مقالة: هل إعطاء الحقوق أولى وأسبق من أداء الواجب ؟ جدلية

tina06

:: عضو منتسِب ::
إنضم
11 مارس 2016
المشاركات
26
نقاط التفاعل
63
النقاط
3
طرح المشكلة: يعتبر العدل من أهم الفضائل و القيم الأخلاقية التي اهتم بها الفلاسفة و رجال القانون و الدين و هو يعني لغويا الاستقامة و المساواة و نقيضه الظلم و الجور و قد عرفه الجرجاني بقوله : « العدل هو الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط و التفريط » أي العدل فضيلة بين رذيلتين أما تطبيقه على أرض الواقع فقد ارتبط دائما بالواجبات و الحقوق التي يحددها القانون فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض وإتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس"، ولفظ الحق في الحديث ورد بمعنى الواجب، وذلك لما بين الحق والواجب من ترابط. وقد اعتقد بعض الفلاسفة بسبب هذا الترابط أن أداء الواجبات هو شرط لنيل الحقوق، وبالتالي يكون الواجب أسبق من الحق وأولى منه. وتحديد هذه الأطروحة يتعارض مع الأطروحة التي يقترحها الموضوع للمناقشة والتي تقول: "قبل أن نطالب الناس بواجباتهم علينا أن نمكنهم قبل كل شيء من حقوقهم"، مما يلزم عنه أن الحق أولى من الواجب وأسبق منه، وهذه المشكلة تدفعنا إلى التساؤل التالي: هل إعطاء الحقوق أولى وأسبق من أداء الواجب، أم العكس؟
محاولة حل المشكلة:
عرض الأطروحة:يرى فلاسفة القانون الطبيعي أن العدالة الحقيقية تقتضي أن الحق أسبق من الواجب وهو الذي يؤسسه، فقبل أن نطالب الناس بواجباتهم علينا أن نمكنهم قبل كل شيء من حقوقهم فلاحق معطى طبيعي ملازم للوجود الإنساني وهو سابق للقوانين المدنية التي تعبر عن الواجبات وأهم هؤلاء نجد الفيلسوف اليوناني سقراط الذي عرف العدل بقوله : « العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه » و أيضا الفيلسوف الانجليزي جون لوك والألماني فولف (1679-1754) Wolff.
الحجة: وما يؤكد ذلك أن فلاسفة القانون الطبيعي على اختلافهم، يقرون بأن العدالة تقتضي أن تتقدم فيها الحقوق على الواجبات، فتاريخ حقوق الانسان مرتبط بالقانون الطبيعي الذي يجعل من الحقوق مقدمة للواجبات، كون الحق معطى طبيعي، يقول الفيلسوف الألماني وولف (1679-1754) في كتابه القانون الطبيعي): "كلما تكلمنا عن القانون الطبيعي لا نبغي مطلقا قانونا طبيعيا، بل بالأحرى الحق الذي يتمتع به الانسان بفضل ذلك القانون". أما ظهور الواجب فقد ارتبط بضرورة الحياة الجماعية داخل الدولة. فسلطة الدولة حسب فلاسفة القانون الطبيعي مقيدة بقواعد هذا الأخير، الأمر الذي يبرر أسبقية الحق على الواجب.
* أما الفيلسوف الانجليزي جون لوك (1632-1704) فيرى أنه لما كانت الحقوق الطبيعية ترتبط ارتباطا وثيقا بالقوانين الطبيعية، وكانت الواجبات ناتجة عن القوانين الوضعية، أمكن القول أن الحق سابق للواجب من منطلق أن القوانين الطبيعية سابقة للقوانين الوضعية. كون المجتمع الطبيعي سبق المجتمع السياسي، فإن الحقوق الطبيعية بمثابة حاجات بيولوجية يتوقف عليها الوجود الإنساني، كالحق في الحرية والحق في الحياة والحق في الملكية، ذلك أن جميع الواجبات ستسقط إذا ضاع حق الفرد في الحياة. يقول جون لوك: "لما كانت الحقوق الطبيعية حقوقا ملازمة للكينونة الإنسانية، فهي بحكم طبيعتها هذه سابقة لكل واجب".
**كما يعتبر الحق سابقا عن الواجب من منطلق أن الحقوق الطبيعية ملازمة للطبيعة البشرية و سابقة عن وجود الدولة و المجتمع فانضمام الفرد للجماعة و إنشاء العقد الاجتماعي لم يكن إلا لضمان الحقوق فالحق الطبيعي ليس له حدود، سوى حدود ذلك الشخص الذي يمارس ذلك الحق، لكن استمرار هذا الوضع و تشبت كل فرد بحقه الطبيعي سيؤدي إلى تعارض الحقوق والنهاية ستكون مأساوية، لهذا يرى سبينوزا أن العقل هو الذي يميزنا عن باقي الكائنات، هكذا فإن التعاقد السليم هو ذلك الذي ينبني على العقل والغاية من التعاقد هو الخروج من حالة العنف والقوة إلى حالة السلم والأمن والتعاقد بصفة عامة تحتم على الذات التخلي عن كبريائها وليحل ما هو أخلاقي محل ما هو غريزي،فحالة المجتمع أو حالة التمدن كما يسميها جون جاك روسو (1712-1778) تجعل الإنسان يضمن ما هو أعظم، وهي الحرية الأخلاقية وأعراف الجماعة وبالتالي يكون الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المدينة وهو انتقال من حق القوة إلى قوة الحق، أي من الاحتكام إلى القوة الطبيعية الفيزيائية إلى القوة القانونية التشريعية والأخلاقية، والقوة المشروعة في نظر روسو هي قوة الحق، لأن حالة التمدن التي يتحدث عنها تضمن للإنسان نفس الحقوق والواجبات، ومعها تنتهي الحقوق الإنسانية فيتم إقرار العدالة عن طريق عقد القوانين والاتفاقات
**و ما يؤكد ذلك الثورات العربية الحالية التي قامت للمطالبة بالحقوق الطبيعية و أهمها الحرية و أيضا المنظمات الدولية لحقوق الإنسان التي تعتبر الحق قضية مقدسة لا يجب المساس بها و يظهر ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10-12-1948حيث تقول المادة 18: « لكل شخص الحق في حرية التفكير و الدين ...يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة و الحقوق و عليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء بدون أي تمييز »
وقد جاء أيضا في المادة الثالثة من إعلان حقوق الانسان والمواطن الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789م والذي تأثر بفلاسفة القانون الطبيعي، "إن هدف كل جماعة سياسية هو المحافظة على حقوق الانسان الطبيعية التي لا يمكن أن تسقط عنه، هذه الحقوق هي الحرية والملكية والأمن، ومقاومة الاضطهاد".
**الواقع يثبت أن سبب الظلم و غياب العدل في كثير من الأحيان هو عدم المطالبة بالحق و على هذا الأساس فالساكت عن الحق شيطان اخرس و كذلك المتغافل عن حقه كمن لا حق لهمثال ذلك مطالبة العمال الذين تأخرت أجورهم بدفعها لأنها حق لهم و مطالبة سكان منطقة معينة بالسكن الاجتماعي أو مطالبة شباب منطقة ما بتوفير مناصب عمل لهم لأنه حقهم على الدولة إذ يقول فوولف : « كلما تكلمنا عن القانون الطبيعي لا نبغي مطلقا قانونا طبيعيا بل بالأحرى الحق الذي يتمتع به الإنسان بفضل ذلك القانون » و يقول جون لوك في نفس المعنى : « لما كانت السنة الطبيعية تهدف الى بقاء النوع البشري فكل تشريع بشري يتنافى معها باطل لاغ »
النقد:صحيح أنه من الناحية المنطقية لا بد للفرد من التمتع بحقوقه الضرورية حتى يستطيع أداء واجباته لكن أنصار هذا الاتجاه اهتموا بالحقوق و قدسوها و أهملوا الواجبات إن فلاسفة القانون الطبيعي وحتى المنظمات الدولية لحقوق الإنسان أقروا الحقوق وقدسوها من جهة، وفي المقابل تجاهلوا الواجبات من جهة أخرى و ذلك يؤدي إلى الإخلال بتوازن الحياة الاجتماعية بالتالي غياب العدالة لان طغيان الحقوق على الواجبات في مجتمع ما يؤدي إلى احتدام الصراع و تضارب المصالح فينعكس ذلك سلبا على وظائف الدولة السياسية و الاقتصادية. إن أهواء الناس و ميولاتهم المتناقضة والمتضاربة من شأنها أن تؤدي بالمجتمع الإنساني إلى العودة إلى حالة الفوضى التي كانت سائدة في حالة الطبيعة، إن الحق يقتضي حسب هوبز وضع حد لحالة كانت سائدة في حالة « حرب الكل ضد الكل »كما أن إقرار هؤلاء الفلاسفة حقوقا مقدسة للفرد أهمها أحقيته في الملكية؛ يجعلهم يدافعون بقصد أو بغير قصد عن حقوق الأقوياء بدل حقوق الضعفاء، على اعتبار أن الملكية غير متيسرة للجميع؛ بقدر ما تكون حكرا على الطبقة الحاكمة و الغنية، لأن طغيان الحقوق على الواجبات في مجتمع ما يؤدي إلى تناقضات واضطرابات وثورات.
عرض نقيض الأطروحة: وخلافا لما سبق، يرى بعض الفلاسفة وعلى رأسهم الألماني كانط (1724 - 1804)، والوضعيون وعلى رأسهم الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي أوغست كونت (1798-1857)، أن للواجب أسبقية منطقية وأفضلية أخلاقية على الحق، وأنه من الضروري أن يبدأ الناس بأداء واجباتهم كي يحق لهم المطالبة بحقوقهم، فالواجب مقتضى عقلي و ضرورة واقعية تتجاوز منطق الذاتية و المصالح الضيقة
الحجة: إن الفلسفة العقلية بزعامة كانط تضع الواجبات في المقام الأول ولا تعير اهتماما للحقوق، لأن فكرة الواجب لذاته (بالمعنى الذي يحدده كانط)، يبرر أسبقية الواجبات على الحقوق، فالواجب أمر مطلق منزه عن كل غرض مادي بل هو غاية و ليس وسيلة لنيل مصلحة فالواجب يستند على سلطة الضمير و أحكام العقل الثابتة بالتالي تكون العدالة منزهة عن كل غرض ذاتي حيث يقول : « الواجب هو ضرورة القيام بفعل ما احتراما للقانون » فعندما أعين ضعيفا أو أساعد عاجزا على اجتياز الطريق؛ أرى أن ذلك من واجبي لكنني لا أشعر أن ذلك حق له علي، كما أنني لا أنتظر مقابلا من هذا العمل، مما يعني أنه واجب منزه عن كل حق ومصلحة شخصية.
**أما بالنسبة إلى أوغست كونت وتماشيا مع نزعته الوضعية التي تتنكر لكل ميتافيزيقا، فيرى أنه لو أدى كل فرد واجبه لنال الجميع حقوقهم، لأن حق الفرد هو نتيجة لواجبات الآخرين نحوه، لان قيام الجميع بواجباتهم يؤدي الى رضاهم و تلبية حقوقهم حيث يقول : « ينبغي أن نحذف مصطلح الحق من القاموس و نبقي على الواجب » وهذا يعني أن تحديد الواجب سابق لإقرار الحق مثال ذلك أن أداء الأستاذ لواجبه التعليمي و أداء التلميذ لواجبه الدراسي و الأخلاقي يجعلهما يحققان توازنا و عدلا في الوسط التربوي .إذ ليس للفرد له أي حق بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، لأن مجرد مطالبة الفرد بحق؛ فكرة منافية للأخلاق، لأنها تفترض مبدأ الفردية المطلق، والأخلاق في حقيقتها ذات طابع اجتماعي. يقول أوغست كونت: "إن مراعاة الواجب ترتبط بروح المجموع". فالأخلاق الوضعية حسي كونت تقوم على " تقديم الاجتماعي على الفردي" أي على انتصار الإنسانية ودمج الفرد في المجتمع. فلا شيء أكثر غرابة على فكر كونت من الحقوق الفردية، و يقول بهذا الصدد "إن الوضعية لا تقر حقا آخر غير حق القيام بالواجب ولا تقر واجبا غير واجبات الكل تجاه الكل، لأنها تنطلق دائما من وجهة نظر اجتماعية ولا يمكن لها أن تقبل بمفهوم الحق الفردي. فكل حق فردي هو عبثي بقدر ما هو غير أخلاقي"
**كما يقترن مفهوم الواجب بالتضحية و الإيثار أي تفضيل الغير على النفس و هي قيم أخلاقية سامية و فاضلة فالواجب يفرضه الضمير و ليس المصلحة و الحق على عكس ذلك يرتبط بمبدأ الذاتية و الأنانية و حب النفس و تفضيلها علة الغير فالعدالة ذات طابع موضوعي بعيد عن ميول الأفراد و رغباتهم لهذا يعتبر مفهوم الواجب أوسع من مفهوم الحق من الناحية الأخلاقية فالقرض مثلا واجب إنساني و أخلاقي و لكن ليس من حق المقترض إجبار و إلزام المقرض على ذلك ونفس الأمر ينطبق مع صفة الكرم فالواجب هو فقط من يفرضها فقد ضحى حاتم الطائي بفرسه حتى يطعم امرأة و أفالها اشتكت له من الجوع رغم أنع كاد اشد منها جوعا هو و زوجته و أطفاله و لم يكن يملك شيئا غير فرسه التي لم يكن يجود بها أبدا لعزتها على نفسه لكن الواجب الأخلاقي جعله يضحي بها و لم يذق من لحمها شيئا.
النقد: صحيح أن أداء الواجب أمر ضروري للحصول على بعض الحقوق لكن الطرح الذي قدمته كل من الفلسفة الكانطية والفلسفة الوضعية يهدم العدالة من أساسها، كونه يبترها من مقوم أساسي تقوم عليه؛ ألا وهو الحق، فكيف يمكن واقعيا تقبل عدالة تغيب فيها حقوق الناس؟ كما أن تاريخ التشريعات الوضعية التي يدافع عنها كونت تبطل ما ذهب إليه، فلا يوجد قانون وضعي يفرض الواجبات على الأفراد دون أن يقر لهم حقوقا، بالتالي تصير العدالة ناقصة تسيء الى الحياة الاجتماعية و توازنها وهذا ما يؤدي الى حصول التذمر و قد تحدث ثورات و اضطرابات من أجل الحصول على الحقوق فالواجب قد يصير ذريعة لتبرير الظلم و الاستغلال و ما حدث في الجزائر في ثورة الزيت و السكر لخير مثال
التركيب: مما تقد يمكننا القول أن هناك تكاملا بين الحقوق و الواجبات فإذا كان لفرد ما حق، فعلى الآخر واجب إشباع هذا الحق، فحق الفرد في استخدام ملكيته يتضمن واجب جيرانه في عدم التعدي على تلك الملكية، وإذا كان للفرد حق، فمن واجبه استخدام هذا الحق في الصالح العام لمجتمعه بما يكفل للفرد كرامته وللمجتمع انسجامه. إن هذا التناسب بين الحقوق والواجبات هو الذي يحقق العدل، لأن أي طغيان لطرف على حساب آخر؛ ينتج الظلم والجور والاستغلال، وهذا التكافؤ بين الحقوق والواجبات هو العدل بعينه، وما العدل في حقيقته إلا تعادل وفي تعادل لا سبق لأحد الطرفين ولا قيمة لهذا السبق، ومن ثم الحق يكمله الواجب ليحدث ذلك التوازن و التعادل.
الرأي الشخصي: مساهمة مني في حل المشكلة أرى أن تقديم الحقوق الأساسية كحق الحياة و الحرية و الأمن أولى من الواجبات لان الاعتداء على حق الحياة مثلا في معظم التشريعات السماوية يستوجب أشد العقوبات فالإسلام يحرم قتل النفس في قوله تعالى: « و لا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق » و يجازي الله القاتل المتعمد بدون عذر الدفاع عن نفسه أو عرضه أو دينه بأشد العقوبات في قوله تعالى : « و من قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها »
حل المشكلة: ومن هذا التحليل يمكن القول أن مشكلة أولوية الحق أو الواجب ليست مشكلة حقيقية ولا واقعية، لأن العدالة لا تتحقق إلا بهما ومن خلالهما دون رجحان أحدهما على الآخر. ولأن الحق هو عينه واجب والواجب هو الوجه الآخر للحق فإن حق الحياة – الذي هو حق طبيعي – هو في الوقت ذاته واجب الحفاظ على هذه الحياة في شخصك و في شخص الآخرين، وهذه الوحدة بين الحق والواجب وحدها تساعدنا على فهم حكم المنتحر في الإسلام، ولماذا شدد عليه الشرع واعتبر المنتحر في النار. لكن يمكننا القول من الناحية المنطقية أن العدالة تتمثل في ترتيب الحقوق الطبيعية الأساسية و تقديمها على الواجب و من الناحية العملية الواقعية على الفرد أن يقوم بواجباته مقابل حقوق ينالها بدل الاكتفاء بطلب الحق و إهمال الواجب يقول جون ديوي و هو فيلسوف أمريكي براغماتي : « تعد مشكلة الحقوق و الواجبات و القانون و هي مشكلة طال فيها الجدل و كثر النقاش تعبيرا اخر عن الصراع بين الفرد و الجماعة »







السؤال :هل تعتقد أن تحقيق العدالة يقتضي تقديم الحقوق ثم المطالبة بالواجبات؟

إن الإنسان اجتماعي بطبعه فهو ينزع نحو حياة الجماعة والتواصل مع الآخرين من الناس وهذا التواصل كي يكون إيجابيا وفعالا لبدله من قوانين وقيم تضبطه وتنظمه بحيث تحدد ما على الفرد أن يلتزم به من سلوكيات تمثل واجباته بمقابل ما يحق له أن يطالب به من امتيازات تشكل جملة حقوقه ومن هنا تتبدى ثنائية الحق والواجب كعماد للقانون الاجتماعي وقد شكل تنظيم العلاقة بين الحق والواجب وقضية أسبقيتهما في الوجود جدل وتناقض بين الفلاسفة حيث رأى البعض أنه يجب تقديم الحقوق قبل المطالبة بالواجبات بينما رأى البعض الآخر أنه لابد من أداء الواجبات ثم المطالبة بالحقوق وأمام هذا التناقض نتساءل هل تجسيد العدالة مبني على تقديم الحق على الواجب أم على أسبقية الواجب على الحق
يرى فلاسفة القانون الطبيعي أن العدالة تقتضي أن يتقدم الحق على الواجب ذلك أن الحق الطبيعي كالحياة والحرية سابقا ة عن القوانين الوضعية المشرعة للواجبات.
فالحق الطبيعي يمثل مجموع الحقوق اللازمة عن الإنسان فهي تتعلق به بمجرد ولادته ووجوده في الحياة كالحق في الحياة والحق في المعتقد وحرية التفكير فهي مرتبطة بالإنسان في مجتمعه الطبيعي بينما القوانين الوضعية التي تفرض على الفرد واجبات متعلقة بنشأة الدولة والمجتمع السياسي وعليه ولما كان الفرد سابق في الوجود عن الدولة وكانت الحقوق الطبيعية أسبق من القوانين الوضعية المقررة للواجبات لزم أن يكون الحق أسبق من الواجب وهو ما يعني أن الإنسان يكسب أولا حقوقه كمعطيات طبيعية وكرأس مال أولي ثم يلتزم بعدها بأداء واجباته وهو ما أكده وولف لما قال في كتابه "القانون الطبيعي ""كلما تكلمنا عن القانون الطبيعي لا يعني مطلقا قانونا طبيعيا بل بالأحرى الحق الذي يتمتع به الإنسان بفضل ذلك القانون" ويعتبر موقف فلاسفة القانون الطبيعي المنطلق الذي تأسست عليه المنظمات الدولية لحقوق الإنسان التي تولي اهتمام كبيرا للحقوق على حساب الواجبات وهو ما تتضمنه المادة الثالثة من إعلان حقوق المواطن الصادر عن الثورة الفرنسية التي تقول"هدف كل جماعة سياسية هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية التي لا يمكن أن تسقط عنه " وهو ما تبناه أيضا أول إعلان أمريكي للحقوق حيث جاء فيه "جميع الناس قد خلقوا أحرار متساوين ومستقلين ولهم حقوق موروثة لا يجوز لهم عند دخولهم المجتمع أن يتفقوا على حرمان خلفاءهم منها " وعليه فبما أن تلك الحقوق موروثة وفطرية فلا شك أنها سابقة عن الواجبات لأنها مكتسبة من القانون الوضعي كما أن الدولة حسب فلاسفة القانون الطبيعي عليها قبل أن تحاسب الأفراد على التزاماتهم وواجباتهم أن تحاسب نفسها عما قدمته لهم من حقوق فمن غير المعقول أن يحرم الإنسان من أدنى حقوقه ثم يأتي من كان سببا في حرمانه منها ليطلب منه أداء وجباته ومنه فالواجب يكسب مشروعيته فقط عندما يكون مسبوقا بالحق.
لكن التأسيس للعدالة بإقرار الحقوق أولا والتغافل عن الواجبات وتأخيرها يؤدي بالضرورة إلى الإخلال بتوازن المجتمع وتفكك علاقاته لأن ذلك يفتح المجال أمام الأنانية ذلك أن الحق يطلب للنفس بينما الواجب يؤدى للغير وهم مما يدعم التماسك الاجتماعي بالإضافة إلى هذا فإن عدم القيام بالواجب وتأخيره إلى غاية الحصول على الحق ينشأ عنه كسل وإهمال لأداء المهام اللازمة هو ما يعني من وجهة أخرى ضياع حقوق الخير لأن واجباتنا تمثل حقوق الغير ومنه فإهمالنا لواجباتنا هو إهمال لحقوق غيرنا.
وخلافا للطرح السالف ترى الفلسفة العقلية بزعامة إيمانوال كانط أن إحلال مبدأ العدالة الإجتماعية يقتض تقديم أداء الواجبات عن المطالبة بالحقوق وتوافق هذا الموقف الفلسفة الوضعية بزعامة أوغيست كونت.
حيث نجد كانط يؤسس الأخلاق على فكرة الواجب لذاته وهو ما يبرر أسبقية الواجب على الحق فالفعل الأخلاقي عند كانط هو القيام بالواجب دون إنتضار أي مقابل نفعي أو حقوق من جراء أداء الواجب حيث يقول"إن الفعل الذي يتم يقتضى لواجب إنما يستمد قيمته الخلقية لا من الهدف الذي يلزم تحقيقه بل من القاعدة التي تقرر تبعا لها" ولهذا فالواجب عنده غاية في ذاته والإرادة الخيرة ليست قيمتها في نتائجها أو فيما تحرزه من مصالح وحقوق بل في ذاتها ومن هنا يستبعد كانط تماما فكرة الحق ويبقي على فكرة الواجب فقط هذا وترى المدرسة الوضعية أن الواجب أساس بناء المجتمعات وتماسكها لأنه يتجاوز حدود خدمة المصالح الذاتية الضيقة إلى خدمة الآخرين ومن هنا يدعو أوغيست كونت إلى استبدال فكرة الحق بفكرة الواجب فكل فرد في المجتمع عليه واجبات يؤديها وليس للإنسان أي حق بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة لأن مجرد مطالبة الفرد بحق ما هو تنافي مع الأخلاق لأن الحق يفرض مبدأ الفردية المطلق بينما الأخلاق في حقيقتها ذات طابع جماعي فربان السفينة في حالة غرق سفينته إذا تعامل بدافع الواجب فإنه يبقى فيها حتى يضمن نقل جميع من فيها إلى قوارب النجاة وقد يكلفه هذا حياته لكنه إذا تعامل بمبدأ الحق ينجي نفسه أولا ويترك السفينة تغرق بمن فيها ولاشك هنا أن الحالة الأولى هي الأكثر انسجاما مع مقتضيات الفعل الأخلاقي كما أن أي حق يحصله الفرد هو نتيجة للواجبات التي يؤديها غيره ومن ثم فأي حق مسبوق ضرورة بواجب ما وهو ما يبرر أولوية الواجب على الحق كما نجد المفكر الجزائري المعاصر مالك بن نبي ينتقد مقولة "الحقوق تأخذ ولا تعطى " حيث يقول "الحق ليس هدية تعطى ولا غنيمة تغتصب بل هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب" وبهذا أعطى الأسبقية للواجب على الحق.
لكن بناء العدالة على أساس أسبقية الواجب وإلغاء فكرة الحق كما دعت إلى ذلك الفلسفة الوضعية قد يكون ذريعة لتبرير الظلم والاستغلال كما أن هذا منافي للطبيعة البشرية لأن الواجب الذي يؤديه الفرد ينتظر منه دوما مقابلا عكس ما ادعاه كانط من أن الواجب غاية في ذاته بالإضافة إلى هذا فلا يوجد في تاريخ التشريعات قانونا يبنى على فرض الواجبات على الأفراد دون أن يقر لهم حقوق ولهذا فلا يمكن واقعيا تقبل عدالة تغيب فيها حقوق الناس.
إن العدالة الحقيقية لا تبنى على الحقوق لوحدها ولا على أساس الواجبات لوحدها بل إنها تقوم على فكرة التوازن بين الحق والواجب فعدم قيام الفرد بواجبه لا يتيح له المطالبة بحقوقه ومنه فلا يسمح لمن لا يؤدي بواجباته أن يحصل على حقوقه كما أنه من جهة أخرى لا يمكن مطالبة أي كان بواجباته إذا لم تمنح له حقوقه ومن هنا يبدو الارتباط والتلازم بين فكرتي الحق والواجب.
ومما سبق من تحليل نستنتج أن ثنائية الحق والواجب وتنظيم العلاقة بينهما من أكثر القضايا الفلسفية حساسية وذلك لارتباطها المباشر بتأسيس العدالة الاجتماعية وقوانينها وتبدو فكرة الموازنة بين الحق والواجب من الخيارات الأكثر فعالية وإيجابية في سبيل إقرار مبدأ العدالة القائم على فكرة التساوي في الحقوق والواجبات.
 
رد: مقالة: هل إعطاء الحقوق أولى وأسبق من أداء الواجب ؟ جدلية

بارك الله فيك اختي ان شاء الله تفيد الطلاب

موفقة
 
رد: مقالة: هل إعطاء الحقوق أولى وأسبق من أداء الواجب ؟ جدلية

بارك الله فيك اختي
ان شاء الله يستفيد الطلاب
بالتوفيق للجميع
في امان الله
 
رد: مقالة: هل إعطاء الحقوق أولى وأسبق من أداء الواجب ؟ جدلية

ربي يوفقك اختي كنت محتاجة الأقوال والله استفدت
 
رد: مقالة: هل إعطاء الحقوق أولى وأسبق من أداء الواجب ؟ جدلية

الحمد لله أني أفدتكم
 

المواضيع المشابهة

لإعلاناتكم وإشهاراتكم عبر صفحات منتدى اللمة الجزائرية، ولمزيد من التفاصيل ... تواصلوا معنا
العودة
Top