حيلة مدَّعي الولاية

الطيب الجزائري84

:: عضو متألق ::
إنضم
14 جوان 2011
المشاركات
3,225
النقاط
191
العمر
35
حيلة مدَّعي الولاية
«خرج بعض حُذَّاق المكديِّين من بغداد إلى حمص ومعه امرأته، فلمَّا حصل بها قال: «إنَّ هذا بلد حماقةٍ وأريد أن أعمل حيلةً فتساعديني»، فقالت: «شأنُك»، قال: «كوني بموضعك ولا تجتازي بي ألبتَّة، فإذا كان كلُّ يومٍ فخذي لي ثلثي رطلٍ زبيبًا وثلثي رطلٍ لوزًا نيًّا، فاعجنيه واجعليه وقتَ الهاجرة على آجرَّةٍ جديدةٍ نظيفةٍ لأعرفها في الميضأة الفلانية ـ وكانت قريبةً من الجامع ـ ولا تزيديني على هذا شيئا، ولا تمرِّي بناحيتي» فقالت: «أفعل»، وجاء هو فأخرج جبَّةَ صوفٍ كانت معه فلبِسها وسراويلَ صوفٍ ومئزرًا وجعله على رأسه ولزم أسطوانةً يمرُّ الناس عليها فصلَّى نهاره أجمع وليلته أجمع لا يستريح إلَّا في الأوقات المحظور فيها الصلاةُ، فإذا جلس فيها سبَّح ولم ينطق بلفظةٍ، فتُنبِّه على مكانه ورُوعي مدَّةً ووُضِعَتِ العيونُ عليه، فإذا هو لا يقطع الصلاةَ ولا يذوق الطعامَ فتحيَّر أهلُ البلد في أمره، وكان لا يخرج من الجامع إلَّا في وقت الهاجرة في كلِّ يومٍ دفعةً إلى تلك الميضأة فيبول فيها ويعدُّ إلى الآجرَّة وقد عرفها وعليها ذاك المعجون وقد صار منحلًّا وصورتُه صورة الغائط، فمن يدخل ويخرج لا يشكُّ أنه غائطٌ فيأكله فيقيم أودَه ويرجع، فإذا كان وقتُ صلاة العتمة أو في الليل شرب من الماء قدر كفايته، وأهل حمص يظنُّون أنه لا يَطْعَم الطعامَ ولا يذوق الماءَ، فعَظُمَ شأنُه عندهم فقصدوه وكلَّموه فلم يجبهم، وأحاطوا به فلم يلتفت، واجتهدوا في خطابه فلزم الصمت، فزاد مَجِلَّةً عندهم حتى أنهم كانوا يتمسَّحون بمكانه ويأخذون الترابَ مِن موضعه ويحملون إليه المرضى والصبيان فيمسح بيده عليهم، فلمَّا رأى منزلتَه وقد بلغت إلى ذلك وكان قد مضى على هذا الصمت سنةٌ اجتمع مع امرأته في الميضأة وقال: «إذا كان يومُ الجمعة حين يصلِّي الناس فتعالَيْ فاعلقي بي والْطمي وجهي وقولي: «يا عدوَّ الله، يا فاسق، قتلتَ ابني ببغداد وهربت إلى ههنا تتعبَّد وعبادتُك مضروبٌ بها وجهُك»، ولا تفارقيني وأظهِري أنك تريدين قتلي بابنك، فإنَّ الناس سيجتمعون إليكِ وأمنعهم أنا من أذيَّتك وأعترفُ بأني قتلتُه وتبت وجئت إلى ههنا للعبادة والتوبة والندم على ما كان منِّي، فاطلبي قودي بإقراري وحملي إلى السلطان فيَعرضون عليكِ الديةَ فلا تقبليها حتى يبذلوا لك عشر دياتٍ أو ما استوى لكِ بحسب ما ترين مِن زيادتهم وحرصهم، فإذا تناهت أعطيتُهم في افتدائي إلى حدٍّ يقع لكِ أنهم لا يزيدون بعده شيئًا فاقبلي الفداءَ منهم واجمعي المالَ وخذيه واخرجي مِن يومكِ إلى بغداد ولا تقيمي بالبلد، فإني سأهرب وأتبعك»، فلمَّا كان من الغد جاءت المرأة فتعلَّقت به وفعلت به ما قال، فقام أهل البلد ليقتلوها وقالوا: «يا عدوَّة الله، هذا من الأبدال، هذا قوام العالَم، هذا قطب الوقت»، فأومأ إليهم أن اصبِروا ولا تناوَلوها بشرٍّ، فصبروا وأوجز في صلاته، ثمَّ سلَّم وتمرَّغ في الأرض طويلًا ثمَّ قال: «أيُّها الناس، هل سمعتم لي كلمةً منذ أقمتُ عندكم»، فاستبشَروا بسماع كلامه وارتفعت ضجَّةٌ عظيمةٌ وقالوا: «لا»، قال: «إني إنما أقمتُ عندكم تائبًا ممَّا ذكرَتْه، وقد كنت رجلًا فيَّ دفعٌ وخسارةٌ فقتلتُ ابنَ هذه المرأة وتبتُ وجئتُ إلى ههنا للعبادة، وكنت محدِّثًا نفسي بالرجوع لها لتقتلني خوفًا من أن تكون توبتي ما صحَّت، وما زلتُ أدعو اللهَ أن يقبل توبتي ويمكِّنها منِّي إلى أن أجيبت دعوتي باجتماعي بها وتمكينها من قودي، فدَعُوها تقتلني وأستودعكم اللهَ»، فارتفعت الضجَّة والبكاء وهو مارٌّ إلى والي البلد ليقتله بابنها، فقال الشيوخ: «يا قوم، لقد ضللتم عن مداواة هذه المحنة وحراسة بلدكم بهذا العبد الصالح، فارفقوا بالمرأة واسألوها قبولَ الدية نجمعها من أموالنا»، فطافوا بها وسألوها فقالت: «لا أفعل»، فقالوا: «خذي ديتين»، فقالت: «شعرةٌ من ابني بألف ديةٍ»، فما زالوا حتى بلغوا عشر دياتٍ فقالت: «اجمعوا المالَ فإذا رأيته وطاب قلبي بقبوله فعلتُ وإلَّا قتلتُ القاتل»، فجمعوا مائةَ ألف درهمٍ وقالوا: «خذيها»، فقالت: «لا أريد إلَّا قتل قاتل ابني، في نفسي أثرٌ»، فأقبل الناس يرمون ثيابهم وأرديتهم وخواتيمهم والنساء حليَّهن، فأخذت ذلك وأبرأته من الدم وانصرفت وأقام الرجل بعد ذلك في الجامع أيَّامًا يسيرةً حتى علم أنها قد بَعُدت، ثمَّ هرب في بعض الليالي وطُلب فلم يوجد ولا عُرف له خبرٌ حتى انكشف لهم أنه كان حيلةً بعد مدَّةٍ طويلةٍ».

[«الأذكياء» لابن الجوزي (١٠٠)]

المصدر'موقع'الشيخ'فركوس'حفظه'الله
 
Top