العفوُ والمسامحةُ منْ شيمِ الفحولِ منَ الرجالِ

الطيب الجزائري84

:: عضو بارز ::
أحباب اللمة
إنضم
14 جوان 2011
المشاركات
4,033
نقاط التفاعل
4,407
النقاط
191
العمر
39
الجنس
ذكر

العفوُ والمسامحةُ منْ شيمِ الفحولِ منَ الرجالِ



بسم الله الرحمن الرحيم

العفوُ والمسامحةُ
من شِيَمِ الفحولِ من الرّجالِ
ــــ . ــــ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد؛ الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فلاشك أن من تدبر شيئا من كلام الله تعالى في سورة يوسف، يعلم ما جرى على أيدي إخوة يوسف عليه السلام من أذية عظيمة تجاه أخيهم، ثم نجاه الله تعالى من كل كرب وقع فيه، ومكن له في الأرض، حتى أتاه إخوته وهو في مقام يمكنه من الانتقام والتنكيل بهم، لكن النفس الطيبة نفس الأنبياء والمرسلين ليست بتلك، بل اصطفاهم الله تعالى وزينهم بأجمل الأخلاق وأحسنها. ومن تلكم الأخلاق الفضيلة:

خلق العفو والمسامحة
فانظر في قول الله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)}[يوسف].
قال الإمام السعدي رحمه الله: " فـ {قَالَ} لهم يوسف عليه السلام، كرما وجودا: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} أي: لا أثرب عليكم ولا ألومكم {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} فسمح لهم سماحا تامّا، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان، الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين".
فلك أخي المسلم في نبي الله تعالى يوسف عبرة، في التعامل مع من ظلمك من ذويك أو غيرهم، وذلك خلق الشرفاء.
واعلم أن ما من خلق كريم كان فيمن سبقنا من الأمم إلا وجاء شريعتنا شريعة الإسلام السمحة بتثيبت هذه الخصال والفضائل، ولك أن تقرأ في سيرة نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه فتجد العجب في ذلك وأروع الأمثلة عن العفو والمسامحة، كيف لا وهو الذي قال الله تعالى فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم 4].
وهو الذي امتثل قول ربه تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}[الحجر 85]، بقوله وفعله صلوات الله وسلامه عليه، حاثا بقوله على هذا الخلق، وفاعلا مطبقا ليكون أسوة لغيره.

فأمّا من قوله صلى الله عليه وسلمما رواه مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
وعند أحمد في المسند: "ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا" صححه الإمام الألباني رحمه في الصحيحة (2328).
ولا شكّ أن هذا فضل عظيم يسعى المؤمن لتحصيله ونيله، يحصله بالعفو عمن ظلمه، فيزيده الله تعالى عزا.
وروى أبوداود في السنن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كان في الثالثة، قال: "اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح سنن أبي داود (5164).
والنبي صلى الله عليه وسلم الموجه لهذا السائل بالعفو عن الخادم، كان الأسوة والقدوة في ذلك، قال أنس : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا"، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: "يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟" قال قلت: نعم، أنا أذهب، يا رسول الله قال أنس: "والله لقد خدمته تسع سنين، ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا" رواه مسلم.

وأمّا من فعله صلى الله عليه وسلم، فستقرأ أروع الأمثلة في العفو والمسامحة، ومن ذلكم:
ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا".
خرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم داعيا مشفقا، فقابلوه بالأذية، ثم لما مكنه الله تعالى من الانتقام، جنح النبي صلى الله عليه وسلم إلى العفو، راجيا آملا أن يكون من القوم من يؤمن بالله تعالى، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم لينتقم لنفسه، وهو الرحمة المهداة، بل كان يهضم حقه، إلا أذا انتهكت محارم الله تعالى، كما قالت عائشة رضي الله عنها: "والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله ، فينتقم لله" رواه البخاري.
وهكذا شأن الدّاعية إلى الله تعالى، يقدم مصلحة الدّعوة على مصالحه الشّخصيّة وعلى نفسه، يهضم حقّه ولا يهدم دعوته.
وعن جابر بن عبد الله أنّه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معهم، فأدركتهم القائلة في واد كثير العِضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة فعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي، فقال: "إنّ هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله ثلاثا ولم يعاقبه وجلس" رواه البخاري ومسلم.
ولأحمد في المسند عن أبي بن كعب، قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين، لنربين عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا، ناسا سماهم، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصبر ولا نعاقب" صححه الإمام الألباني رحمه الله في الصحيحة (2376).

روى الطبراني في المعجم عن ابن عباس، قال: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة فنظر إلى ما به قال: "لولا أن تحزن النساء ما غيبته، ولتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطيور حتى يبعثه الله مما هنالك" قال: وأحزنه ما رأى به، فقال: "لئن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين رجلا منهم" فأنزل الله عز وجل في ذلك {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى قوله {يمكرون}، ثم أمر به فهيء إلى القبلة ثم كبر عليه تسعا، ثم جمع عليه الشهداء كلما أتي بشهيد وضع إلى حمزة فصلى عليه، وعلى الشهداء معه، حتى صلى عليه وعلى الشهداء اثنتين وسبعين صلاة، ثم قام على أصحابه حتى واراهم، ولما نزل القرآن عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجاوز وترك المثل" جود الإمام الألباني رحمه الله إسناده في أحكام الجنائز (115).
ولأبي داود في السنن أن جابر بن عبد الله كان يحدث أن يهودية، من أهل خيبر سمّت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع، فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا أيديكم" وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها، فقال لها "أسممت هذه الشاة" قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال "أخبرتني هذه في يدي" للذراع، قالت: نعم، قال "فما أردت إلى ذلك؟ " قالت: قلت: إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح سنن أبي داود (4511).
فهذه مواقف من سيرة نبينا الكريم، الذي جعله الله تعالى على خلق كريم، خلق العفو المسامحة، وإنّ لنا لأسوة حسنة في النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب 21].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسر هذه الآية: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} أي: هلا اقتديتم به وتأسّيتم بشمائله؟ ولهذا قال: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}".

فهلا اقتدينا وتأسينا بالنبي صلى الله عليه وسلم في خلقه الكريم؟ خلق العفو، وهو خلق الشرفاء، ولاشكّ أن العاقل ليعلم أن العفو والصّفح ليكفّ كثيرا من المشاكل الأسريّة والأخويّة، ومع الأصحاب والأحباب، فتزول الشّحناء وترفع البغضاء، وتقل القطيعة وتوصل الرّحم، فيعم الصفاء والهناء في علاقات الناس ومعاملاتهم.


نسأل الله تعالى أن يهدينا لأحسن الأخـلاق، وأن يزينـنا بجـميل الخصال
سبحانك اللّهمّ وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين
*
كتبه :
أبو البراء يوسف صفصاف
الأربعاء 14 رمضان 1444 الموافق لـ 05 أفريل 2023


المصدر موقع الابانة السلفية
 
التسامح من شيم الكبار و العفو كذلك على كل شخص أن يتصف بهما ، لكن في الوقت الحالي لي عنده
سلمت يداك على الطرح الرائع والمميز جعلها الله في ميزان حسناتك يارب العالمين اجمعين
 
واياك اللهم آمين
أحسن الله إليك ووفقك لكل خير
 
العفو من شيم الرجال
 
لإعلاناتكم وإشهاراتكم عبر صفحات منتدى اللمة الجزائرية، ولمزيد من التفاصيل ... تواصلوا معنا
العودة
Top