سلسلة {قصص الأنبياء} اليوم التاسع والعشرون 29 ( شمائل الرسولﷺ ؟)

HAMZA USMA

*أستاذ*:: مرشح للإشراف ::
منتديات التعليم المتوسط
طاقم المرشحين
إنضم
8 أكتوبر 2012
المشاركات
10,389
النقاط
1,566
العمر
26
محل الإقامة
زرالدة الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر



الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا ،ونصب لنا الدلائل على صحته برهانا مبينا ، وأوضح السبيل الى معرفته وإعتقاده حقا يقينا .

واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ولا ضد ولا ند له تعالى عن إفك المبطلين وخرص الكاذبين وأشهد انا محمدا عبده ورسوله وصفوته من خلقه وخيرته من بريته وأمينه على وحيه

فان اصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الامور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
ركن نفحات رمضانية (من هدي القرآن والسنة )

سلسلة قصص الأنبياء

العدد الأخير


أكله وشربه صلى الله عليه وسلم

الطعام والشراب حاجتان أساسيّتان لا يمكن الاستغناء عنها مهما كانت الأحوال والأوضاع ، فهما سرّ الحياة ، ومن أعظم النعم التي امتنّ الله بها على عباده ، ووجّه الأنظار إليها في كثير من الآيات القرآنية ، للعظة والعبرة ، والشكر والامتنان ، قال تعالى: { فلينظر الإِنسان إلى طعامه * أنَّا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فِيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وَأبا * متاعا لكم ولأنعامكم } (عبس:24-23) .
وقد جاء الهدي النبوي فوضع لهذا المظهر الإنساني جملةً من الآداب التي ترفع من قيمة المسلم ، وتحقّق له التميّز على بقيّة الشعوب والأمم.
وأول من يُذكر في هذا الباب ، القاعدة النبويّة العظيمة التي قرّرها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بقوله: ( ما ملأ ابن آدم وعاءً شرا من بطن ، بحسب ابن آدم لقيماتٍ يقمن صلبه ، فإن كان لا بد فاعلا ، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) أخرجه أحمد و الترمذي ، فالمهم إذاً أن يجد الإنسان ما يحفظ له حياته ، لا أن يكون تناول الطعام وتنويعه هدفاً بحدّ ذاته .
وقد حرص النبي – صلى الله عليه وسلم على تطبيق ذلك ، فلم يكن يكثر من تناول الطعام ويتتبّع أنواعه ، بل كانت تمرّ عليه الأيام الطويلة دون أن يُطبخ في بيوت نسائه شيء ، ويكتفي بالخبز الذي كان أكثر أكله .
وكان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل اليدين قبل الطعام وبعده، فقد قال: – صلى الله عليه وسلم- ( من نام وفي يده ريح غمر وأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه ) رواه أبو داود ، ومعنى( الغمر ) : دسم ووسخ ، وغيرهما من الشحوم .
أما عن صفة جلوسه – صلى الله عليه وسلم – على مائدة الطعام فقدكان يجثو على ركبتيه عند الأكل ، أو يَنصِبُ رجله اليمنى ويجلس على اليسرى، فعن أنس رضي الله عنه قال: " رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – جالساً مقعياً يأكل تمراً " رواه مسلم .
وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يأكل على الأرض ولا يتّخذ مائدة ، فقد روى ابن عباس رضي الله عنه فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ، رواه الطبراني .
وكان عليه الصلاة والسلام لا يأكل متكئاً ، فقد قال – صلى الله عليه وسلم - : ( لا آكل متكئاً ) رواه البخاري ومعنى ( المتكئ ): هو المعتمد على الوِسادة تحته .
وكان لا يأكل – صلى الله عليه وسلم – منبطحاً، ومعنى ( منبطحاً ): أي مستلقياً على بطنه ووجهه ، فقد جاء النهي عن ذلك ،كما روى ذلك ابن ماجة .
وكان من هديه – صلى الله عليه وسلم – في هذا الشأن أنه يسمي الله تعالى في أول طعامه ويحمده في آخره ، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله ، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره ) رواه أبو داود ، وعند الفراغ من الطعام يقول : : ( الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه ، غير مَكْفِي – أي لا يستغني عنه الخلق - ، ولا مودّع ولا مستغنى عنه ربنا ) رواه البخاري ، ويقول : ( الحمد لله الذي كفانا وأروانا ، غير مكفيّ ولا مكفور ) رواه البخاري ، ويقول : ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ) رواه ابن ماجة ، ويقول : ( اللهم أطعمت وأسقيت ، وأغنيت وأقنيت ، وهديت وأحييت ، فلك الحمد على ما أعطيت ) رواه النسائي ، ويقول : ( الحمد لله الذي أطعم وسقى ، وسَوّغه وجعل له مخرجاً ) رواه أبو داود ، ويقول : ( الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ) رواه الترمذي ، وأحيانا يقول : ( الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ، منّ علينا فهدانا ، وأطعمنا وسقانا ، وكل بلاء حسن أبلانا ، الحمد لله الذي أطعم من الطعام ، وسقى من الشراب ، وكسا من العري ، وهدى من الضلالة ، وبصر من العمى ، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا ، الحمد لله رب العالمين ) رواه ابن حبان في صحيحه .


أخلاق الحبيب صلى الله عليه وسلم
نشأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أول أمره إلى آخر لحظة من لحظاته متحلياً بكل خلق كريم، مبتعداً عن كل وصف ذميم، فهو أعلم الناس، وأفصحهم لساناً، وأقواهم بياناً، وأكثرهم حياءً، يُضرب به المثل في الأمانة والصدق والعفاف، أدبه الله فأحسن تأديبه، فكان أرجح الناس عقلاً، وأكثرهم أدباً، وأوفرهم حلماً، وأكملهم قوة وشجاعة، وأصدقهم حديثاً، وأوسعهم رحمة وشفقة، وأكرمهم نفساً، وأعلاهم منزلة، ويكفيه شهادة ربه عز وجل له بقوله:{ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم:4).
وبالجملة فكل خلق محمود يليق بالإنسان فله - صلى الله عليه وسلم - منه القسط الأكبر، والحظ الأوفر، وكل وصف مذموم فهو أسلم الناس منه، وأبعدهم عنه، شهد له بذلك القاصي والداني، والعدو والصديق، ومن ثم كانت مكارم الأخلاق، سمة بارزة في قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفعله وسيرته .
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر ، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق )( البخاري ).
ولما سأل النجاشي ـ ملك الحبشة ـ جعفر بن أبي طالب : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من الملل؟، قال جعفر : أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات .. .
وكانت أخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهم وسائل دعوته للناس، وخاصة قريش الذين عايشوه صبيا وشابا قبل بعثته، وكانوا يسمونه "محمد الأمين"، ومن ثم أعلنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واضحة:( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ( أحمد ).
وقال أنس ـ رضي الله عنه ـ:( خدمت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعتُه لم صنعتَه، ولا لشيء تركته لِم تركته، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس خُلقا ) ( البخاري ).
ويقول عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:( لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن من خياركم أحسنكم أخلاقا ) (متفق عليه).
وكيف لا يشهد له العدو والصديق بمكارم الأخلاق، وقد هذبه القرآن وربَّاه، ولما سأل سعد بن هشام ، أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن خلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟، قالت له: ( ألست تقرأ القرآن؟، قال: بلى، قالت: فإن خلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان القرآن ) ( مسلم ).

هديه صلى الله عليه وسلم

لم يكن حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رمضان كحاله في غيره من الشهور، فقد كان يومه وشهره مليئا بالطاعات، وذلك لعلمه بما لهذا الشهر من فضل خصه الله به، فهو شهر يُنادَى فيه: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.. وفيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران..ومن ثم علينا أن نقف مع هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شهر رمضان، حتى نقتدي به ..
فالمسلم ـ بوجه عام ـ عليه أن يتعلم هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل عمل، حتى لا يقع في ما يبطله أو يُخِل به.. فصلاح أي عمل متوقف على شرطين،هما: إخلاص النية لله تعالى، وموافقة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم ـ .
ومن هذه الأعمال والعبادات، أعمال شهر رمضان، من الصيام والقيام والقراءة والاعتكاف، وغيرها من الأعمال الصالحات. وقد جاءت أحاديث كثيرة، تبين لنا هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشهر المبارك.. من ذلك :
هديه - صلى الله عليه وسلم - في الصيام
كان من هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعجيل الفطر وتأخير السحور، وأمر أمته بذلك..
عن زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ قال: ( تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية ) ( البخاري ).
قال ابن حجر في الفتح : " قال المهلب وغيره: " كانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعَدَل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة، إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة "..
وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : ( تسحروا فإن في السحور بركة ) ( البخاري ).
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعجل الفطر بعد غروب الشمس مباشرة، وكان يفطر قبل صلاة المغرب، وكان يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء.
قال ابن عبد البر : " أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة " .

تواضع
صلى الله عليه وسلم

حاز نبينا وحبيبنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأخلاق أعلاها وأكملها. حُمِّل أعظم رسالة وكُلف بتبليغها، فحملها وبلغها، وأوذي في سبيلها فما وهنت عزيمته. وأما الأخلاق فمن ذا الذي يقدر على وصف خُلقه، وقد كان خلقه القرآن، كما قال الله تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم:4)، ومهما تكلم المتكلمون، ووصف الواصفون خُلقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلن يعطوه حقه، ولن يدركوا وصفه .
والتواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب، كانت أوصافا له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، تخلَّق بها مع الكبير والصغير، والقريب والبعيد، امتثالا لأمر الله تعالى حين خاطبه بقوله سبحانه: { وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الحجر:88 )، قال أهل التفسير: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: ألِن لهم جانبك، وفي ذلك كناية عن التواضع لهم والرفق بهم .
ولقد أوصى جبريل ـ عليه السلام ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتواضع، كما جاء في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: ( جلس جبريل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنظر إلى السماء، فإذا ملَك ينزل فقال له جبريل : هذا الملَك ما نزل منذ خُلِق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك : أمَلِكا أجعلك أم عبدا رسولا؟، قال له جبريل : تواضع لربك يا محمد، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : بل عبدا رسولا ) ( أحمد ) .
فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر الناس تواضعا، وأخفضهم جناحا، وألينهم جانبا، وسيرته وحياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مليئة بالمواقف والعبر في هذا الخلق العظيم .
فأخبار تواضع الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثيرة، وسيرته العطرة مليئة بها، وما حفظ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه تكبر على أحد، أو فاخر بنفسه أو مكانته، وقد نال أعلى المنازل، وحظي عند ربه بأكبر المقامات، فهو صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والمقام المحمود، وأُسري به إلى السموات العلى حتى بلغ سدرة المنتهى، وبلغ مقاما لم يبلغه مخلوق قبله ولا بعده، وأنعم الله عليه بالمعجزات، وأيده بالآيات ... وما حكى شيئا من ذلك على وجه الفخر أو المدح لنفسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا تعالى به على الناس، بل كان التواضع صفته، وخفض الجناح سمته .. فكان إذا أخبر عن منزلته تلك يقرن إخباره بها بنفي الفخر، تواضعا لله تعالى .
عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي ـ يومئذ آدم فمن سواه ـ إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ) ( الترمذي ) .​



ابتسامات
لا يخفى على أحدٍ ما للابتسامة من تأثير بالغ ومفعول ساحرٍ على الآخرين ، فقد فطر الله الخلق على محبة صاحب الوجه المشرق ، الذي يلقى من حوله بابتسامة تذهب عن النفوس هموم الحياة ومتاعبها ، وتشيع أجواء من الطمأنينة ، وتلك من الخصال المتفق على استحسانها وامتداح صاحبها .


وقد كانت البسمة إحدى صفات نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – التي تحلّى بها ، حتى لم تعد الابتسامة تفارق محيّاه ، حتى صارت عنواناً له وعلامةً عليه ، يُدرك ذلك كل من صاحبه وخالطه ، كما قال عبد الله بن الحارث بن حزم رضي الله عنه : " ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه الترمذي ، وقال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه : " ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك " متفق عليه ، وبذلك استطاع كسب مودّة من حوله ليتقبّلوا الحق الذي جاء به .
وباستقراء كتب السنة نجد أن أكثر أحوال النبي – صلى الله عليه وسلم – هي الابتسامة ، وفي بعض الأحيان كان يزيد على ذلك فيضحك باعتدال دون إكثارٍ منه أو علوّ في الصوت ، وهذه هي سنة الأنبياء كما قال الإمام الزجّاج : " التبسّم أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام " .
ومما يؤكد ما سبق قول عائشة رضي الله عنها : " ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضاحكا حتى أرى منه لهواته - وهي اللحمة الموجودة في أعلى الحنجرة - إنما كان يتبسم " متفق عليه ، وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصفه: " وكان جُلّ – أي معظم - ضحكه التبسّم ، يفترّ عن مِثل حبّ الغمام – يعني بذلك بياض أسنانه - " ، وعلى ضوئه يمكن فهم قول جابر بن سمرة رضي الله عنه : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طويل الصمت قليل الضحك " .
يقول الإمام ابن حجر تعليقاً على ذلك : " والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يزيد في معظم أحواله عن التبسّم ، وربما زاد على ذلك فضحك ؛ والمكروه في ذلك إنما هو الإكثار من الضحك أو الإفراط ؛ لأنه يُذهب الوقار " .
وكتب السير مليئة بالمواقف التي ذُكرت فيها طلاقة وجه النبي – صلى الله عليه وسلم - ، فتراه يخاطب من حوله فيبتسم ، أو يُفتي الناس فيضحك ، أو تمرّ به الأحداث المختلفة فيُقابلها بإشراقة نفسٍ وبشاشة روح .
فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري و مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم جمعة ، فقام الناس فصاحوا وقالوا : يا رسول الله قحط المطر ، واحمرّت الشجر ، وهلكت البهائم ، فادع الله أن يسقينا ، فقال : ( اللهم اسقنا ) مرتين ، فنشأت سحابة وأمطرت ، ونزل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المنبر فصلى ، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها ، فلما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب صاحوا إليه : تهدمت البيوت ، وانقطعت السبل ، فادع الله يحبسها عنا ، فتبسّم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : ( اللهم حوالينا ولا علينا ) ، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت ، فجعلت تمطر حول المدينة ولا تمطر بالمدينة معجزةً لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وإجابةً لدعوته .
وكذلك ما رواه الإمام أحمد أن صهيب بن سنان رضي الله عنه قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين يديه تمر وخبز ، فقال له : ( ادن فكل ) ، فأخذ يأكل من التمر ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بعينك رمدا ) ، فقال : يا رسول الله ، إنما آكل من الناحية الأخرى ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم .
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : " وقع عليّ من الهمّ ما لم يقع على أحد ، فبينما أنا أسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ قد خفقت برأسي من الهمّ ، إذ أتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرك أذني وضحك في وجهي ، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا " رواه الترمذي .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره ، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدُن ، فقال للناس : ( تقدموا ) ، فتقدموا ، ثم قال لي : ( تعالي حتى أسابقك ) ، فسابقته فسبقته ، فسكت عني ، حتى إذا حملت اللحم وبدنتُ ونسيتُ خرجت معه في بعض أسفاره ، فقال للناس : ( تقدموا ) ، فتقدموا ، ثم قال : ( تعالي حتى أسابقك) ، فسابقته فسبقني ، فجعل يضحك وهو يقول : ( هذه بتلك ) رواه أحمد .
وعن أبي هريرة قال : " جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، رأيت في المنام كأن رأسي قُطع ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم – وقال : ( إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس ) " ، رواه مسلم .

دموع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
البكاء نعمة عظيمة امتنّ الله بها على عباده ، قال تعالى : { وأنه هو أضحك وأبكى } ( النجم : 43 ) ، فبه تحصل المواساة للمحزون ، والتسلية للمصاب ، والمتنفّس من هموم الحياة ومتاعبها .

ويمثّل البكاء مشهداً من مشاهد الإنسانية عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، حين كانت تمرّ به المواقف المختلفة ، فتهتزّ لأجلها مشاعره ، وتفيض منها عيناه ، ويخفق معها فؤاده الطاهر .
ودموع النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن سببها الحزن والألم فحسب ، ولكن لها دوافع أخرى كالرحمة والشفقة على الآخرين ، والشوق والمحبّة ، وفوق ذلك كلّه : الخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى .
فها هي العبرات قد سالت على خدّ النبي – صلى الله عليه وسلم - شاهدةً بتعظيمة ربّه وتوقيره لمولاه ، وهيبته من جلاله ، عندما كان يقف بين يديه يناجيه ويبكي ، ويصف أحد الصحابة ذلك المشهد فيقول : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صدره أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء – وهو الصوت الذي يصدره الوعاء عند غليانه - " رواه النسائي .
وتروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها موقفاً آخر فتقول : " قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ليلةً من الليالي فقال : ( يا عائشة ذريني أتعبد لربي ) ، فتطهّر ثم قام يصلي ، فلم يزل يبكي حتى بلّ حِجره ، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ لحيته ، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض ، وجاء بلال رضي الله عنه يؤذنه بالصلاة ، فلما رآه يبكي قال : يا رسول الله ، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال له : ( أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ ) " رواه ابن حبّان .
وسرعان ما كانت الدموع تتقاطر من عينيه إذا سمع القرآن ، روى لنا ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال : " قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اقرأ عليّ ) ، قلت : يا رسول الله ، أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ ، فقال : ( نعم ) ، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) فقال : ( حسبك الآن ) ، فالتفتّ إليه ، فإذا عيناه تذرفان " ، رواه البخاري .
كما بكى النبي – صلى الله عليه وسلم – اعتباراً بمصير الإنسان بعد موته ، فعن البراء بن عازب ضي الله عنه قال : " كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة ، فجلس على شفير القبر – أي طرفه - ، فبكى حتى بلّ الثرى ، ثم قال : ( يا إخواني لمثل هذا فأعدّوا ) رواه ابن ماجة ، وإنما كان بكاؤه عليه الصلاة والسلام بمثل هذه الشدّة لوقوفه على أهوال القبور وشدّتها ، ولذلك قال في موضعٍ آخر : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ) متفق عليه.
وبكى النبي – صلى الله عليه وسلم – رحمةً بأمّته وخوفاً عليها من عذاب الله ، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ، يوم قرأ قول الله عز وجل : { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ( المائدة : 118 ) ، ثم رفع يديه وقال : ( اللهم أمتي أمتي ) وبكى .
وفي غزوة بدر دمعت عينه - صلى الله عليه وسلم – خوفاً من أن يكون ذلك اللقاء مؤذناً بنهاية المؤمنين وهزيمتهم على يد أعدائهم ، كما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله : " ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ) رواه أحمد .
وفي ذات المعركة بكى النبي – صلى الله عليه وسلم - يوم جاءه العتاب الإلهي بسبب قبوله الفداء من الأسرى ، قال تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } ( الأنفال : 67 ) حتى أشفق عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كثرة بكائه.

خلق وفاء الرسول الله صلى الله عليه وسلم
مما تحلى به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، من الأخلاق الفاضلة ، والشمائل الطيبة ، الوفاء بالعهد، وأداء الحقوق لأصحابها ، وعدم الغدر ، امتثالاً لأمر الله في كتابه العزيز حيث قال: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا الا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله اوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} (الأنعام 152) .
وتخلق الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق الكريم ظاهر بيّن ، سواء في تعامله مع ربه جل وعلا ، أو في تعامله مع أزواجه ، أو أصحابه ، أو حتى مع أعدائه .

ففي تعامله مع ربه كان صلى الله عليه وسلم وفياً أميناً ، فقام بالطاعة والعبادة خير قيام ، وقام بتبليغ رسالة ربه بكل أمانة ووفاء ، فبيّن للناس دين الله القويم ، وهداهم إلى صراطه المستقيم ، وفق ما جاءه من الله ، وأمره به ، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (سورة النحل 44) .

وكان وفياً مع زوجاته ، فحفظ لخديجة رضي الله عنها مواقفها العظيمة ، وبذلها السخي ، وعقلها الراجح ، وتضحياتها المتعددة ، حتى إنه لم يتزوج عليها في حياتها ، وكان يذكرها بالخير بعد وفاتها ، ويصل أقرباءها ، ويحسن إلى صديقاتها ، وهذا كله وفاءاً لها رضي الله عنها .

وكان وفياً لأقاربه ، فلم ينس مواقف عمه أبي طالب من تربيته وهو في الثامنة من عمره ، ورعايته له ، فكان حريصاً على هدايته قبل موته ، ويستغفر له بعد موته حتى نهي عن ذلك .​

وكان من وفائه لأصحابه موقفه مع حاطب بن أبي بلتعة مع ما بدر منه حين أفشى سر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام في أشد المواقف خطورة ، حيث كتب إلى قريش يخبرها بمقدم رسول الله وجيشه، فعفى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفاءاً لأهل بدر ، وقال : ( إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) رواه البخاري و مسلم.​




صفة كلامه وسكوته وأحواله صلى الله عليه وسلم
اتصف صلى الله عليه وسلم بصفات لم تجتمع لأحد قبله ولا بعده ، كيف لا وهو خير الناس وأكرمهم عند الله تعالى ، فقد كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس ، وأعذبهم كلاماً وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقا حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويأسر الأرواح ، يشهد له بذلك كل من سمعه.

وكان إذا تكلم تكلم بكلام فَصْلٍ مبين، يعده العاد ليس بسريع لا يُحفظ ، ولا بكلام منقطع لا يُدركُه السامع، بل هديه فيه أكمل الهديِّ ،كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها:(ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا ، ولكن كان يتكلم بكلام بيِّن فصل يتحفظه من جلس إليه) متفق عليه .

وثبت في (( الصحيحين )) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :(بعثت بجوامع الكلام) وكان كثيراً ما يعيد الكلام ثلاثاً ليفهمه السامع ويعقله عنه ، ففي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه :( كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ، حتى يفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم ، سلم ثلاثاً).

وكان صلى الله عليه وسلم طويل الصمت لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وكان إذا تكلم افتتح كلامه واختتمه بذكر الله، وأتى بكلام فَصْلٍ ليس بالهزل ، لازيادة فيها عن بيان المراد ولاتقصير ، ولا فحش فيه ولا تقريع.

أما ضحكه صلى الله عليه وسلم فكان تبسماً، وغاية ما يكون من ضحكه أن تبدو نواجذه، فكان يَضْحَك مما يُضْحك منه، ويتعجب مما يُتعجب منه.

وكان بكاؤه صلى الله عليه وسلم من جنس ضحكه ، فلم يكن بكاءه بشهيق ولا برفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، بل كانت عيناه تدمعان حتى تهملا، ويُسمع لصدره أزيز، وكان صلى الله عليه وسلم تارة يبكى رحمة للميت كما دمعت عيناه لموت ولده، وتارة يبكي خوفاً على أمته وشفقة عليها ، وتارة تفيض عيناه من خشية الله ، فقد بكى لما قرأ عليه ابن مسعود رضي الله عنه (سورة النساء) وانتهى إلى قوله تعالى : {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء:41].​

وتارة كان يبكي اشتياقاً ومحبة وإجلالاً لعظمة خالقه سبحانه وتعالى.​



الرحمة النبوية في العلاقة الأسرية
الرحمة صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - التي لا تنفك عنه أبدًا، لا في سِلم ولا في حرب، ولا في حَضر ولا في سفر، وقد سماه ربُّه رؤوفا رحِيما، قال الله تعالى: { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }(التوبة: 128) .
قال الشنقيطيُّ عند تفسيره لهذه الآية : " ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أرسل هذا النَّبي الكريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى الخلائق إلا رحمة لهم، لأنه جاءهم بما يُسعدهم، وينالون به كل خير من خيري الدنيا والآخرة إن اتبعوه، ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى" .
وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - من نفسه أروع النماذج البشرية، فكان نِعم الزوج لزوجه، وخير الناس لأهله وأبنائه، إذ هو المثل الأعلى والأسوة الحسنة، فكان - صلى الله عليه وسلم - يعامل زوجاته وأولاده بكل سُموٍّ خُلقي، من محبة ورحمة، وعطاء ووفاء، وغير ذلك مما تقتضيه الحياة الأسرية في جميع أحوالها وأيامها، كما فاضت بذلك كتب السنة والشمائل والسِّيَر عنه - صلى الله عليه وسلم - .

مع الزوجة :

جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حسن معاملة وعشرة الزوجة معيارا من معايير خيرية الرجال، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) رواه الترمذي .
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع زوجاته يُكرِم ولا يهين، يُوجِّه وينصح، لا يعنِّف ويَجْرَح، عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: ( ما ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ) رواه مسلم .
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا قُدِّم له طعام إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وما عاب طعامًا قط، وكان يخدم نفسه، ويُعين أهله ويساعدهم في أمورهم، ويكون في حاجاتهم، كما تقول أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أَحَدُكُمْ في بيته ) .

وأمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالرفق عامة وبالنساء خاصة، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ما كان الرفق في شيء إلا زَانَه، ولا نزع من شيء إلا شانه )، وقال: ( إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه ) رواه مسلم .
وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في سفر، وكان غلام يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لهُ: أنجشة، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ، سَوْقَكَ بِالقوارير(النساء) ) رواه البخاري.












 

HAMZA USMA

*أستاذ*:: مرشح للإشراف ::
منتديات التعليم المتوسط
طاقم المرشحين
إنضم
8 أكتوبر 2012
المشاركات
10,389
النقاط
1,566
العمر
26
محل الإقامة
زرالدة الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر

وخالِقِ الناس بخُلُقٍ حَسن

الإنسان مدني بطبعه، عبارة مشهورة عن فلاسفة من بعض الحضارات القديمة، إلا أن علماء المسلمين تداولوها بالقبول، قال ابن تيمية: "إِذ كان الإِنسَانُ مَدَنِيًّا بالطَبعِ، لا تَتِمُّ مَصلَحَتُه إلا ببَنِي جِنسِه، يُعَاونونه على جلبِ المـنفعة ودفع المـضَّرة.." وقال ابن القيم: "إن الإنسانَ مَدَنِيٌّ بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس". وقال ابن العربي: "لما كان الإنسان مدنياً بالجِبِلَّة، مفتقراً إلى الصحبة بالضَرُورَة، لأنه خُلِقَ خَلقاً لا يَستَقِل بمعاشه ولا يستبد بمنافعه بل هو مُفتَقِرٌ في ذلك إلى غيره، وكان ذلك الغير إما مجتمعاً معه وإما مبايناً عنه..". وقال ابن عاشور: "والله بنى نِظَام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض، لأن الإنسان مدني بالطبع"، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}(الحجرات:13).

وإذا كان الإنسان بطبعه يؤثر الاجتماع على العزلة، ويعيش أطوار حياته بين أهله وإخوانه، وزوجته وأولاده، وأصحابه وجيرانه، ويحضر ويشارك في بعض العبادات جماعة مع غيره، فمن ثم ينبغي عليه أن يعرف ويتقن فقه التعامل مع الناس على اختلافهم، حتى يَسْلم من أن يَجْهل أو يُجهل عليه.. والأصل في المسلم معاملة الناس جميعاً بحُسن الأخلاق، وذلك لأن مكارم ومحاسن الأخلاق من أسباب بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق) وفي رواية: (صالح الأخلاق) رواه أحمد وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ رضي الله عنه: (وخالق الناس بخلق حسن) رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني، قال ابن عثيمين: "والمعنى: عاملِ الناس بالأخلاق الحسنة بالقول وبالفعل".. والأحاديث التي تحث على فضل التحلي بمكارم الأخلاق كثيرة.
ومن المعلوم أن هناك مفاتيح كثيرة لعقول وقلوب الناس، يمكن من خلالها كسبهم وتقويمهم ولو كانوا مختلفي وخشني الطباع، وهذه المفاتيح كلها في معاملتهم بحُسن الأخلاق، وهذا من أعظم ما يجلب الحب والود، وينفي ويزيل الفرقة والشقاق بين أفراد المجتمع.

معاملة الناس على حسب طبائعهم، واختلافهم، ومنزلتهم:

من الهدي والفقه النبوي: معاملة الناس على حسب طبائعهم ومكانتهم، فمن الناس من هو هين لين، ومنهم من هو فظ خشن الطبع، ومنهم العالم والجاهل، والغني والفقير، والكبير والصغير، والعاقل والمجنون، فيعامل كل حسب طبعه ومنزلته ـ مع الانضباط بضوابط الشرع ـ، وفي ذلك تقوية لآصرة الألفة والحب والمودة.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنودٌ مجندةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف) رواه مسلم، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدْر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسَّهلُ، والحزْن، والخبيث والطيِّب، وبين ذلك) رواه أبو داود وصححه الألباني. وفي عون المعبود شرح سنن أبي داود: "فجاء بنو آدم على قدر الأرض: أي مبلغها من الألوان والطباع (جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود): بحسب ترابهم، وهذه الثلاثة هي أصول الألوان وما عداها مركب منها وهو المراد بقوله (وبين ذلك): أي بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه ـ قاله القاري ـ،(والسهل): أي ومنهم السهل أي اللين المنقاد، (والحزن): بفتح الحاء وسكون الزاي أي: الغليظ الطبع، (والخبيث): أي خبيث الخصال، (والطيب): قال الطيبي: أراد بالخبيث من الأرض الخبيثة السبخة، ومن بني آدم الكافر، وبالطيب من الأرض العذبة، ومن بني آدم المؤمن".

النّاسُ كالأرضِ ومنها هُمُ مِن خَشِنِ الملْمَسِ ومن لَيِّنِ
فجنـدلُ تَدمـى بـهِ أَرجُـلٌ وإِثمدُ يُجعلُ فِي الأعْيُنِ

والجندل: حجر ، والإثمد: الكحل .

وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ}(الأعراف:199)، قال السعدي في تفسيره: "هذه الآية الكريمة جامعة لمعاني حسن الخلق مع الناس، وما ينبغي للعبد سلوكه في معاملتهم ومعاشرتهم، فأمر تعالى بأخذ {الْعَفْوَ} وهو ما سمحت به أنفسهم، وسهلت به أخلاقهم من الأعمال والأخلاق، بل يقبل ما سهل، ولا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، ولا ما لا يطيقونه، بل عليه أن يشكر من كل أحد ما قابله به من قول وعمل وخلق جميل، وما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم، وعما أتوا به وعاملوه به من النقص، ولا يتكبر على صغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف، وما تقتضيه الحال الحاضرة، وبما تنشرح له صدورهم، ويوقر الكبير، ويحنو على الصغير، ويجامل النظير".

أما معاملة الناس على قدر مكانتهم ومنزلتهم فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (أنزلوا الناس منازلهم) رواه أبو داود وضعفه الألباني، وإن كان هذا الحديث ضعيفاً، إلا أن في السنة شواهد كثيرة تدل على معناه، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا) رواه الترمذي وصححه الألباني. وقوله صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) رواه أبو داود وصححه الألباني، وليس في ذلك تعارض مع مبدأ المساواة والعدل بين الناس الذي أقامه ودعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فيه رفع المؤاخذة بالخطأ والذنب إذا صدر عمَّن لم يكن من عادته ذلك، وعُرِفَ بالاستقامة والصلاح والمكانة، إلا ما كان حداً من حدود الله تعالى وبلغ الحاكم فيجب إقامته.
يقول ابن القيم في قوله صلى الله عليه وسلم: (ذوي الهيئات): "والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصّهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده، وأديل عليه شيطانه فلا نسارع إلى تأنبيه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حداً من حدود الله فإنه يتعيّن استيفاؤه من الشريف كما يتعيّن أخذه من الوضيع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها) رواه مسلم، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة، وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد".
وقال ابن تيمية: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوما، ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهير من ذنوبهم".



بِرُّ الوالدين في مِشكاة النبوة



بِرُّ الوالدَيْنِ من آكدِ وأعظمِ حقوق العباد التي أمر الله عز وجل برعايتها، حيث جعله الله في المرتبة التي تلي حقَّه سبحانه في التوحيد، قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (الإسراء:23)، وقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، وقرن هذا الأمر بالأمر بعبادته والنهي عن الإشراك به، ليدلل على عظمته ومكانته، قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (النساء:36)، قال ابن كثير: "أمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته...ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رغم أنفه (لصق بالتراب كناية عن الذل والمهانة)، ثم رغم أنفُه، ثم رغم أنفُه، قيل: مَن يا رسول الله؟! قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدَهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة) رواه مسلم. قال القاضي عياض: "فيه فضل البر وعظيم أجره، وأن برهما يدخله الجنة، فمن فاته ذلك وقصَّر فيه فقد فاته خير كثير...لا سيما إذا أدركهما عند الكبر، وضعفا عن الكسب والتصرف، واحتاجا إلى خدمتهما والقيام عليهما".

والأحاديث والمواقف الواردة في السيرة النبوية، التي أكد النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها على عظم وأهمية وفضل بر الوالدين كثيرة، ومنها:

الوالدان أحق الناس بالبر وحسن الصحبة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صَحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) رواه مسلم. قال النووي: "الصحابة هنا بفتح الصاد بمعنى الصُحبة، وفيه الحث على بر الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب، قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه، وشفقتها وخدمتها، ومعاناة المشاق في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك".

بر الوالدين سبب تفريج الكربات:

جاء في حديث الثلاثة الذين آواهم المبيتُ إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل، فسدتْ عليهمُ الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكمْ من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجلٌ منهم: (اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنتُ لا أغبقُ (لا أقدم) قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلبُ الشجر يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبتُ لهما غبوقهما، فوجدْتُهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو ولدًا، فلبثتُ والقدحُ على يدي أنتظر استيقاظهما حتى بَرِقَ الفجرُ والصبيةُ يتضاغون (يصيحون من الجوع) عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً ..) رواه البخاري، قال الشيخ ابن عثيمين: "ففي هذا الحديث من الفوائد والعبر: فضيلة بر الوالدين، وأنه من الأعمال الصالحة التي تُفَرَّج بها الكربات، وتُزَال بها الظلمات".

بر الوالدين والجهاد في سبيل الله:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قُلْتُ: ثم أيّ؟، قال: بر الوالدين، قلت: ثم أيّ، قال: الجهاد في سبيل الله) رواه البخاري. قال ابن حجر: "ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال: أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره".

ومن البر بالوالدين ـإذا لم يتعين الجهاد على الابن- ألا يجاهد إلا بإذنهما، ولا يخرج إلى ما فيه خوف ومخاطرة بالنفس إلاّ بإذنهما، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: (أقبل رجلٌ إلى نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أُبايِعْك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال صلى الله عليه وسلم: (فهل من والدَيك أحدٌ حيٌّ؟) قال: نعم، بل كلاهما، قال: (فتبتغي الأجر من الله؟!) قال: نعم، قال: (فارجِعْ إلى والدَيك فأحسِنْ صُحبتهما) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أنَّ رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، فقال: (هل لَك أحدٌ باليمن؟) قال: أبواي، قال: (أذِنا لك؟) قال: لا، قال: (ارجع إليهما فاستأْذِنْهما، فإن أذنا لك فجاهِدْ، وإلَّا فبِرَّهُما) رواه أبو داود وصححه الألباني. قال النووي: "هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما، وأنه آكد من الجهاد وفيه حجة لما قاله العلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما"، وقال ابن حجر في "فتح الباري": "قال جمهور العلماء: يَحْرُمُ الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيّن الجهاد (كان فرض عيْن) فلا إذْن".

بر الوالدين يقرب من الجنة:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (يا نبيَّ الله! أيُّ الأعمالِ أقرب إلى الجنَّة؟ قال: الصَّلاةُ على مواقيتها، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: برُّ الوالدين، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: الجهاد في سبيل اللَّه) رواه مسلم. قال القاضي عياض: "معنى (الصلاة لوقتها) هو ما جاء فى الدار قطني من طريق صحيح: (الصلاة لأول وقتها)، فاللام هنا للتوقيت، كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (الإسراء:78)، وبر الوالدين: هو الإحسان وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما فى حياتهما، والترحم عليهما، وإيصال ما أمكن من الخير إليهما بعد موتهما، وكذلك الإحسان إلى صديقهما، لما جاء فى الصحيح: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه) رواه مسلم".

الوالد أوسط أبواب الجنة:

من أكرمه الله بحياة والده فقد فتح له باباً عظيماً إلى الجنة، وذلك ببره والإحسان إليه، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الوالدُ أوسطُ أبواب الجنة، فإن شئتَ فحافظ ْعلى الباب أو ضيِّعْ) رواه الترمذي وصححه الألباني. قال المناوي في "فيض القدير": "أي طاعته وعدم عقوقه مؤدٍّ إلى دخول الجنة من أوسط أبوابها ذكره العراقي...وقال البيضاوي: أي خير الأبواب وأعلاها، والمعنى أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة، ويُتوصل به إلى الوصول إليها مطاوعة الوالد ورعاية جانبه".

الجنة عند رِجْل الأم:

حديث (الجنة تحت أقدام الأمهات) بهذا اللفظ غير صحيح، وقد ضعفه الألباني وغيره من أهل العلم، ويُغني عنه حديث معاوية بن جاهمة أن جاهمة رضي الله عنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! أردتُ أن أغزوَ، وقد جئتُ أستشيرك، فقال: (هل لك من أمٍّ؟) قال: نعم، قال: (فالزمها، فإن الجنة عند رِجلِها) رواه النسائي وصححه الألباني. قال العجلوني: "والمعنى: أن التواضع للأمهات وإطاعتهن في خدمتهن، وعدم مخالفتهن إلا فيما حظره الشرع، سببٌ لدخول الجنة"، وقال الهروي: "أي: التزم خدمتها ومراعاة أمرها، (فإن الجنة) أي: وإن ورد: أنها تحت ظلال السيوف على ما رواه الحاكم عن أبي موسى فهي حاصلة (عند رجلها) لكونها سبباً لحصولها...ولعله صلى الله عليه وسلم عرف من حاله وحال أمه، حيث ألزمه خدمتها، ولزومها أن ذلك أولى به".

بر الوالدين من أسباب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (إني أصبْتُ ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟ قال: (هل لك من أم؟) قال: لا، قال: (هل لك من خالة؟) قال: نعم، قال: (فبِرَّها) رواه الترمذي وصححه الألباني، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الخالة بمنزلة الأم في الحديث الذي رواه البخاري: (الخالة بمنزلة الأمِّ). قال القاضي عياض: "فيه فضل البر وعظيم أجره، وأن برهما يدخله الجنة، فمن فاته ذلك وقصر فيه فقد فاته خير كثير. وظاهره أن برهما مكفر لكبير (لكثير) من السيئات وراجح بها". وقال الهروي: "والمعنى: أن صلة الرحم من جملة الحسنات التي تُذْهِب السيئات، أو تقوم مقامها من الطاعات، وهو أحد معاني قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان:70)".

بر الوالدين ولو كانا كافرين:

بر الوالدين فرض عين، ولا يُختص بكونهما مسلمين، بل حتى لو كانا فاسقين، أو كافرين يجب برهما والإحسان إليهما، ما لم يأمرا بشرك أو معصية، قال الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (لقمان:15)، قال ابن كثير: "أي: إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفاً، أي: محسِناً إليهما"، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: (قدِمَتْ عليَّ أمي وهي مشركة، فاستفتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: قدمت علي أمي، وهي راغبة، أفأصِل أمي؟) قال: (نعم، صِلِي أمك) رواه مسلم. أسماء وعائشة رضي الله عنهما كانتا أختين من جهة الأب فقط، وقد طلق أبو بكر رضي الله عنه أم أسماء قبل الإسلام، كما قال القسطلاني. قول أسماء رضي الله عنها: (وهي راغبة، أفأصل أمي؟) قال: (نعم صِلي أمك) قال القاضي عياض: قيل: معناه راغبة عن الإسلام وكارهة له، وقيل: معناه طامعة فيما أعطيتها حريصة عليه...وفيه جواز صلة القريب المشرك". وقال ابن عثيمين: "في هذا دليل على أن الإنسان يصل أقاربه، ولو كانوا على غير الإسلام؛ لأن لهم حق القرابة".

بر الوالدين بعد موتهما:

لا يقتصر البر بالوالدين حال حياتهما، ولا ينتهي بموتهما، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ترفع للميت بعد موته درجته، فيقول: أي رب! أي شيء هذه؟ فيقال: لولدك استغفرَ لك) رواه أحمد، وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد". وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أَبَرِّ البِرِّ أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي) رواه مسلم.

رضا الله في رضا الوالدين:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رضى الرَبِّ في رضى الوالد, وسخط الرب في سخط الوالد) رواه الترمذي وحسنه الألباني، وكذلك حُكم الأم، بل هو أولى, وقد روى الطبراني وحسنه الألباني بلفظ: (رِضَا الرَّبِّ في رِضَا الوالدين، وسخطُه في سَخَطِهِما).

في مشكاة النُّبوةِ المحمدية بِرّ الوالدين مفتاح السعادة في الدارين، وهو من أهم القربات وأعظم الطاعات، ولا يقتصر عل حياة الوالدين، بل يكون بعد وفاتهما، وهو حق للوالدين، وإن كانا كافرين، أو فاسقين، ويكون بالإحسان إليهما بالقول والفعل وحسن العشرة، وطاعتهما بالمستطاع فيما لا معصية فيه، ويأتي بر الوالدين في المنزلة بعد الصلاة، التي هي عمود الإسلام، ومُتقدِّماً على الجهاد ذروةِ سِنامِه (أعلاه).

 

البحر الهادي

:: مشرف ::
منتدى المرحلة المتوسطة
طاقم المشرفين
إنضم
27 ماي 2016
المشاركات
5,739
النقاط
2,211
محل الإقامة
أرض الوطن
الجنس
ذكر
بارك الله فيك
صلى الله عليه وسلم
اللهم وفقنا للإقتداء به والعمل بسنته
 
Top