التفاعل
3.1K
الجوائز
233
- تاريخ التسجيل
- 17 سبتمبر 2020
- المشاركات
- 673
- آخر نشاط
- تاريخ الميلاد
- 11 فيفري 1983
- الجنس
- ذكر
- الأوسمة
- 21
بين عبقرية البرازيل 
... وميداليات الصين

في كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة، سجّل اللاعب أندريس إسكوبار هدفاً ضد مرماه، فخرجت كولومبيا مبكرًا من المنافسة. بعد أيام، تعرّض اللاعب لإطلاق ست رصاصات أمام ملهى ليلي أودت بحياته. كل رصاصة كانت تُرافقها كلمة :"Goal!". وفي إفريقيا، لم يكن المشهد أقل دلالة. ففي كأس العالم 2010 تعرّضت منازل وممتلكات لاعبين كاميرونيين لهجمات وتخريب، إثر خروج الكاميرون مبكرًا من المنافسة بعد ثلاث هزائم في الدور الأول.
في كثير من بلداننا العربية، تحوّل شغف كرة القدم من متعة رياضية إلى حمولة نفسية ثقيلة. لم تعد الهزيمة تُقرأ كخسارة طبيعية في لعبة تحتمل الفوز والخسارة، بل أصبحت تُفسَّر كجرح في كرامة وطن. ولم يعد الأداء يُناقش بميزان فني، بل يُعاد تأويله عبر مفردات المؤامرة والظلم والكواليس، في محاولة يائسة لحفظ "ماء الوجه". نُشجّع كما لو أننا نخوض معركة، ومع كل هزيمة تتضخم قائمة المتهمين: الحكم، التنظيم، الإعلام، "ما عندناش زهر"، السحر، العين… حتى يكاد القارئ ينتظر بياناً رسمياً يحمّل مخلوقات فضائية شريرة مسؤولية الإقصاء، بعد أن استنفدنا كل تفسيرات الأرض. وقلّما نطرح السؤال الأصعب: أين الخلل فينا؟
صحيح أن هناك دولًا صنعت من كرة القدم هوية وطنية، والبرازيل مثال كلاسيكي على ذلك. لكن حتى البرازيل، بكل تاريخها وعبقريتها الكروية، ليست مقياسًا للتفوّق الرياضي الشامل، ولا تعكس بالضرورة ازدهاراً حضارياً للأمة البرازيلية. المقياس الأكثر موضوعية رياضياً لا يمكن حصره في بطولة قارية أو كأس عالم تحكمه كرة من جلد منفوخ يلعب فيها الحظ دوراً مهماً، بل في الألعاب الأولمبية، حيث لا تنفع العاطفة، ولا الصخب الجماهيري، ولا تُجدي أحجيات المؤامرة والأساطير، بل تُقاس إنجازات الأمم بعدد ميدالياتها.
في الألعاب الأولمبية وآخرها دورة باريس 2024، تصدّرت الولايات المتحدة الأمريكية جدول الميداليات بـ 126 ميدالية من بينها 40 ذهبية، تلتها الصين بـ 91 ميدالية مع نفس عدد الذهبيات (40). هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن إنجاز رياضي، بل عن منظومات متكاملة: تعليم، بحث علمي، اقتصاد متماسك، تخطيط طويل الأمد، استثمار في الصحة والبنية التحتية الرياضية.
أما عربياً، فكان الحضور محدوداً أغلب الأوقات. ميداليات هنا وهناك، لكنها في الغالب نجاحات فردية أكثر منها ثمار سياسة رياضية مستدامة. لقد عرفنا في الماضي استثناءات لامعة، بل أفضل مما نعيشه اليوم، مثل نوردين مرسلي، حسيبة بولمرقة، هشام الكروج، ونوال المتوكل... أبطال بلغوا القمة العالمية وكتبوا أسماءهم في تاريخ ألعاب القوى. غير أن هذه الأسماء بقيت إنجازات عصامية، وطفرات زمنية لا بداية لسلسلة، ولا نتاج منظومة تتكرر. وليس من قبيل الصدفة أن النبوغ في هذه الرياضات تحديداً يعود إلى كونها لا تتطلب إمكانيات مادية ضخمة.
الرياضة الحديثة تقوم على تحفيز الأطفال على ممارسة النشاط البدني، واكتشاف قدراتهم المختلفة، وبناء مسارات متعددة: سباحة، ألعاب قوى، تنس، جمباز، رماية، تجديف، ملاكمة، رفع أثقال… وكل ذلك يفترض، قبل أي شيء، نهوضاً اقتصادياً.
الهوس الأحادي بكرة القدم، مهما كان مفهوماً عاطفياً، لا يعكس حكمة التجربة الإنسانية، ولا حتى وصايا ديننا وأقوال الحكماء التي ربطت دائماً بين العقل السليم والجسم السليم. ولا يمكن للجسم أن يكون سليماً إذا لم تُفتح له مجالات متنوعة لتفجير ميوله الرياضية.
ومن المفارقات المؤلمة أن بعض المتابعين لا يستمتع حتى بالكرة فنياً، ولا يناقشها تكتيكياً، وربما لم يمارسها يوماً في حياته... لكنه ينشغل بـ "كواليسها" خارج رقعة الملعب، فيحرم نفسه متعة الفرجة قبل أن يحرم نفسه متعة فهم اللعبة... لكنه يجادلك في كل شيء إلا الرياضة نفسها. وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.
كرة القدم لعبة جميلة، لكنها ليست مقياس قيمة أمة، ولا تعويضاً عن غياب التخطيط. وما لم ننتقل من الانفعال إلى التحليل، ومن الأسطورة إلى البناء، سنظل نحتفل بلحظات مجد متفرقة… ونرهن مشاعرنا في كرة تدور يوما معنا، ويوما ضدنا... ثم نصطدم، دورة بعد أخرى، بواقع لا يرحم... وحين تُنظم دورة الألعاب الأولمبية كل أربع سنوات، ندرك كل مرة مدى التخلف الرياضي - والإقتصادي - الذي نعيشه.