• أهلاً بك زائر في في بيتك الثاني!
    اذا كنت وفيا لمنتدى اللمة بصدق فهو بحاجة لمساهمتك إن مشاركتك ونشاطك يبعثان الحياة فيه ليستمر وينتشر. تفاعل وشاركنا بآرائك، مواضيعك، وإبداعاتك لإثراء المحتوى ونشر الفائدة و كسب الثواب قبل أن نفقد اللمة للأبد كما وقع لباقي المنتديات لاتكتفي بالتفرج.

حين يتكلم الفعل وتسكت الألسن

الفضل10

:: عضو مُشارك ::
سادتي الأكارم /
يُحكى – على ما جرت به روايات الصالحين – أن رجلًا من أهل الأمانة والدين، كان يوصي عمّاله في متجره أن يُظهروا للناس عيوب سلعته إن وُجدت، ولا يكتموا نقصًا، ولا يُواروا خللًا.


فجاءه يومًا رجلٌ يهودي، فاشترى ثوبًا معيبًا، ولم يكن صاحب المتجر حاضرًا، فقال بعض العمّال: هذا يهودي، ولا علينا إن كتمنا عنه العيب. فباعوه الثوب ولم يُخبروه بحاله.


فلما حضر صاحب المتجر، سأل عن الثوب، فقيل له: بعناه لليهودي بثلاثة آلاف درهم، ولم نُطلعه على عيبه. فقال: وأين هو؟ قالوا: انصرف مع القافلة.


فأخذ المال، وسار في أثر القافلة، حتى أدركها بعد ثلاثة أيام، فقال لليهودي: يا هذا، إنك اشتريت ثوبًا كذا وكذا، وبه عيب، فخذ دراهمك، وردّ عليّ الثوب.


فقال اليهودي: وما حملك على هذا؟
قال: الإسلام، إذ يقول نبيّنا صلى الله عليه وسلم: "من غشّنا فليس منا".
فقال اليهودي: أما الدراهم التي دفعتها إليكم فمزيفة، فخذ بها ثلاثة آلاف صحيحة، وأزيدك على ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.



وقال عمر بن عبد العزيز: "كونوا دعاة إلى الله وأنتم صامتون".



وكانت هذه الحكاية مما قصصته على أبنائي قبيل المنام، فجعلنا نفكك أحداثها، ونستخرج معانيها، بأسلوبٍ يقرب إلى أفهامهم، ويأنس له إدراكهم، ونجعل لكل قصة ختامًا تُستخلص فيه العبرة، وتُجتنى منه الفائدة.

فسأل أحدهم: لِمَ أمر التاجر عمّاله أن يُخبروا بالعيب؟
فقلت: لأن الغش خيانة، والمؤمن لا يخون، ولا يبيع فاسدًا وهو يعلم.


وسأل آخر: ولِمَ لم يُخبر التاجر المشتري بنفسه؟
فقلت: لأنه لم يكن حاضرًا، وقد أوكل الأمانة إلى عمّاله.


وسأل ثالث: ولِمَ كتموا العيب عن ذلك الرجل؟
فقلت: لقصورٍ في الفهم، وضعفٍ في تعظيم الحق.



وسألوا: ولِمَ تبعه التاجر وهو لا يعرفه؟
فقلت: لأنه يخاف الله، ويرجو رضاه، ولا يرضى أن يلقاه بظلمٍ أو خيانة.




ثم خلصنا من ذلك إلى أن المؤمن الحق يجعل معاملته مع الله قبل الناس، فيراقبه في سرّه وعلانيته، ويزن أفعاله بميزان الحق لا بميزان المصلحة، فلا يجعل الدنيا غايته، ولا الربح غرضه الأسمى.


وأن يعيش على مبدأ الصفاء والوضوح، لا تشوبه شبهة، ولا يعتريه غبش، حتى يكون ظاهرُه كباطنه، وسرُّه كعلانيته، فيكون ككتابٍ مفتوح، لا تناله ظنون، ولا تُصيبه سهام الشك والتخوين.


وأن الدعوة الصامتة هي أبلغ الأثر، وأعمق نفاذًا، إذ تتسلل إلى القلوب بغير صخب، وتبلغ العقول بغير عناء، فيتلقاها المرء صافيةً رقراقة، فيتدبرها، ويهتدي بها.


فصاحب القصة لم يعرض دينه قولًا، ولم يزخرفه بيانًا، وإنما جعله فعلًا يُرى، وسلوكًا يُحتذى، فكان فعله أبلغ من ألف خطاب، وأصدق من مطوّل الكلام.


ومن هنا يُطرح السؤال:
هل للدعوة الصامتة أثرٌ في النفوس، في سائر شؤون الحياة؟


أم أن التصريح أبلغ، والمباشرة أنجع؟
ولعل قائلًا يقول: إن من الناس من لا يفهم الإشارة، ولا يعي التلميح،
فتضعف ثمرة هذه الدعوة، ويقل أثرها.




غير أن الحق أن لكل مقامٍ مقالًا، ولكل حالٍ أسلوبًا، والحكيم من جمع بين البيان بالفعل، والتوضيح بالقول، فجعل لكل منهما موضعه، وأعطى كل وسيلةٍ قدرها.

 
آخر تعديل:
قصة فيها عبرة كبيرة
ما أجمل أن يكون صدق الإنسان و أمانته ظاهرين في معاملاته
فالمواقف الصادقة تصل إلى القلوب بهدوء

و قد تترك أثرًا أكبر من كثير من الكلام
 
توقيع ام أمينة
بارك الله فيك على الطرح القيم
 
العودة
Top Bottom