبت فرعًا في الفروع ومنبتًا
وعوداَ غذاه المزن فالعود أغيد ([28])
رباه وليدًا فاستتم تمامه
على أكرم الخيرات ربٌّ ممجد
تناهت وصاة المسلمين بكفه
فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند ([29])
أقول ولا يلفى لما قلت عائب
من الناس إلا عازب العقل مبعد
وليس هواي نازعًا عن ثنائه
لعلي به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره
وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref1(
[1]) رواه البخاري – كتاب المرضى ح (5648)، ومسلم – كتاب البر والصلة والآداب ح(2569).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref2(
[2]) رواه البخاري كتاب المغازي ح(4446).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref3(
[3]) رواه البخاري مع الفتح 7 (39040) ومسلم (2382).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref4(
[4]) رواه البخاري – كتاب المغازي ح(4462).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref5(
[5]) رواه ابن ماجه – كتاب المغازي ح(1630).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref6(
[6]) رواه أحمد (3/221-268) وقال الحافظ بن كثير: إسناده على شرط الشيخين، البداية والنهاية (5/239) وقال محقق المسند: إسناده قوي على شرط مسلم (1/330) ط وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref7(
[7]) السيرة النبوية (4/665) ط مؤسسة علوم القرآن البداية والنهاية (5/244).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref8(
[8]) رواه مالك في الموطأ – كتاب الجنائز (12/236) وصححه الألباني في صحيح الجامع (5459).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref9(
[9]) رواه ابن ماجه (1/485) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1106) بشواهده ومجموع طرقه، قال: وبالجملة فالحديث بهذه الشواهد صحيح.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref10(
[10]) غذاء الألباب- للسفاريني (2/355).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref11(
[11]) انظر البداية والنهاية (8/175/176).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref12(
[12]) تمتحي: تمحَى، أي يذهب أثرها. انظر اللسان (م ح و).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref13(
[13]) الربع: الدار. وما حوله والمنزل. والحي: انظر الوسيط (ر ب ع).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref14(
[14]) تطمس تغير. وآيها: علاماتها. انظر شرح غريب السيرة 3/181. وتجدد: تتجدد.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref15(
[15]) تبلد: تتحير.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref16(
[16]) شفها: أضعفها وبالغ فيها.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref17(
[17]) العشير: العشر. وتوجد: من الوجد، وهو الحزن.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref18(
[18]) الطلل: ما شخص من الآثار.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref19(
[19]) أكمد: أحزن. من الكمد، وهو الحزن.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref20(
[20]) يغور: يبلغ الغور، وهو المنخفض من الأرض. وينجد: يبلغ النجد، وهو المرتفع من الأرض.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref21(
[21]) الكنف: الناحية. ويمهد: يقال: مهدت لنفسي ومهَدت: أي جعلت لها مكانًا وطيئًا سهلاً.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref22(
[22]) مقصد: مصيب. شرح غريب السيرة 3/182.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref23(
[23]) العرصات: جمع عرصة وهي ساحة الدار. والبقعة الواسعة بين الدور لا بناء فيها. انظر الوسيط (ع ر ص).
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref24(
[24]) سابغ: كثير تام. ويتغمد: يستر.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref25(
[25]) يتلد: يكتسب قديمًا.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref26(
[26]) أبطحيا: منسوب إلى الأبطح بمكة، وهو موضع سهل متسع.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref27(
[27]) الذروات: الأعالى. وشاهقات: مرتفعات بعيدات.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref28(
[28]) المزن: السحاب. أغيد: ناعم متثن.
http://www.djelfa.info/vb/newreply.php?do=postreply&t=1796274#_ftnref29(
[29]) يفند: يعاب.