ولّادة
:: عضو منتسِب ::
التفاعل
161
الجوائز
4
- تاريخ التسجيل
- 18 مارس 2024
- المشاركات
- 30
- آخر نشاط
- تاريخ الميلاد
- 15 جويلية 2003
- الوظيفة
- طالبة جامعية
- الحالة الإجتماعية
- عزباء
- الجنس
- أنثى
من صيغ المواساة الشائعة في السياق الغربي قولهم لمن يمرّ بمحنة:
I hope you get out of this in one piece
(أتمنى أن تخرج من هذه المشكلة متماسكا)!
وأحسبها استعارة دقيقة؛ إذ نعبّر عن النجاو بالتماسك، لأنّ الإنسان بعد الضربات لا يخشى الألم بقدر ما يخشى التشظّي.
فالانكسار سهل، والتصدّع أيسر مما نتصوّر. ثَمَّ مِحن لا نخرج منها إلا فتاتًا، كما قال امرؤ القيس:
فلو أنّها نفسٌ تموتُ جميعَةً
ولكنّها نفسٌ تُساقِطُ أنفُسَا.
كنتُ قد وقفتُ عند هذا المعنى أثناء قراءتي عن آثار الصدمة النفسية ومفهوم “الذات المُجزّأة”، واللافت اليوم أنّ العالم نفسه صار كفيلًا بتشظية الإنسان؛ لم نعد بحاجة إلى صدمات كبرى. فالصيغة ما بعد الحداثية للعالم، بإيقاعها السريع ومقولاتها وأنماط التفاعل فيها، تُنتج تفتيتًا بطيئًا للروح.
وقد تنبّه يي-فو توان مبكرًا إلى ذلك في كتابه Segmented Worlds and Self، حيث وصف كيف يكرّس العالم الحديث إنسانًا معزولًا، عالي الحساسية والوعي بذاته، في مجتمع متخصّص متجزّئ، تنحلّ فيه الروابط لصالح خبرة فردانية مُضخّمة. ويتجلّى هذا التجزؤ في أدقّ تفاصيل العيش: من الطعام والبيت إلى روتين الحياة.
وهكذا يغدو الإنسان تائهًا، يلاحقه شعور دائم بالتأخّر، وكأنّ عليه أن يركض في كلّ الاتجاهات معًا. تتغذّى هذه الحيرة من شاشات تُجزّئ الانتباه، فيتبعثر الذهن، ثم تتشوّش الهوية.
وليس عبثًا أن استعاذ النبي ﷺ من شتات الأمر؛ لأنّه يؤدّي إلى اضطراب القرار، وتنازع الأولويات، وتراكم الأعمال غير المنجزة، وهو عبء خفيّ يزاحم الوعي ويُفتّت الذات.
والمخرج ليس في مزيد من الركض، بل في تزكية النّفوس: مداواة القلب من الجشع والحسد، وفكّ قيود الشهوة والطمع، واستحضار حقيقة الفناء وحدود البشرية، واستثمار الوقت فيما يبقى ويدوم من الباقيات الصالحات.
استعيذوا بالله من شتات الأمر، واسألوه الرضا والقناعة، والثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، لعلّنا وإيّاكم نكون من النّاجين.
I hope you get out of this in one piece
(أتمنى أن تخرج من هذه المشكلة متماسكا)!
وأحسبها استعارة دقيقة؛ إذ نعبّر عن النجاو بالتماسك، لأنّ الإنسان بعد الضربات لا يخشى الألم بقدر ما يخشى التشظّي.
فالانكسار سهل، والتصدّع أيسر مما نتصوّر. ثَمَّ مِحن لا نخرج منها إلا فتاتًا، كما قال امرؤ القيس:
فلو أنّها نفسٌ تموتُ جميعَةً
ولكنّها نفسٌ تُساقِطُ أنفُسَا.
كنتُ قد وقفتُ عند هذا المعنى أثناء قراءتي عن آثار الصدمة النفسية ومفهوم “الذات المُجزّأة”، واللافت اليوم أنّ العالم نفسه صار كفيلًا بتشظية الإنسان؛ لم نعد بحاجة إلى صدمات كبرى. فالصيغة ما بعد الحداثية للعالم، بإيقاعها السريع ومقولاتها وأنماط التفاعل فيها، تُنتج تفتيتًا بطيئًا للروح.
وقد تنبّه يي-فو توان مبكرًا إلى ذلك في كتابه Segmented Worlds and Self، حيث وصف كيف يكرّس العالم الحديث إنسانًا معزولًا، عالي الحساسية والوعي بذاته، في مجتمع متخصّص متجزّئ، تنحلّ فيه الروابط لصالح خبرة فردانية مُضخّمة. ويتجلّى هذا التجزؤ في أدقّ تفاصيل العيش: من الطعام والبيت إلى روتين الحياة.
وهكذا يغدو الإنسان تائهًا، يلاحقه شعور دائم بالتأخّر، وكأنّ عليه أن يركض في كلّ الاتجاهات معًا. تتغذّى هذه الحيرة من شاشات تُجزّئ الانتباه، فيتبعثر الذهن، ثم تتشوّش الهوية.
وليس عبثًا أن استعاذ النبي ﷺ من شتات الأمر؛ لأنّه يؤدّي إلى اضطراب القرار، وتنازع الأولويات، وتراكم الأعمال غير المنجزة، وهو عبء خفيّ يزاحم الوعي ويُفتّت الذات.
والمخرج ليس في مزيد من الركض، بل في تزكية النّفوس: مداواة القلب من الجشع والحسد، وفكّ قيود الشهوة والطمع، واستحضار حقيقة الفناء وحدود البشرية، واستثمار الوقت فيما يبقى ويدوم من الباقيات الصالحات.
استعيذوا بالله من شتات الأمر، واسألوه الرضا والقناعة، والثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، لعلّنا وإيّاكم نكون من النّاجين.