اولي المؤمنات (ابناء اللمه)

الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.

MoOn TeArS

:: عضو بارز ::
إنضم
2 أفريل 2007
المشاركات
7,110
النقاط
317
[font=arial (arabic)]هل في الوجود حب كهذا؟‏..‏ هل سمع أحد من يصف حب الحبيبة بمثل هذا الوصف السماوي؟‏!‏ هل اقترن حب من قبل بأنه هبة من الخالق سبحانه؟‏!..‏ هل بلغت عاطفة الحب تلك المكانة المقدسة علي مر الزمان؟‏!..‏ هل ارتقي الحب بمثل هذا القدر ليغدو قدرا ومكتوبا لا دخل فيه للإرادة الشخصية؟‏!‏ هل هناك منزلة أرفع من أن يكون الحبيب هو المصطفي صلي الله عليه وسلم وأن تكون حبيبته هي خديجة بنت خويلد أفضل نساء الجنة؟‏!..‏ هل الحب من عند الله وحده يرزقه لمن يشاء؟‏!..‏ هل الحب توجيه إلهي لا يملك المرء صرفه عن قلبه حتي ليعبر عنه الرسول صلي الله عليه وسلم بقوله في حب خديجة‏:‏ إني قد رزقت حبها‏,‏ والتعبير بقوله رزقت إنما يشير إلي أنه عمل إلهي مثل قوله صلي الله عليه وسلم وهو يقسم بين نسائه اللهم هذا قسمي فيما أملك‏,‏ فلا تلمني فيما تملك ولا أملك‏..‏ بمعني أن قسمة الأمور المادية مستطاع أن يكون فيها عدل بين الزوجات‏,‏ أما الحب فمن الصعب أن يكون فيه عدل بين أكثر من واحدة‏,‏ ولعل ذلك مما يشير إليه قوله تعالي‏:‏ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه‏..‏

خديجة أولي زوجات المصطفي ورفيقة دربه‏,‏ وراية النور في مسيرة وسيرة سيد الخلق‏,‏ وسند الدعم للدعوة الإسلامية‏,‏ وحافز التأييد بالرأي والمشورة والمال والجاه والحسب والنسب في كل ما قال وما كان يقول‏..‏ خديجة التي لم يخترها الرسول صلي الله عليه وسلم‏,‏ وإنما هي التي اختارته‏,‏ ولم يكن اختيارها له مصادفة‏,‏ وإنما لأن الله عز وجل هو من اختارها لتكون بجوار نبيه تؤازره وتشجعه وتدثره وتزمله وتصدقه الرأي وتخلص له المشورة وتعينه علي أعباء حمل الرسالة ونشرها‏..‏ اختارها المولي لتكون صرحا أساسيا في بدايات حياة محمد صلي الله عليه وسلم‏,‏ وفي مراحل تنزيل القرآن وملاقاة الوحي وتعبده في غار حراء ونشر الرسالة‏..‏

هذا التلاقي النوراني والارتباط المحفوف بالتبجيل والتكريم والحفاوة في الأرض وفي السماء كانت له بوادره وأولياته‏,‏ فلم تكن بالمرة الأولي التي عهدت فيها خديجة لمحمد بن عبدالله بتجارة لها لتسعي من بعدها للزواج منه‏..‏ لقد كانت الرحلة الثالثة التي تاجر لها فيها‏,‏ ومن قبلها كان يرعي مع شريك له إبلا لأختها‏,‏ فلما انقضت المدة ذهب شريكه ليتقاضي بقية أجرهما واستحي محمد في الذهاب معه‏..‏ ويتوسط العم أبوطالب لمحمد ليتاجر لها في بلاد الشام وتعده خديجة بضعف ما كانت تعطي لغيره‏,‏ وفي كتاب بحار الأنوار أنها أعطته ناقتها الصهباء‏,‏ ليركبها‏,‏ ومنحته ثوبين من قباطي مصر‏,‏ وجبة عدنية‏,‏ وبردة يمنية‏,‏ وعمامة عراقية‏,‏ وخفين وعصاة من خيرزان‏..‏ ويأتي في البرية رجل لينادي بأعلي صوته في اجتماع نساء مكة في عيد لهن ليقول‏:‏ سيكون في بلدكن نبي يقال له أحمد‏,‏ فمن استطاعت منكن أن تكون زوجا له فلتفعل‏..‏ فحصبنه ــ أي رفضن كلامه ورميناه بالحصي كما كان معتادا أن يرمي المتحدث بالحصباء عند عدم الاستجابة له ــ إلا خديجة التي لم تعرض عنه‏,‏ بل ظلت كلماته تدوي في أعماقها‏,‏ هي التي ظنت أنها قد نفضت يديها من الرجال‏,

‏ ورفضت من الخطاب الكثيرين من سادة قريش وسراة مكة بعدما تزوجت مرتين ومات عنها الزوجان وكانا من كبار التجار‏,‏ مما أورثها عنهما ثروة طائلة وأولهما‏:‏ عتيق بن عابد الذي توفي بعد زواجه منها بعام ونصف العام فقط‏,‏ وأنجبت منه بنتا‏,‏ والثاني النباش بن زراره التميمي الذي أنجبت منه ولدا اسمه هند ــ وكان هند فصيحا بليغا يقول وقد نشأ في كنف رسول الله‏:‏ أنا أكرم الناس أبا وأما وأخا وأختا‏.‏ أبي رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ وأخي القاسم‏,‏ وأختي فاطمة‏,‏ وأمي خديجة رضي الله عنهم وقد قتل هند مع علي في معركة الجمل‏.‏

عاد محمد من تجارته لخديجة ظافرا قادما من الشام وفي صحبته غلامها ميسرة الذي نقل لها ما رآه من عظمة الرجل وكماله وجلاله الذي زاده ما رآه من راهب بحيرا ونبوءته بنبوة محمد‏,‏ وذلك الظل الذي يحمي الرسول صلي الله عليه وسلم من الشمس ساعة الظهيرة‏,‏ وأمور لم يدرك الغلام أبعادها لكن خديجة بشفافيتها وحنكتها أدركت أن محمدا ليس كأي إنسان آخر‏,‏ وعزمت أن تفوز به زوجا‏,‏ وأسرت إلي صديقتها نفيسة بنت منية برغبتها ــ وفيما يرويه ابن الأثير في أسد الغابة أن خديجة رضي الله عنها هي التي عرضت نفسها علي النبي صلي الله عليه وسلم أن تتزوجه قائلة له‏:‏ إني قد اخترتك لقرابتك مني وشرفك في قومك‏,‏ وأمانتك عندهم‏,‏ وحسن خلقك وصدق حديثك‏..‏ وفي هذا المقام قال الإمام البوصيري‏:‏

ورأته خديجـة والتقي والزهد فـيه سجـية والحــياء

وأتاهــا أن الغـمــامـة والســرح أظلــته مـنهما أفــياء

وأحاديث أن وعد رسول الله بالبعث حان منه الوفاء

فدعته إلي الزواج وما أحسـن مـا يبلغ المـني الأذكـياء

فذهب يذكر ذلك لأعمامه ليخرج معه لخطبتها عماه أبوطالب وحمزة ابنا عبدالمطلب‏,‏ وفي بيتها وجدوا قومها في انتظار‏,‏ وكل شيء مهيأ لزواج سريع‏,‏ وتكلم أبوطالب‏:‏ الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل ونسل معد‏,‏ وعنصر مضر‏,‏ وجعلنا حضنة بيته‏,‏ وسواس حرمه‏,‏ وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا‏,‏ وجعلنا حكام الناس‏..‏ ثم إن ابن أخي محمد بن عبدالله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفا ونبلا‏,‏ وفضلا وعقلا‏,‏ وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة‏,‏ وله في خديجة بنت خويلد رغبة‏,‏ ولها فيه مثل ذلك‏..‏ وخطب ورقة بن نوفل وهو ابن عم خديجة فقال‏:‏ الحمد الله الذي جعلنا كما ذكرت‏,‏ وفضلنا علي ما عددت‏,‏ فنحن سادة العرب وقادتها‏,‏ وأنتم أهل ذلك كله‏,‏ لا ينكر العرب فضلكم‏,‏ ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم‏,‏ ورغبنا في الاتصال بحبلكم‏,‏ فاشهدوا علي معشر قريش أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبدالله فقال أبوطالب‏:‏ قد أحببت أن يشركك عمها‏..‏

فقال عمها عمر بن أسد بن عبدالعزي بن قصي‏:‏ اشهدوا علي معشر قريش أني قد زوجت محمدا من خديجة علي صداق قدره عشرون بكرة وقيل كان الصداق اثنتي عشرة أوقية ونشا ذهبا ــ الأوقية قيمتها أربعون درهما‏,‏ والنش عشرون درهما ــ وانتهي العقد في زواج تنبأت به كاهنة لاقتة عند الكعبة بعدما كان قد التقي بنفيسة التي دعته للزواج بصاحبة المال والجمال والشرف السيدة خديجة‏..‏ يومها استوقفته الكاهنة سائلة‏:‏ جئت خاطبا يا محمد؟ فأجابها غير كاذب‏:‏ كلا‏..‏ فتأملته برهة‏,‏ ثم هزت رأسها وهي تقول‏:‏ ولم لا فوالله ما في قريش‏,‏ وإن كانت خديجة‏,‏ من لا تراك كفئا لها‏..‏ هذا ومن بعد الاتفاق بين الجالسين أولم محمد صلي الله عليه وسلم فنحر جزورا‏,‏ وقيل جزورين‏,‏ وأطعم الناس‏,‏ وفتحت دار خديجة للأهل والأصدقاء‏,‏ فإذا بينهم حليمة مرضعة الرسول التي أتت مهنئة من بادية بني سعد لتعود ومعها أربعون رأسا من الغنم هبة من خديجة العروس لمن منحت لبنها لفم الزوج الحبيب رضيعا‏,‏ وكانت ليلة أفراح وسرور أمرت فيها خديجة جواريها بالرقص وضرب الدفوف‏.‏

خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزي بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر‏.‏ وأمها‏:‏ فاطمة بنت زائدة بن الأهم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر‏.‏ عاشت إلي جانب الرسول ينعمان بأطيب حياة زوجية شهدتها مكة‏,‏ واستغرقا في هنائهما خمسة عشر عاما ليرزقهما الله القاسم‏,‏ وعبدالله‏,‏ وزينب ورقية‏,‏ وأم كلثوم وفاطمة ــ وكان للرسول ابن من مارية القبطية هو إبراهيم ــ وقد كان للزوجين في وئامهما وتصبرهما‏,‏ ما أعانهما علي تجرع كأس فقدان ولديهما عندما استرد الله وديعتهما وأولها القاسم وهو رضيع وقد بلغ المشي‏,‏ ليواسي رسول الله صلي الله عليه وسلم أمه بقوله إن له مرضعا في الجنة ليستكمل رضاعته وذلك عندما دخل عليها وهي تبكي قائلة‏:‏ يا رسول الله درت لبينة القاسم ــ تصغير لبنة ــ وتعني بها بقايا اللبن في ثديها ــ فلو عاش حتي يستكمل رضاعته‏!‏ فقال الرسول صلي الله عليه وسلم‏:‏ إن شئت اسمعتك صوته في الجنة‏,‏ فأجابت‏:‏ بل أصدق الله ورسوله‏..‏ ومات عبدالله طفلا في مستهل الدعوة‏,‏ ولعله مما يؤنس إلي هذا‏,‏ قوله تعالي في سورة الكوثر لنبيه الكريم‏:‏ إنا أعطيناك الكوثر‏.‏

فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر وهي سورة مكية مبكرة قال عنها المفسرون إنها نزلت في العاصي بن وائل السهمي أحد أشراف مكة الذين ساروا إلي أبي طالب يسألونه أن يرد ابن أخيه عن الدعوة إلي دينه‏.‏ وكان العاصي ــ فيما نقل ابن اسحق ــ إذا ذكر محمد صلي الله عليه وسلم‏,‏ قال لقومه‏:‏ دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له‏,‏ لو مات لانقطع ذكره واسترحتم من أمره فأنزل الله في ذلك سورة الكوثر التي يفسرها الزمخشري بقوله‏:‏ إن من أبغضك هو الأبتر لا أنت‏,‏ لأن كل من يولد من المؤمنين إلي يوم القيامة أولادك وأعقابك‏,‏ وذكرك مرفوع علي المنابر‏,‏ وعلي لسان كل عالم وذاكر إلي نهاية الدهر‏,‏ فمثلك لا يقال له أبتر‏,‏ وإنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة‏,‏ وإن ذكر فباللعن‏..‏ النبوة اصطفاء لا وراثة‏,‏ وهو عليه الصلاة والسلام قد بعث خاتما للمرسلين لا نبي من بعده‏..‏ ولقد فاضت عاطفة أبوته علي اثنين كانا له بمثابة الولد هما‏:‏ علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة الكلبي من ظل يدعي زيد بن محمد حتي أمر الإسلام‏:‏ ادعوهم لآبائهم وشملت عاطفة الأبوة الكريمة ربيبه هند ابن خديجة وسلمة وأمها أم سلمة من أمهات المؤمنين وحبيبة وأمها أم حبيبة بنت أ
بي سفيان أم المؤمنين‏,‏ ولم تزل حفاوة الرسول صلي الله عليه وسلم عند ملاقاته لهند ــ ابن النباس زوج خديجة الأسبق تتصدر كتب السيرة المحمدية وكيف هش له عندما دخل عليه وكان مستريحا وقت القيلولة ما بين الظهر والعصر فاستيقظ عدما سمع صوته بعد موت خديجة ليضمه إلي صدره هاتفا به هالة هالة هالة‏,‏ كما رواه الطبراني عن عائشة‏.‏

وفي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر تلقي محمد رسالة الوحي إيذانا بعهد جديد ملؤه الاضطهاد والأذي‏,‏ والجهاد‏,‏ ثم النصر‏..‏ فما أن شارف المختار الأربعين حتي كان قد ألف خلوة غار حراء يستجلي برياضته الروحية السر الأعظم‏,‏ وما كانت عين خديجة تغفل عن حراسته ورعايته لتمشي من بيتها لجبل النور حاملة لسيد الخلق طعامه وشرابه فتقطع المسافة ذهابا وإيابا بما يقدر بخمسة كيلومترات وأربعمائة متر‏,‏ وبعدها تصعد الجبل الذي يبلغ ارتفاعه ثمانمائة وستة وستين مترا فوق سطح البحر لتطمئن عليه‏,‏ وتعينه علي ما هو فيه‏,‏ فإن وجدته مستغرقا في تأملاته سادرا في خلوته وضعت الزاد وانسحبت في هدوء حتي لا تخدش أجواء علوية كانت ارهاصات للحدث الجلل‏,‏ وسكونا مهيئا لموكب النور‏,‏ ومهبطا له المقام الرفيع لجبريل والقرآن الكريم‏..‏ و‏..‏ اقرأ باسم ربك الذي خلق‏,‏ خلق الإنسان من علق‏..‏ ويلتمس محمد بيته في غبشة الفجر شاحبا يرجف فؤاده ينفض لدي الحبيبة مخاوفه لتضمه إلي صدرها‏:‏ فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة‏,‏ والله لا يخزيك أبدا‏..‏ إنك لتصل الرحم‏,‏ وتصدق الحديث‏,‏ وتحمل الكل‏,‏ وتقري الضيف‏,‏ وتعين علي نوائب الدهر‏..

‏ ويزايله روعه‏,‏ فما هو بالكاهن ولا من به جنة‏,‏ ويستغرق المختار في نومه المطمئن لتصحبه بعدها إلي ابن عمها العالم الضرير ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبدالعزي وأمه هند بنت أبي كبير بن عبد بن قصي الذي لم يتزوج ولم يعقب أولادا وكان قد تنصر في الجاهلية ويكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء له أن يكتب‏,‏ وكانت خديجة تلجأ إليه لتبثه قلقها وحيرتها وعدم قناعتها بعبادة الأصنام وما كان من نبوءة راهب بحيرا للرسول الذي أخبره بما رأي أولا وأخيرا فاهتز الشيخ انفعالا ليقول في حماسة بالغة قدوس‏..‏ قدوس‏,‏ لقد جاء الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسي وعيسي‏,‏ وياليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ أو مخرجي هم؟ قال‏:‏ نعم‏,‏ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي‏,‏ وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا‏..‏ ويظل ورقة يستبطئ الأمر‏..‏ أمر النبوة الإسلامية ليقول في ذلك‏:‏

لججت وكنت في الذكري لجوجالهم طــــالما بـعــــث النشيجـا

ووصف من خـديجة بعـد وصف فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطــن المكــــتين عـــلـي رجـــــائي حديثك أن أري مـنه خــروجا

بمـــا خــــبرتنا مــــن قــول قــسي من الرهـبان أكــــره أن يعوجا

بأن محمـــدا سيســـــــود قــــوما ويخصم من يكون له حجيجا

ويظــهر في البـــلاد ضــــياء نــور يقـــوم به البــرية أن تمــوجا

فـيـلـقي مـــــن يحــــــاربه خسارا ويـلـقي مــــن يســالمـه فلوجا

فــــيالـيـتـنـي إذا مــا كـــان ذاكـــم شهــدت وكـنت أولهـم ولوجا

ويفتر الوحي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فترة‏,‏ حتي شق عليه ذلك فأحزنه‏,‏ فجاءه جبريل بسورة الضحي‏,‏ يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به‏,‏ ما ودعه وما قلاه‏,‏ فقال تعالي‏:‏ والضحي والليل إذا سجي‏.‏ ما ودعك ربك وما قلي ــ أي ما تركك وما أبغضك منذ أحبك‏.‏ وللآخرة خير لك من الأولي‏..‏ فجعل رسول الله صلي الله عليه وسلم يذكر سرا ما أنعم الله به عليه وعلي العباد من النبوة إلي من يطمئن إليه من أهله إلي أن نادت قريش بعزل النبي صلي الله عليه وسلم وحصاره مع أهله بني هاشم وبني المطلب‏,‏ والتضييق عليهم في شعب أبي طالب‏,‏ ومنع الطعام وكل مقومات الحياة عنهم‏..‏ ولم ترض خديجة ابنة الثراء والنعيم أن تبقي في دارها المترفة تنعم برغد العيش مع أنها لم تكن معنية بتلك المقاطعة‏,‏ وكان بيدها لو أرادت‏,‏ ولها في عشيرتها بني أسد قوة وبأس‏,‏ ولكنها آثرت اللحاق بزوجها الحبيب للاشتراك في الجهاد مما أثر في رجال عشيرتها‏,‏ فكيف يرضون أن تجوع من كانت تغدق بخيراتها علي الجميع فاندفع بعضهم يحمل إليها الطعام سرا‏,‏ ومن بينهم ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد الذي ذهب يحمل لها القمح‏,‏

فيلقاه أبوجهل ليمنعه فتماسك الرجلان ليتدخل ابن عم خديجة أبوالبختري بن هشام الذي يتصدي لأبي جهل فيكيل له الضربات ويلقيه علي وجهه ثم يطؤه بأقدامه‏,‏ ولم تكن خديجة تستأثر بطعام يحمل إليها خلسة وإنما توزعه علي جميع من في الشعب‏,‏ واستمر الحصار اللعين ثلاث سنوات طوال إلي أن أذن الله فأرسل علي الصحيفة الظالمة ــ التي كتبها الكفار ضد محمد صلي الله عليه وآله وصحبه وسلم ـ حشرة الأرضة فأكلتها ولم تبق فيها إلا اسم الله‏,‏ وتهاوي الحصار أمام قوة الإيمان الصادق والمجاهدة الباسلة‏,‏ وآن للنبي صلي الله عليه وسلم أن يعود إلي بيته في جيرة الحرم المكي‏,‏ مع خديجة المؤمنة الصابرة التي أنهكتها سنوات الحصار والمعاناة والخوف علي الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم‏..‏ وبعد ستة أشهر من انهيار الحصار يموت العم أبوطالب من كان لإبن أخيه صلي الله عليه وسلم‏,‏ أبا وصديقا وكافلا وحاميا ومانعا عنه أغوال قريش‏,‏ قومه‏..‏ ولم تشهد خديجة مأتمه فقد كانت في فراشها تحتضر وزوجها صلي الله عليه وسلم إلي جانبها يؤنس وحشة اللحظات الأخيرة‏..‏

ويقول لها‏:‏ يا خديجة أتكرهين ما أري منك‏,‏ وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا‏,‏ وتسلم الزوجة الحبيبة الروح بعد ثلاثة أيام بين يدي الحبيب وهو يطعمها عنبا من الجنة‏ ..‏ من أحبته وصدقته وناصرته وآمنت برسالته منذ فجر ليلة القدر‏,‏ وجاهدت معه حتي الرمق الأخير‏..‏ ويهبط الرسول صلي الله عليه وسلم يدفنها في قبرها بالحجون‏..‏ ولم تمت خديجة فقد ظلت ماثلة أمام زوجها فلزم بيته وأقل الخروج‏,‏ ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع به حتي سمي عام وفاتها بـعام الحزن‏..‏

وما كان يسير إلا وطيف منها يتبعه‏,‏ وما يسري إلا وسني مشرق منها يبدد من حوله حلك الليالي‏,‏ وستدخل بعدها في حياته الزوجات لكن مكانها في قلبه وفي دنياه سيظل أبدا خالصا للزوجة الأولي‏..‏ الحبيبة التي لم تشاركها رجلها أخري لمدة ربع قرن‏,‏ ولا كانت في حياتها معه ظل لشريكة سواها‏,‏ ولم تفلح واحدة بعدها في إبعاد طيفها عنه‏,‏ وكان عندما يذبح الشاة ويقطعها يبعث بأعضائها لصديقات خديجة‏,‏ وهو الذي من بعد أعوام من وفاتها يلمح قلادة جيدها تبعث بها ابنتها زينب شفيعة لزوجها أسير بدر أبي العاص ابن الربيع فيرق قلب المصطفي صلي الله عليه وسلم ويهزه الشجن لتلفه ريحها فيسأل أتباعه الظافرين في الحرب أن يردوا علي زينب قلادتها ــ قلادة أمها خديجة ــ ويفكوا أسيرها‏..‏ وتغار من ذكراها زوجه السيدة عائشة بنت أبي بكر‏:‏ ما حسدت امرأة ما حسدت خدي

جة‏,‏ وما تزوجني رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا بعد أن ماتت‏..‏ وأقول له كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟‏!‏ فيتغير وجهه صلي الله عليه وسلم ويغضب حتي اهتز مقدم شعره من الغضب ليزجر غاضبا‏:‏ والله ما أبدلني الله خيرا منها‏:‏ آمنت بي حين كفر الناس‏,‏ وصدقتني إذ كذبني الناس‏,‏ وواستني بمالها إذ حرمني الناس‏,‏ ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء‏..‏

ويختار مكانا إلي جوار قبرها ليشرف منه علي فتح مكة لتؤنسه روح خديجة التي تصحبه من بعد الفتح وهو يطوف بالكعبة يحطم الأصنام ملتفتا بين آونة وأخري إلي دارهما حيث نهل من نبع الحب والحنان ما تزود به لذلك الجهاد المضني الطويل‏..‏ الدار الذي ارتفع عنها الطريق فينزل إليها ببضع درجات تؤدي إلي ممر علي يساره شبه مصطبة مرتفعة عن الأرض بنحو قدم وطولها عشرة أمتار وعرضها أربعة‏,‏ وعلي اليمين باب صغير يصعد إليه بدرجتين يؤدي إلي طرقة ضيقة عرضها نحو مترين تضم ثلاثة أبواب أولها من الجانب الأيسر يفتح علي غرفة صغيرة مساحتها نحو ستة أمتار كان الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم يتخذها محرابا‏,‏ ويؤدي الباب الأمامي إلي بهو متسع طوله ستة أمتار وعرضه أربعة هو مخدع الزوجين الكريمين‏,‏ والباب الثالث علي يمين الداخل يفتح علي غرفة مستطيلة طولها سبعة أمتار وعرضها أربعة لمبيت ــ بناته منها ــ زينب وفاطمة ورقية وأم كلثوم‏,‏ وبطول الدار من ناحية الشمال فضاء شاسع مساحته ستة عشر مترا في سبعة أمتار يرتفع عن الأرض بحوالي متر‏,‏ كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تستخدمه مخزنا لتجارتها قبل اقترانها بالرسول صلي الله عليه وسلم‏,‏

وباعتزالها التجارة غدت تلك المساحة لاستقبال الضيوف وهذا الوصف التفصيلي للمنزل الكريم جاء في تاريخ الطبري‏..‏

ذلك البيت شاهد نزول جبريل مرات ومرات‏,‏ وفي حجرة المحراب ذات الستة أمتار سألت خديجة الرسول صلي الله عليه وسلم‏:‏ إذا جاءك الوحي أخبرني‏..‏ وكانت تريد أن تعرف حقيقة الوحي‏,‏ فقال لها ذات يوم‏:‏ ها هو ذا يا خديجة قد أتي‏,‏ ولكن خديجة لم تر جبريل رؤي العين مثل نبي الله محمد لأسباب كثيرة تعددت في كتب السيرة‏.‏

خديجة كانت في الأربعين‏,‏ والبعض أخفض السن للخامسة والثلاثين بينما الزوج الحبيب المختار كان لم يزل في الخامسة والعشرين‏,‏ والبعض أخفض السن لما دونها‏..‏ و‏..‏ نجح الارتباط أيما نجاح‏..‏ علي مدي ربع قرن من عشرة الاكتمال وسلاسة الحال لم يكن في القلب والعقل والملاذ والسكن والرفقة وتحت السقف غيرها‏..‏ عاشا معا في تبات ونبات لينجبا الصبيان والبنات‏..‏ كانت لمحمد عزة وجلالا‏..‏ كانت لليتيم بمثابة الأم الرؤوم‏..‏ وكانت للعابد في خلوة الجبل شريكة السكون ومظلة الأمان وحبل الوريد‏..‏ وكانت للبيت سيدة البيت‏,‏ وللزوج قائمة علي رموش العين‏..‏ وكانت للمبتلي بالجحود وعذابات الصدود وإنكار سطوع الشمس والآيات البينات بمثابة الدرع والجدار ورباط الجأش والجراح وبأس الصمود‏,‏ وكانت للمرتجف من زمتة الضم وجلال الموقف وحضور الملاك وإملاء التلقي وقراءة ليس فيها بقارئ ومهمة الأنبياء لحمل رسالة السماء‏..‏ كانت بنت خويلد لها‏..‏ كانت خديجة الأربعين بسعة أفقها ورحابة صدرها وشلال حبها‏..‏ كانت قدها‏..‏ ليكافئها ربها بهبوط جبريل من أجلها برسالة من الله يقرؤها فيها السلام‏,‏ فيأتي ردها من تمام فقهها‏:‏ إن الله هو السلام ومنه السلام‏,‏

وعلي جبريل السلام‏..‏ ويبشرها ربها ببيت في الجنة من قصب ــ لؤلؤ ــ لا صخب فيه ولا نصب‏.‏

محمد‏..‏ من هنا أحبها وقد رزق حبها وقال في حبها‏:‏ أنا أحبها وأحب من يحبها‏..‏ وعندما ماتت قال عنها‏:‏ ما أبدلني الله خيرا منها‏..‏ وما تجاوزت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها في قول الحق عنها‏:‏ كأن لم يكن في الدنيا امرأة سواها‏..‏
[/font]​
 

Silent Hill

:: عضو شرفي ::
إنضم
28 سبتمبر 2007
المشاركات
9,283
النقاط
351
محل الإقامة
TebesSa
سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم

تقبل تحياتي

و صحا فطورك
 

Silent Hill

:: عضو شرفي ::
إنضم
28 سبتمبر 2007
المشاركات
9,283
النقاط
351
محل الإقامة
TebesSa
:: . :ّ بسم الله ّّ: . ::
ربـ،ـي لقد مسـ،ـ،ـني الضـ،ـ،ـر:closedeyes: فإرحمـ،ـ،ـني
خوفا قبـ،ـ،ـ،ـل ان يكون طمعا منـ،ـ،ـي

هذ حبيبي محمد
صلى الله عليه و اله وسلم
قصته ولا اروع و الله
انا رديت عليك من قبل هنا
ما شاء الله
كنت تعرفيني و انا ما نعرفك ابدا
على كل مشكوره يارا
جزاكي الله كل الخير
في رعاية الرحمان
ــــروحي غزةــــ
تحياتي و احترامي و تقديري
ـــــسلامــــــــــــ
:blush:
و اسف على الازعاج و الله
تقبلـــــــــو ا خالص الحب
Silent Hill
ζشيم الروζ
وراء كل امرأة رجل عظيم و ان لم تكن لكان أعظم
Catch Me If You C`an
الـمــм.ş.ήـــ3yit saber wallah ma 9additchـاسنجر
 

MoOn TeArS

:: عضو بارز ::
إنضم
2 أفريل 2007
المشاركات
7,110
النقاط
317
:: . :ّ بسم الله ّّ: . ::

ربـ،ـي لقد مسـ،ـ،ـني الضـ،ـ،ـر:closedeyes: فإرحمـ،ـ،ـني
خوفا قبـ،ـ،ـ،ـل ان يكون طمعا منـ،ـ،ـي
هذ حبيبي محمد
صلى الله عليه و اله وسلم
قصته ولا اروع و الله
انا رديت عليك من قبل هنا
ما شاء الله
كنت تعرفيني و انا ما نعرفك ابدا
على كل مشكوره يارا
جزاكي الله كل الخير
في رعاية الرحمان
ــــروحي غزةــــ
تحياتي و احترامي و تقديري
ـــــسلامــــــــــــ
:blush:
و اسف على الازعاج و الله
تقبلـــــــــو ا خالص الحب
silent hill
ζشيم الروζ
وراء كل امرأة رجل عظيم و ان لم تكن لكان أعظم
catch me if you c`an

الـمــм.ş.ήـــ3yit saber wallah ma 9additchـاسنجر
صلى الله عليه وسلم
ميرسي على ردك
الجميل ياغالي
دمت بود
و
في رعاية الله
 
الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.
Top