موتُ الأموات.. وَعِظَةُ أهلِ الحَياة!
رَحِمَ اللهُ (مالكاً)...
كَتَبَهَا
عَليُّ بنُ حَسَنٍ الحَلَبِيُّ
كان شابًّا في زَهْرَةِ عُمُرِهِ، في أوائل العشرينات..
قويَّ البَدَنِ مَتيناً، عاليَ الهمَّةِ نشيطاً...
صَلَّى صَلاة الفَجْرِ، فكانت هي آخِرَ عَهْدِهِ من هذه الدُّنْيا:
الفانية...
الزائلة...
الذاهبة...
إذْ بَعْدَ ذلك بِسُوَيْعات.. أيقظَهُ أهلُهُ!!!
فلم يستيقظ..
لم يتحرَّك..
لم تَرْمِشْ عيناه...
لا إله إلا اللهُ -الحيُّ الذي لا يَموتُ-...
إنَّه (مالك) -رحمه اللهُ العليُّ المالك-...
أين القوَّة؟!
{أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً }..
أين المتانة؟!
فربُّك {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين}..
وَفَوْرَ وُصُولِ خَبَرِ وفاةِ (مالكٍ) أُذُنَيَّ -والذي لا يُحلَف إلا به-:
دَمَعَتْ عيناي...
وتَأَثَّرَ قَلْبي...
آهٍ آه...
أين تخطيطاتُ المستقبلِ؟!
أين ذاك الأَمَلُ الإنسانيُّ الزائفُ؟!
أينَ هاتيكَ الوعودُ النفسيَّةُ المتراكمة (المُتراكِبة!)؟!
ذكَّرتُ ولدي بالموت..
وذكَّرتُ نفسي بهذا الفَوْت..
ماذا ستنفعُ القوةُ؟!
ماذا سينفعُ الجاهُ؟!
ماذا سينفعُ الشباب؟!
ماذا سينفعُ الولد...
الزوجة...
المال...
الأهل...
العشيرة...
... ماذا سينفعُ هؤلاءِ -كلُّهم- مُجتمعين أو مفترقين-؟!
لمن تجمعُ المالَ -يا ذا المال-...
بلا مَيْزٍ بين حُرمةٍ وحلال؟!
هل ستجمعُهُ لنفسِكَ والقبرُ قريب؟!
وكيف؟!!
... مِن ذاك الفِعْلِ الغادِرِ(!) المُريب؟!
أم تحسَبُ أنَّك تجمعُهُ لولدِك -وقد يسبقهم الأجَلُ دُونَكَ-؟!
أُفٍّ لكِ أيَّتُها الدنيا!
{فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق}..
{وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور}..
تَروحُ لنا الدنيا بغير الذي غَدَتْ
وتحدُثُ من بعدِ الأمورِ أمورُ
وتجري اللَّيالي باجتماعٍ وفُرقةٍ
وتطلُعُ فيها أنْجُمٌ وتَغُورُ
فمَن ظَنَّ أنَّ الدَّهرَ باقٍ سُرورُهُ
فقد ظَنَّ عَجْزاً: لا يدومُ سرورُ
أفلا نتذكَّرُ القبرَ؟!
أفلا نتذكَّرُ ظُلْمَتَهُ؟!
أفلا نتذكَّرُ بَلَاءَهُ وشِدَّتَهُ؟!
أفلا نتذكَّرُ ضَغْطَتَهُ؟!
أفلا نتذكَّرُ ضِيقَهُ؟!
حيثُ لا ينفعُ قريبٌ قريبَهُ..
ولا صديقٌ صديقَهُ..
أفلا نتذكَّرُ أنَّ الباقيَ هُوَ ما في القُبُور..
لا ما في الجُيُوبِ أو القُصُور!
{ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً}..
{.... وَخَيْرٌ مَّرَدًّا}..
ولقد صَدَقَ الإمامُ ابنُ الجَوْزِيِّ فيما وَعَظَ -لِمَنْ يَتَّعِظ!-:
(كلامُك -يا ابنَ آدَمَ- مكتوب...
وقولُك محسوب..
وأنتَ -يا هذا- مطلوب..
ولك ذُنُوب..
وما تتوب؟!
وشمسُ الحياة قد أخذت بالغُروب..
فما أقْسَى قلبَك مِن بينِ القُلوب..)!!!
أم تظنّ نفسَكَ -بِسِحر بيانك، ولحن قولك!- الغالبَ لا المغلوب...
هذا -واللـهِ- ظنٌّ منكوسٌ مقلوب...
فرَبُّك -وحدَه- علّامُ الغُيُوب...
ماذا سَتَنْفَعُنَا -أو تَنفعُك- الدَّراهِمُ والأموال؟!
هل سَتُغَيِّرُ بنا الحال؟!
أمْ أنَّها -كُلًّا- إلى زوال؟!
واضْمِحْلال...
يا مِسْكين.. انفعْ نفسَك..
وتذكَّر أمسَك..
واعملْ لغَدِك...
ولا تَجْمَعْ لمنْ بَعْدَك...
فلن ينفعَك إلا صالحُ عَمَلِك...
ولن يُنجيَك مِن اللـهِ مَحْضُ أمَلِك!! كم تناسَى القبورَ يا مغرورُ
حُفَرٌ ما بها لِعَاصٍ سُرُورُ
وتَعَامَى عنها وأنتَ تراها
وَرَحَاهَا على الأَنامِ تدورُ
كم مِن غَنِيٍّ سَبَقَنَا!
كم مِن سُلطانٍ وأميرٍ مضى عنَّا!!
كم مِن شابٍّ للدنيا تَرَكَنا!!
كم مِن عِبْرَةٍ صَدَعَتْ قلوبَنا!
كم مِن عَبْرَةٍ مَلَأَتْ وُجوهَنا!
ولكنْ:
أين المُتَّعِظُون؟!
أين المُوَفَّقون؟!
أين الذين يَحْيَوْنَ وهم متذكِّرون أنَّهم سيموتون؟!
أين المُراقِبون ربَّهم فيما يفعلون أو يَذَرُون؟!
فاتَّقِ اللهَ حَقَّ تَقواهُ واحْذَرْ
كُلَّ هَوْلٍ يخافُهُ المقبورُ
ودَعِ اللَّهْوَ والبطالَةَ واعْمَلْ
لِلَّتِي عاجلاً إليها تصيرُ
تلك دارُ البقاءِ فَكُلُّ تقيٍّ
في رُبَاها مُكرَّمٌ محبورُ
فكيف إذا كان هذا الجامعُ للمال -على كُلِّ حالٍ ولو بالأوحال!- ظالماً لغيرِهِ، آخِذاً حقوقَهم، غادِراً بهم؟!
اللهُ أكبر...
تاللـهِ إنَّ الأمرَ أشدُّ وأنْكَى... إن لم يَتُبْ -ذاك المُريبُ- أو يُنِبْ!
كُنْتَ الصحيحَ وكُنَّا منكَ في سَقَمٍ
فإنْ سَقِمْتَ فإنَّا السالمون غدَا