سب الدين سب الملة سب الرب عندالغضب

connecter08000

:: عضو منتسِب ::
–بِّسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم–

*** حكم سب الدين والرب عند الغضب***


الحَمْدُ للهِ .وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ .

أَمَّا بَعْدُ..

فَإِنَّ أَصْلَ الدِّينِ وَقَاعِدَتَهُ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ سَعَادَةِ العَبْدِ هِيَ تَعْظِيمُ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ فِي القَلْبِ؛ فَمَتَى اسْتَقَرَّ وَقَارُ اللهِ فِي القلب، ظهر ذلك على الجَوَارِحُ وَالأَلْسُنُ . وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ البَلَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، أَنْ تَرَى المَرْءَ قَدِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، فَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ كَرْبٌ أَوْ غَلَبَهُ غَضَبٌ، سَبِّ دِينِهِ وَمِلَّةِ خَالِقِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً بِمُحَافَظَتِهِ عَلَى رُسُومِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ! فَيَا لَهَا مِنْ خَيْبَةٍ وَخُسْرَانٍ قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: 103-104].

وَهَذَا البَلَاءُ الفَاشِي هُوَ مِنْ أَمَارَاتِ الغُرْبَةِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ بَالَةً» [صحيح البخاري: 6434]. حَيْثُ يَرِقُّ الدِّينُ فِي النُّفُوسِ حَتَّى يُصْبِحَ الرجل الفاجر مقارنة بمن قبلنا كانه من اكرم الناس؛ فَغَدَا أَحَدُهُمْ «يَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [البُخَارِي: 6478]. وَيَا لَهُ مِنْ خُسْرَانٍ أَنْ يَهْوِيَ العَبْدُ فِي النِّيرَانِ بِكَلِمَةٍ ظَنَّهَا عَرَضاً زَائِلاً، وَهِيَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمَةٌ! وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذِهِ الفِتَنِ بِقَوْلِهِ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً... يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» [مُسْلِم: 118].

إنَّ الَّذِينَ يَسُبُّونَ الدِّينَ مَعَ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى شَعَائِرِ الإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، إِنَّمَا أُتُوا مِنْ قِبَلِ "عِبَادَةِ العَادَةِ"؛ فَصَلَاتُهُمْ وَصِيَامُهُمْ لَمْ يَتَجَاوَزِ الحَنَاجِرَ، بَلْ هُوَ تَقْلِيدٌ اجْتِمَاعِيٌّ صَبَغَ ظَوَاهِرَهُمْ وَلَمْ يُلَامِسْ بَوَاطِنَهُمْ. لَقَدْ أَلِفُوا سَمَاعَ الكُفْرِيَّاتِ فِي بِيئَتِهِمْ حَتَّى هَانَ اللَّفْظُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ. وَإِنَّ صَلَاةً لَا تَنْهَى صَاحِبَهَا عَنْ هَذَا المُنْكَرِ الأَبْتَرِ لَهِيَ صَلَاةٌ تحتاج لصلاة تجبُرُ كَسْرَهَا. وَلَا يَأْمَنُ هَذَا المَغْرُورُ بِسُجُودِهِ الظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي فِتْنَةِ القَبْرِ: «هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ» [أَبُو دَاوُد: 4753].

وَمِنْ أَعْجَبِ التَّنَاقُضِ فِي حَالِ هَذَا الصِّنْفِ، أَنَّهُ فِي خُصُومَتِهِ مَعَ بَشَرٍ يَهَابُهُ، أَوْ وُقُوفِهِ أَمَامَ ذِي سُلْطَانٍ، يَزُمُّ لِسَانَهُ بِزِمَامِ الأَدَبِ مَخَافَةَ سُقُوطِ قَدْرِهِ عِنْدَهُمْ، فَإِذَا خَلَا بِمَقَامِ رَبِّهِ، لَمْ يَجِدْ لِغَضَبِهِ مَخْرَجاً إِلَّا فِي سَاحَةِ الدِّينِ وَالمِلَّةِ! وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقَارَ اللهِ فِي قَلْبِهِ أَقَلُّ مِنْ وَقَارِ المَخْلُوقِينَ، فَصَارَ رَبُّهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ. وَالإِيمَانُ لَا يَسْتَقِيمُ حَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ وَأَعْظَمَ مِمَّا سِوَاهُمَا، كَمَا قَالَ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، فَمَا بَالُكَ بِرَبِّ العَالَمِينَ؟! لَيْسَ السَّبُّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ "زَلَّةَ لِسَانٍ" عَارِضَةً، بَلْ هُوَ اسْتِخْفَافٌ كَمَنَ فِي القَلْبِ فَظَهَرَ عِنْدَ الضِّيقِ؛ فَالإِنَاءُ لَا يَنْضَحُ إِلَّا بِمَا فِيهِ .

يَتَعَامَلُ هَؤُلَاءِ مَعَ الدِّينِ كَـ "ثَوْبٍ عَارٍ" يَرْتَدُونَهُ فِي المَسَاجِدِ وَيَخْلَعُونَهُ فِي حَيَاتِهِمُ اليَوْمِيَّةِ، بَيْنَمَا الدِّينُ الحَقُّ كَـ "الجِلْدِ" لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الجَسَدِ. وَالاِبْتِلَاءُ هُوَ المَحَكُّ؛ فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ يَزْدَادُ صَلَابَةً عِنْدَ المِحَنِ، أَمَّا إِيمَانُ العَارِيَةِ فَيُسْلَبُ عِنْدَ أَوَّلِ فِتْنَةٍ، وَمَا تَزْيِينُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ سَبَّ الكُفْرِ عِنْدَ الغَضَبِ إِلَّا لِتَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].

وَلِسَانُ حَالِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ عَلَى اللهِ تَيْسِيرَ أُمُورِهِمْ مُقَابِلَ عِبَادَتِهِ، فَإِنْ تَغَيَّرَتِ الأَحْوَالُ نَقَضُوا العَهْدَ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ.

وَمِمَّا يُشَاهَدُ مِنْ أُمُورِ السَّابِّ -سِيَّمَا فِي أَوَّلِ عَهْدِهِ بِهَذَا المُرُوقِ قَبْلَ أَنْ يَرِينَ عَلَى قَلْبِهِ الرَّانُ- أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يتكلم بِكَلِمَةِ الكُفْرِ يَقَعُ فِي اضْطِرَابٍ نَفْسِيٍّ تَفْضَحُهُ جَوَارِحُهُ؛ فَتَرَاهُ يَنْظُرُ نَظَرَ المَذْعُورِ الَّذِي يَتَرَقَّبُ بَطْشاً مُفَاجِئاً، هَوْلاً مِمَّا اجْتَرَأَ بِهِ لِسَانُهُ.

إِنَّ هَذَا الاِلْتِفَاتَ القَلِقَ وَالاِرْتِبَاكَ لَيْسَ إِلَّا صَرْخَةً مَكْتُومَةً مِنْ فِطْرَتِهِ الَّتِي مَا زَالَتْ تَسْتَشْعِرُ عَظَمَةَ الخَالِقِ، وَهُوَ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ تُثْبِتُ أَنَّهُ يَعْلَمُ يَقِيناً فَظَاعَةَ مَا نَطَقَ. لَكِنَّهُ حِينَ يَرَى حِلْمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَتَأَخُّرَ العُقُوبَةِ عَنْهُ، يَغْتَرُّ وَيَتَمَادَى، فَتَتَحَوَّلُ تِلْكَ الرَّعْدَةُ إِلَى "تَبَلُّدٍ"، وَيَنْقَلِبُ ذَلِكَ الوَجَلُ إِلَى "جُرْأَةٍ"، حَتَّى يَمُوتَ قَلْبُهُ فَيَصِيرَ الكُفْرُ لَدَيْهِ عَادَةً.






مَآلُ السَّابِّ وَإِجْمَاعُ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ

لَقَدْ تَظَافَرَتْ أَقْوَالُ أَئِمَّةِ الهُدَى عَلَى أَنَّ سَابَّ اللهِ أَوْ دِينِهِ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، لَا تَنْفَعُهُ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ مَا دَامَ مُقِيماً عَلَى نَقْضِ أَصْلِ الإِيمَانِ.

الإِجْمَاعُ عَلَى الكُفْرِ وَالعُقُوبَةِ:

  • قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: "قَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ أَنَّ مَنْ سَبَّ اللهَ.. أَنَّهُ كَافِرٌ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُقِرّاً
  • بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللهُ".
  • قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: "لَا خِلَافَ أَنَّ سَابَّ اللهِ تَعَالَى مِنَ المُسْلِمِينَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ".
  • قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "سَبُّ اللهِ أَوْ دِينِهِ كُفْرٌ ظَاهِراً وَبَاطِناً، سَوَاءٌ كَانَ السَّابُّ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، أَوْ كَانَ مُسْتَحِلّاً لَهُ، أَوْ كَانَ ذَاهِلاً عَنِ اعْتِقَادِهِ".
خُلَاصَةُ أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ:

  1. الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: كَافِرٌ وَمُرْتَدٌّ، وَالمَشْهُورُ فِي المَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِعِظَمِ الجُرْمِ. (رد المحتار على الدر المختار).
  2. الإِمَامُ مَالِكٌ: كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ، وَيَجِبُ قَتْلُهُ حَدّاً دُونَ اسْتِتَابَةٍ، وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ أَوْ غَضَبٍ. (الشفاء للقاضي عياض).
  3. الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: كَافِرٌ وَمُرْتَدٌّ، وَحُكْمُهُ كَغَيْرِهِ مِنَ المُرْتَدِّينَ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ سَقَطَ عَنْهُ القَتْلُ. (كتاب الأم).
  4. الإِمَامُ أَحْمَدُ: كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، وَالمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُسْتَتَابُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ. (الصارم المسلول).
مَظَاهِرُ تَعْظِيمِ السَّلَفِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

  • عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (زَيْنُ العَابِدِينَ): كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ اصْفَرَّ لَوْنُهُ، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ؟».
  • زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى: أَمَّ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، خَرَّ مَيِّتاً فِي مِحْرَابِهِ؛ لَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ هَيْبَةَ الوَعِيدِ.
  • سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ذُكِرَ اللهُ وَعَظَمَتُهُ عِنْدَهُ يَوْماً، فَبَالَ دَماً! وَلَمَّا عَايَنَهُ الطَّبِيبُ قَالَ: «هَذَا رَجُلٌ فَتَّتَ الخَوْفُ كَبِدَهُ، وَقَطَعَ الوَجَلُ عُرُوقَهُ».
  • مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ بَكَى حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: «أَخَافُ أَنْ يَبْدُوَ لِي مِنَ اللهِ مَا لَمْ أَكُنْ أَحْتَسِبُ».
  • عَلِيُّ بْنُ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: قَتَلَهُ القُرْآنُ! قَرَأَ وَالِدُهُ وَهُوَ يُصَلِّي خَلْفَهُ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، فَشَهِقَ شَهْقَةً وَفَاضَتْ رُوحُهُ فِي الحَالِ إِجْلَالاً لِلْمَقَامِ.
  • عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كَانَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ عِنْدَهُ خَرِسَ لِسَانُهُ وَمَكَثَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ لَا يَسْتَطِيعُ الكَلَامَ هَيْبَةً وَإِجْلَالاً.





خُذْلَانُ اللِّسَانِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ

ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ فِي سِيَرِهِمْ عِبَراً تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الأَبْدَانُ لِمَنِ اسْتَهَانَ بِالمُقَدَّسَاتِ:

  • قِصَّةُ الكَاتِبِ المُرْتَدِّ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيّاً فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَعَادَ نَصْرَانِيّاً وَصَارَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ.. حَتَّى عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَنَبَذُوهُ [صحيح البخاري: 3617].
  • تَعْلِيقُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ يُعَجِّلُ لِسَابِّهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لِتَكُونَ عِبْرَةً، فَإِنَّ الأَرْضَ قَدْ تَقْبَلُ الكَافِرَ الأَصْلِيَّ وَلَا تَقْبَلُ السَّابَّ الَّذِي تَنَقَّصَ مَقَامَ الخَالِقِ أَوْ مَقَامَ النُّبُوَّةِ".
  • مَصَارعُ السَّابِّينَ: ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ فِي (الداء والدواء) أَنَّ رَجُلاً قِيلَ لَهُ عِنْدَ المَوْتِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ وَيَشْتُمُ حَتَّى مَاتَ. وَعَلَّقَ قَائِلاً: "فَالقَلْبُ إِذَا لَمْ يَمْتَلِئْ بِتَعْظِيمِ اللهِ، خَذَلَهُ اللِّسَانُ عِنْدَ الحَاجَةِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ تَرْجُمَانُ القَلْبِ".
  • يَقُولُ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: "فَمَنْ سَبَّ اللهَ أَوْ دِينَهُ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ.. وَقَدْ شُوهِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ اسْوَدَّ وَجْهُهُ عِنْدَ المَوْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ خِزْياً".





خَاتِمَةٌ وَوَاجِبُ المُسْلِمِ

مِنَ العَجَبِ أَنْ يَظُنَّ المَرْءُ أَنَّ صَلَاتَهُ "حِصَانَةٌ" تَمْنَعُ عَنْهُ حُكْمَ اللهِ، فَلْيَتَأَمَّلْ فِي إِجْمَاعِ جِبَالِ العِلْمِ! فَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي عِظَمِ جُرْمِهِ وَمُرُوقِهِ.

وَاجِبُ المُسْلِمِ تُجَاهَ السَّابِّ:

  1. الإِنْكَارُ الصَّرِيحُ: يَجِبُ زَجْرُ السَّابِّ بِاللِّسَانِ وَتَنْبِيهُهُ فَوْراً إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ كُفْرٌ يُحْبِطُ العَمَلَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [الأحزاب: 57].
  2. مُغَادَرَةُ المَجْلِسِ: إِذَا أَصَرَّ عَلَى غَيِّهِ، حَرُمَ شَرْعاً البَقَاءُ مَعَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140].
  3. البَرَاءَةُ القَلْبِيَّةُ: قَطْعُ العَلَاقَةِ بِهِ وَبُغْضُه وبغض فِعْلِهِ ،غَيْرَةً عَلَى دِينِ اللهِ، مَعَ الحَذَرِ: انه لَا يَجُوزُ لِآحَادِ النَّاسِ إِقَامَةُ الحُدُودِ بِأَنْفُسِهِمْ مَنْعاً لِلْفَوْضَى، بَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الغَيْرَةِ الصَّادِقَةِ وَالحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَسُبْحَانَ مَنْ تَقَدَّسَ فِي عُلَاهُ، القَاهِرِ فَوْقَ عِبَادِهِ، الذِي تَصَاغَرَ عِنْدَ كِبْرِيَائِهِ كُلُّ جَبَّارٍ! فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ هَذَا الإِنْسَانُ الجَاهِلُ النَّسِيُّ، الَّذِي تُؤْذِيهِ بَقَّةٌ وَتَقْتُلُهُ شَرَقَةٌ، كَيْفَ يَجْتَرِئُ هَذَا "الهَبَاءُ المَنْثُورُ" عَلَى مَقَامِ مَنْ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ؟!

نَعُوذُ بِوَجْهِ اللهِ الكَرِيمِ مِنْ عَمَى البَصِيرَةِ وَخِذْلَانِ اللِّسَانِ، وَعَلَيْهِ وَحْدَهُ التُّكْلَانُ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.




 
بارك الله فيك
في ميزان حسناتك
....
 
توقيع ام أمينة
امر جلل نسأل الله العفو و العافية

بوركت
 
بارك الله فيك اخي الكريم وجزاك الله كل الخير و البركات
 
جزاك الله خيرا على موضوعك القيم
 
–بِّسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم–

*** حكم سب الدين والرب عند الغضب***


الحَمْدُ للهِ .وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ .

أَمَّا بَعْدُ..

فَإِنَّ أَصْلَ الدِّينِ وَقَاعِدَتَهُ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ سَعَادَةِ العَبْدِ هِيَ تَعْظِيمُ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ فِي القَلْبِ؛ فَمَتَى اسْتَقَرَّ وَقَارُ اللهِ فِي القلب، ظهر ذلك على الجَوَارِحُ وَالأَلْسُنُ . وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ البَلَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، أَنْ تَرَى المَرْءَ قَدِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، فَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ كَرْبٌ أَوْ غَلَبَهُ غَضَبٌ، سَبِّ دِينِهِ وَمِلَّةِ خَالِقِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً بِمُحَافَظَتِهِ عَلَى رُسُومِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ! فَيَا لَهَا مِنْ خَيْبَةٍ وَخُسْرَانٍ قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: 103-104].

وَهَذَا البَلَاءُ الفَاشِي هُوَ مِنْ أَمَارَاتِ الغُرْبَةِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ بَالَةً» [صحيح البخاري: 6434]. حَيْثُ يَرِقُّ الدِّينُ فِي النُّفُوسِ حَتَّى يُصْبِحَ الرجل الفاجر مقارنة بمن قبلنا كانه من اكرم الناس؛ فَغَدَا أَحَدُهُمْ «يَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [البُخَارِي: 6478]. وَيَا لَهُ مِنْ خُسْرَانٍ أَنْ يَهْوِيَ العَبْدُ فِي النِّيرَانِ بِكَلِمَةٍ ظَنَّهَا عَرَضاً زَائِلاً، وَهِيَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمَةٌ! وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذِهِ الفِتَنِ بِقَوْلِهِ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً... يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» [مُسْلِم: 118].

إنَّ الَّذِينَ يَسُبُّونَ الدِّينَ مَعَ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى شَعَائِرِ الإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، إِنَّمَا أُتُوا مِنْ قِبَلِ "عِبَادَةِ العَادَةِ"؛ فَصَلَاتُهُمْ وَصِيَامُهُمْ لَمْ يَتَجَاوَزِ الحَنَاجِرَ، بَلْ هُوَ تَقْلِيدٌ اجْتِمَاعِيٌّ صَبَغَ ظَوَاهِرَهُمْ وَلَمْ يُلَامِسْ بَوَاطِنَهُمْ. لَقَدْ أَلِفُوا سَمَاعَ الكُفْرِيَّاتِ فِي بِيئَتِهِمْ حَتَّى هَانَ اللَّفْظُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ. وَإِنَّ صَلَاةً لَا تَنْهَى صَاحِبَهَا عَنْ هَذَا المُنْكَرِ الأَبْتَرِ لَهِيَ صَلَاةٌ تحتاج لصلاة تجبُرُ كَسْرَهَا. وَلَا يَأْمَنُ هَذَا المَغْرُورُ بِسُجُودِهِ الظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي فِتْنَةِ القَبْرِ: «هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ» [أَبُو دَاوُد: 4753].

وَمِنْ أَعْجَبِ التَّنَاقُضِ فِي حَالِ هَذَا الصِّنْفِ، أَنَّهُ فِي خُصُومَتِهِ مَعَ بَشَرٍ يَهَابُهُ، أَوْ وُقُوفِهِ أَمَامَ ذِي سُلْطَانٍ، يَزُمُّ لِسَانَهُ بِزِمَامِ الأَدَبِ مَخَافَةَ سُقُوطِ قَدْرِهِ عِنْدَهُمْ، فَإِذَا خَلَا بِمَقَامِ رَبِّهِ، لَمْ يَجِدْ لِغَضَبِهِ مَخْرَجاً إِلَّا فِي سَاحَةِ الدِّينِ وَالمِلَّةِ! وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقَارَ اللهِ فِي قَلْبِهِ أَقَلُّ مِنْ وَقَارِ المَخْلُوقِينَ، فَصَارَ رَبُّهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ. وَالإِيمَانُ لَا يَسْتَقِيمُ حَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ وَأَعْظَمَ مِمَّا سِوَاهُمَا، كَمَا قَالَ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، فَمَا بَالُكَ بِرَبِّ العَالَمِينَ؟! لَيْسَ السَّبُّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ "زَلَّةَ لِسَانٍ" عَارِضَةً، بَلْ هُوَ اسْتِخْفَافٌ كَمَنَ فِي القَلْبِ فَظَهَرَ عِنْدَ الضِّيقِ؛ فَالإِنَاءُ لَا يَنْضَحُ إِلَّا بِمَا فِيهِ .

يَتَعَامَلُ هَؤُلَاءِ مَعَ الدِّينِ كَـ "ثَوْبٍ عَارٍ" يَرْتَدُونَهُ فِي المَسَاجِدِ وَيَخْلَعُونَهُ فِي حَيَاتِهِمُ اليَوْمِيَّةِ، بَيْنَمَا الدِّينُ الحَقُّ كَـ "الجِلْدِ" لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الجَسَدِ. وَالاِبْتِلَاءُ هُوَ المَحَكُّ؛ فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ يَزْدَادُ صَلَابَةً عِنْدَ المِحَنِ، أَمَّا إِيمَانُ العَارِيَةِ فَيُسْلَبُ عِنْدَ أَوَّلِ فِتْنَةٍ، وَمَا تَزْيِينُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ سَبَّ الكُفْرِ عِنْدَ الغَضَبِ إِلَّا لِتَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].

وَلِسَانُ حَالِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ عَلَى اللهِ تَيْسِيرَ أُمُورِهِمْ مُقَابِلَ عِبَادَتِهِ، فَإِنْ تَغَيَّرَتِ الأَحْوَالُ نَقَضُوا العَهْدَ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ.

وَمِمَّا يُشَاهَدُ مِنْ أُمُورِ السَّابِّ -سِيَّمَا فِي أَوَّلِ عَهْدِهِ بِهَذَا المُرُوقِ قَبْلَ أَنْ يَرِينَ عَلَى قَلْبِهِ الرَّانُ- أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يتكلم بِكَلِمَةِ الكُفْرِ يَقَعُ فِي اضْطِرَابٍ نَفْسِيٍّ تَفْضَحُهُ جَوَارِحُهُ؛ فَتَرَاهُ يَنْظُرُ نَظَرَ المَذْعُورِ الَّذِي يَتَرَقَّبُ بَطْشاً مُفَاجِئاً، هَوْلاً مِمَّا اجْتَرَأَ بِهِ لِسَانُهُ.

إِنَّ هَذَا الاِلْتِفَاتَ القَلِقَ وَالاِرْتِبَاكَ لَيْسَ إِلَّا صَرْخَةً مَكْتُومَةً مِنْ فِطْرَتِهِ الَّتِي مَا زَالَتْ تَسْتَشْعِرُ عَظَمَةَ الخَالِقِ، وَهُوَ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ تُثْبِتُ أَنَّهُ يَعْلَمُ يَقِيناً فَظَاعَةَ مَا نَطَقَ. لَكِنَّهُ حِينَ يَرَى حِلْمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَتَأَخُّرَ العُقُوبَةِ عَنْهُ، يَغْتَرُّ وَيَتَمَادَى، فَتَتَحَوَّلُ تِلْكَ الرَّعْدَةُ إِلَى "تَبَلُّدٍ"، وَيَنْقَلِبُ ذَلِكَ الوَجَلُ إِلَى "جُرْأَةٍ"، حَتَّى يَمُوتَ قَلْبُهُ فَيَصِيرَ الكُفْرُ لَدَيْهِ عَادَةً.






مَآلُ السَّابِّ وَإِجْمَاعُ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ

لَقَدْ تَظَافَرَتْ أَقْوَالُ أَئِمَّةِ الهُدَى عَلَى أَنَّ سَابَّ اللهِ أَوْ دِينِهِ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، لَا تَنْفَعُهُ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ مَا دَامَ مُقِيماً عَلَى نَقْضِ أَصْلِ الإِيمَانِ.

الإِجْمَاعُ عَلَى الكُفْرِ وَالعُقُوبَةِ:

  • قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: "قَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ أَنَّ مَنْ سَبَّ اللهَ.. أَنَّهُ كَافِرٌ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُقِرّاً
  • بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللهُ".
  • قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: "لَا خِلَافَ أَنَّ سَابَّ اللهِ تَعَالَى مِنَ المُسْلِمِينَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ".
  • قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "سَبُّ اللهِ أَوْ دِينِهِ كُفْرٌ ظَاهِراً وَبَاطِناً، سَوَاءٌ كَانَ السَّابُّ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، أَوْ كَانَ مُسْتَحِلّاً لَهُ، أَوْ كَانَ ذَاهِلاً عَنِ اعْتِقَادِهِ".
خُلَاصَةُ أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ:

  1. الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: كَافِرٌ وَمُرْتَدٌّ، وَالمَشْهُورُ فِي المَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِعِظَمِ الجُرْمِ. (رد المحتار على الدر المختار).
  2. الإِمَامُ مَالِكٌ: كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ، وَيَجِبُ قَتْلُهُ حَدّاً دُونَ اسْتِتَابَةٍ، وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ أَوْ غَضَبٍ. (الشفاء للقاضي عياض).
  3. الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: كَافِرٌ وَمُرْتَدٌّ، وَحُكْمُهُ كَغَيْرِهِ مِنَ المُرْتَدِّينَ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ سَقَطَ عَنْهُ القَتْلُ. (كتاب الأم).
  4. الإِمَامُ أَحْمَدُ: كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، وَالمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُسْتَتَابُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ. (الصارم المسلول).
مَظَاهِرُ تَعْظِيمِ السَّلَفِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

  • عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (زَيْنُ العَابِدِينَ): كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ اصْفَرَّ لَوْنُهُ، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ؟».
  • زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى: أَمَّ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، خَرَّ مَيِّتاً فِي مِحْرَابِهِ؛ لَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ هَيْبَةَ الوَعِيدِ.
  • سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ذُكِرَ اللهُ وَعَظَمَتُهُ عِنْدَهُ يَوْماً، فَبَالَ دَماً! وَلَمَّا عَايَنَهُ الطَّبِيبُ قَالَ: «هَذَا رَجُلٌ فَتَّتَ الخَوْفُ كَبِدَهُ، وَقَطَعَ الوَجَلُ عُرُوقَهُ».
  • مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ بَكَى حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: «أَخَافُ أَنْ يَبْدُوَ لِي مِنَ اللهِ مَا لَمْ أَكُنْ أَحْتَسِبُ».
  • عَلِيُّ بْنُ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: قَتَلَهُ القُرْآنُ! قَرَأَ وَالِدُهُ وَهُوَ يُصَلِّي خَلْفَهُ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، فَشَهِقَ شَهْقَةً وَفَاضَتْ رُوحُهُ فِي الحَالِ إِجْلَالاً لِلْمَقَامِ.
  • عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كَانَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ عِنْدَهُ خَرِسَ لِسَانُهُ وَمَكَثَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ لَا يَسْتَطِيعُ الكَلَامَ هَيْبَةً وَإِجْلَالاً.





خُذْلَانُ اللِّسَانِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ

ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ فِي سِيَرِهِمْ عِبَراً تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الأَبْدَانُ لِمَنِ اسْتَهَانَ بِالمُقَدَّسَاتِ:

  • قِصَّةُ الكَاتِبِ المُرْتَدِّ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيّاً فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَعَادَ نَصْرَانِيّاً وَصَارَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ.. حَتَّى عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَنَبَذُوهُ [صحيح البخاري: 3617].
  • تَعْلِيقُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ يُعَجِّلُ لِسَابِّهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لِتَكُونَ عِبْرَةً، فَإِنَّ الأَرْضَ قَدْ تَقْبَلُ الكَافِرَ الأَصْلِيَّ وَلَا تَقْبَلُ السَّابَّ الَّذِي تَنَقَّصَ مَقَامَ الخَالِقِ أَوْ مَقَامَ النُّبُوَّةِ".
  • مَصَارعُ السَّابِّينَ: ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ فِي (الداء والدواء) أَنَّ رَجُلاً قِيلَ لَهُ عِنْدَ المَوْتِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ وَيَشْتُمُ حَتَّى مَاتَ. وَعَلَّقَ قَائِلاً: "فَالقَلْبُ إِذَا لَمْ يَمْتَلِئْ بِتَعْظِيمِ اللهِ، خَذَلَهُ اللِّسَانُ عِنْدَ الحَاجَةِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ تَرْجُمَانُ القَلْبِ".
  • يَقُولُ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: "فَمَنْ سَبَّ اللهَ أَوْ دِينَهُ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ.. وَقَدْ شُوهِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ اسْوَدَّ وَجْهُهُ عِنْدَ المَوْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ خِزْياً".





خَاتِمَةٌ وَوَاجِبُ المُسْلِمِ

مِنَ العَجَبِ أَنْ يَظُنَّ المَرْءُ أَنَّ صَلَاتَهُ "حِصَانَةٌ" تَمْنَعُ عَنْهُ حُكْمَ اللهِ، فَلْيَتَأَمَّلْ فِي إِجْمَاعِ جِبَالِ العِلْمِ! فَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي عِظَمِ جُرْمِهِ وَمُرُوقِهِ.

وَاجِبُ المُسْلِمِ تُجَاهَ السَّابِّ:

  1. الإِنْكَارُ الصَّرِيحُ: يَجِبُ زَجْرُ السَّابِّ بِاللِّسَانِ وَتَنْبِيهُهُ فَوْراً إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ كُفْرٌ يُحْبِطُ العَمَلَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [الأحزاب: 57].
  2. مُغَادَرَةُ المَجْلِسِ: إِذَا أَصَرَّ عَلَى غَيِّهِ، حَرُمَ شَرْعاً البَقَاءُ مَعَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140].
  3. البَرَاءَةُ القَلْبِيَّةُ: قَطْعُ العَلَاقَةِ بِهِ وَبُغْضُه وبغض فِعْلِهِ ،غَيْرَةً عَلَى دِينِ اللهِ، مَعَ الحَذَرِ: انه لَا يَجُوزُ لِآحَادِ النَّاسِ إِقَامَةُ الحُدُودِ بِأَنْفُسِهِمْ مَنْعاً لِلْفَوْضَى، بَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الغَيْرَةِ الصَّادِقَةِ وَالحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَسُبْحَانَ مَنْ تَقَدَّسَ فِي عُلَاهُ، القَاهِرِ فَوْقَ عِبَادِهِ، الذِي تَصَاغَرَ عِنْدَ كِبْرِيَائِهِ كُلُّ جَبَّارٍ! فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ هَذَا الإِنْسَانُ الجَاهِلُ النَّسِيُّ، الَّذِي تُؤْذِيهِ بَقَّةٌ وَتَقْتُلُهُ شَرَقَةٌ، كَيْفَ يَجْتَرِئُ هَذَا "الهَبَاءُ المَنْثُورُ" عَلَى مَقَامِ مَنْ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ؟!

نَعُوذُ بِوَجْهِ اللهِ الكَرِيمِ مِنْ عَمَى البَصِيرَةِ وَخِذْلَانِ اللِّسَانِ، وَعَلَيْهِ وَحْدَهُ التُّكْلَانُ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.




بارك الله فيك
 
العودة
Top Bottom