من فقهِ السَّلفِ في نشرِ العِلمِ إعزازهُم له و صيانتُه ، وامتناعُهم عن بذله لغيرِ أهلِهِ

الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.

صهيب الرومي

:: عضو متألق ::
أوفياء اللمة
من فقهِ السَّلفِ في نشرِ العِلمِ إعزازهُم له و صيانتُه ، وامتناعُهم عن بذله لغيرِ أهلِهِ



الحمد لله و الصّلاة والسّلام على رسول الله و على آله و صحبه و من اتّبع هداه ؛
و بعد فإنّ صيانةَ العلم و إعزازَه سهمٌ عظيمٌ من سهام الحكمة في الدّعوة ، و مسلكٌ ينبغي أن يفقَهَه كلّ طالب علم يهمّه أمرُ ظهورِ المنهج الحقّ و انتشارِه بين النّاس .
و لا شكّ أنّ عزّة العالِمِ من عزّة العلم ، وشرفُ طالب العلم من شرف ما يطلبُه ، و كلّما عزّ العلمُ عند أهله ، كلّما رأيتَ له مهابةً و توقيرًا لدى عامّة النّاس و خاصّتهم .
بل إنّ عِزّة العلم من عِزّة الدّين ، لهذا كان كثيرٌ من السّلف و الأئمّة يحرصون أن لا يبذلوا العلم إلاّ لأهله ، و يمنعونه عمّن لا يستحقّه و لا يعرفُ له قدْرًا .
رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " لو أنّ أهل العلم صانوا العلمَ و وضعوه عند أهله لسادوا أهلَ زمانهم ، و لكنّهم وضعوه عند أهل الدّنيا لينالوا من دنياهم فهانوا عليهم ". رواه الخلاّل كما في : " الآداب الشرعية " لابن مفلح ( 2/45 ) ، و في رواية عند ابن ماجه و غيره : " و لكنّهم أَتَوا به أهل الدّنيا فاستخفّوا بهم " .
و الأثرُ و إن كان ضعيفًا (1) ، إلاّ أنّ معناه صحيحٌ و عملُ السّلف و أقوالهم تشهدُ له .
فقد عقد الخطيبُ البغداديُّ رحمه الله في كتابه العُجاب : " الجامع لأخلاق الرّاوي و آداب السّامع " بابا لكراهة التّحديث لمن لا يبتغيه و أنّ من ضياعه بذله لغير أهله ، و ساق فيه بأسانيده آثارًا كثيرةً تدلّ على فقه دقيق للسّلف رحمهم الله في هذا الباب (2) ، فهاك أخي القارئ طرفًا منها :
فعن أبي الضّحى عن مسروقٍ قال : " لا تنشر بزّك إلاّ عند من يبغيه " ، قال عبد الله بن الإمام أحمد : قال أبي : يعني الحديث .
و عن عبد الملك بن عمير عن مسروقٍ أيضًا قال : " نكدُ الحديث الكذب ، و آفته النّسيان ، و إضاعته أن تحدّث به غيرَ أهله " .
و عن عكرمةَ قال : " إنّ لهذا الحديث ثمناً . قالوا : و ما ثمنُه ؟ قال : أن يوضع عند من يحسن حفظه ، و لا يضيّعه " .
و عن مطرّفٍ قال : " لا تُطعم طعامك من لا يشتهيه " يريد : لا تحدّث بالحديث من لا يريده .
و عن أبي مسهرٍ قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول في الّذين يضعون الأحاديث عند غير أهلها : " وقع العلمُ عند الحمقى ! " .
و ممّن عرف عنه الشدّة والحزم في هذا سليمان بن مهران الأعمش رحمه الله ، فعن شعبة قال : رآني الأعمش و أنا أحدّث قوما فقال : " ويحك يا شعبة ! تعلّق اللؤلؤ أعناق الخنازير !! " (3) .
و كان الأعمش يوافق عملُه قولَه ، فقد روى عنه الخطيب في الجامع ( ص 173 ) و أبو نعيم في الحلية ( 5/59 ) أنّه لمّا قدم السّواد ، سألوه أن يحدّثهم فأبى ، فقيل له : لو حدّثتهم ، قال : " و من يعلّق الدُّر على الخنازير !! " .
و لا تستغرب أيّها القارئ هذا الكلامَ عن الأعمش ، فقد جاء مثلُه عن الإمام مالكٍ رحمه الله ، رواه الخطيب أيضًا عن أبي مسهرٍ قال : سمعت مالك بن أنس يقول : " طارحُ العلم عند غير أهله كطارح الزّبَرْجَد للخنازير " .
بل إنّ السّلف كانوا يخشون تغيّرالدّين إذا وقع عند غير أهله ؛ فعن الفريابيّ قال : كان سفيان إذا رأى هؤلاء النّبط يكتبون العلم يتغيّر وجهه ! فقلت له يا أبا عبد الله ! نراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتدُّ عليك ، فقال : " كان العلم في العرب و في سادات النّاس ، فإذا خرج عنهم و صار إلى هؤلاء – يعني النِّبط و السِّفلة – غُيّر الدّين !! " (4) .
و من دقّة فقههم رحمهم الله أنّهم كانوا يحتسبون منعهم الحديث ، كما يحتسب أحدُنا نشره العلم وهذه أحسن أحوالنا إن استحضرنا الإخلاص !
قال جرير : سمعتُ مغيرةَ يقول : " إنّي أحتسب في منعي الحديث ، كما تحتسبون في بذله " . (5)
و عن هارون ابن سوار المقرئ قال سمعتُ الفضيلَ بنَ عياض وقيل له : ألا تحدّثنا تؤجر ؟ قال : " على أيّ شيء أُؤجَر ؟ على شيءِ تتفكّهون به في المجالس !؟ " (6) . فالله أكبر ، ما أفهمَهُم رحمهم الله .
و من هذا الباب امتناعُ كثيرٍ من السّلف عن تحديث الأمراء و السّلاطين صيانةً للعلم و إعزازًا لأهله ، و الآثار في هذا الباب كثيرة ، أكتفي منها باثنين عجبي منهما لا ينقضي ، ثانيهما أعجب إليّ من الأوّل :
فعن الحجّاج بن حمزة قال : أتى ابنَ المبارك ابنُ والي خراسان ، فسأله أن يحدّثه ، فأبى عليه ، ولم يحدّثه . فلمّا خرجَ ؛ خرج معه ابنُ المبارك إلى باب الدّار ، فقال له يا أبا عبد الرّحمن ، سألتُك أن تحدّثني فلم تحدّثني و خرجتَ معي إلى باب الدّار ! فقال : " أمّا عن نفسي فأهَنتُها لك ، و أمّا حديث رسول الله صلى الله عليه و سلّم فإنّي أجلّه عنك ! " (7) .
و لمّا دخل ربيعةُ على الخليفة الوليد بن يزيد قال : يا ربيعةُ حدّثنا ! قال : ما أحدّث شيئا ! فلمّا خرج من عنده قال : " ألا تعجبون من هذا الذي يقترحُ عليّ كما يقترح على المغَنِّية ! : حدّثنا يا ربيعة !! ". (8)

فتدبّروا يا طلبة العلم !


____________________________
(1) : فيه نهشل بن بن سعيد متروك ، كذّبه إسحاق بن راهويه . أفاده الشيخ يحي الحجوري في تحقيقه لكتاب أخلاق العلماء لأبي بكر الآجري ، ص 64 .
(2) : انظرها فيه ص 172 و 173 . ط دار الكتب العلمية بترقيم صلاح عويضة .
(3) : ابن عبد البرّ في " جامع بيان العلم " ، مختصره لأبي عبد الرحمن محمود الجزائري ، ص 43 .
(4) : المصدر السابق ، ص 70 .
(5) : الجامع للخطيب ، ص 173 .
(6) : المصدر السابق ، ص 179 تحت باب : من كان يمتنع أن يحدّث من لا نيّة صحيحة له في الحديث .
(7) و (8 ) : نفس المصدر ، ص 177 ، تحت باب : من كان لا يحدّث السّلاطين .
 
مشكور اخي صهيب
تقبل مروري البسيط
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته والله لقد افتقدتك أخي والسلف رضي الله عنهم ورحمهم يقولون ماقالوا في زمانهم فكيف في زماننا 0نسأل الله السلامة بعض التجار لا يبيع تجارته على كل أحد بل يختار زبائنه فكيف بعلم النجاة فكيف بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم 0لو خرجوا فينا اليوم لضربونا بالنعال لما نحن فيه من البعد والسفه والضيعة إلا ما شاء الله 0اللهم سلم سلم 0
 
حفظك الله اخ صهيب
 
توقيع ابو رحيل المهاجر
جزاك الله خيرا
 
الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.
العودة
Top Bottom