إلى المجرحين (الحلقة الثانية)

عبد البر

:: عضو منتسِب ::
رسالة إلى المجرحين
بغيـــــــر ضوابـــــط


( الحلقة الثانية )





ومن أبرز العلامات التي تدلك على بدعية هذا المنهج التجريحي التخريبي و أنه صورة مشوهة، و اختزال فاحش مخل لمنهج السلف، ما تعانيه هذه الجماعة من تآكل داخلي، فلم تعد تستهوي إلا الأحداث، ممن لا يعرف رأسه من قدميه في الدين، أو أصحاب المصالح من الفاشلين في العلم ، الذين يغطون عجزهم و تقصيرهم في حمل رسالة الإسلام إلى كل الآفاق الثقافية و الفكرية بابتغاء العنت لدعاة و علماء السنة العاملين بصدق.
فمنهج هؤلاء هو إفرازات لصفات نفسية تعتري شعورهم فتؤثر على فكرهم و تجعلهم يميلون دائما لناحية التعنت و التصلب،و لذلك لا يستهويهم من صنوف العلم إلا مقالات الطعن في فلان و كشف ضلالات علان، و لعل عداد المواقع الالكترونية يكشف لك عدد القراء لمثل هذه المقالات، و عدد قراء المقالات العلمية.
وهذا الأمر عرف قديما في الخوارج، و حتى تتحقق منه في القوم فإليك بعض أوجه التشابه، تفهم من خلالها أن القواعد المعمول بها في منهج هؤلاء أقصد قواعد الجرح و التعديل، هي قواعد الخوارج، و ليست قواعد أهل الحديث و السنة.
ومعلوم أن للخوارج عقيدة معروفة كما لهم منهج معروف في التعامل مع الأخطاء التي هي في نظرهم أخطاء، و يتسم هذا المنهج بالتسرع في الحكم بموجب الخطأ، و عدم اعتباره للاجتهاد و التأويل وعدم العلم، وغيرها من أعذار شرعية صحيحة.
كما أن علاقتهم ببعضهم البعض ينظمها التوجس من الإخوان، و الحذر منهم، و الكمين لبعضهم البعض، كأنهم لا همّ لهم إلا تصيّد الأخطاء، فهم دائما في استعداد لتلقفها ، و يتوقعونها في كل حين، لذلك عرفوا في التاريخ بسرعة الانشقاق و الانشطار، فكلما حدث فيهم موضوع علمي انقسموا إلى فرقتين أو ثلاث.
و اليوم نجد بعض من ينتسب للسلف قد أخذ بمنهجهم في إهدار حسنات المؤمنين و التركيز على أخطاء أهل العلم، أو بالأحرى تخطئتهم ولو كانوا مصيبين حتى يذعنوا لهم، و يستسلموا لهم، و لا يصدرون إلا عن رأيهم و أمرهم.
ولبيان أن منهج هذه السلفية الشاذة و المنحرفة عن منهج السلف الصالح نذكر بعض أوجه التشابه و المقاربة بينهم و بين الخوارج ، نلمس من خلالها منهج هؤلاء الحقيقي ، ومن أين استمدوه .
ـ يتعامل هؤلاء في العلم ومع الناس بكثير من القواعد الضعيفة يخرجونها في قالب السنة ، وذلك بالتعبير عنها بألفاظ أهل السنة و الجماعة ومصطلحاتهم ، وحتى تعرف ضررهم على الدعوة الإسلامية ، وتعرف أن الألفاظ إذا خالفت مدلولاتها لا تكون عنوانا للحق ، ولا للسنة مهما كان الحال ، فهذه بعض قواعدهم :

1 ـ يخلو فكرهم من الشرط والاستثناء حتى يظهر عليهم ذلك عمليا ، فلا يقيدون أحكام التفسيق و التبديع و التحريم بالشروط و الموانع ، فمتى صدر من المسلم قولا أو فعلا يخالفهم فسقوه و بدعوه.
ولهذا تجدهم لا يثبتون مرتبة ثالثة ، فالناس عندهم إما سنيون و إما مبتدعون ، أما سنيون وقعوا في بدعة أو مخالفة فلا.
و عليه ، لا يقولون بالموازنة حتى عند الترجمة المطلقة كما يقول بها أئمة السنة قديما و حديثا لأنها قول ثالث ، ولا يفاضلون بين المخالفين لهم لأنه قول ثالث ، و لا يقولون بالمصلحة و المفسدة لأنه قول ثالث ، و كذلك الغلاة من الأمة كالخوارج الناس عندهم إما مؤمن و إما كافر.
كذلك لا يفرقون بين مرحلة و مرحلة ، بين فترة وفترة ، بسبب سوء فهمهم لقاعدة التبديع و التفسيق و التحريم و التكفير، فعندهم طاعة الرسول واجبة في جميع الأحوال و بدون شروط أو انتفاء موانع ، أما أهل السنة فيعبر ابن تيمية عن منهجهم المأخوذ من الكتاب و السنة و الإجماع فيقول في(المجموع){71/19}: (( طاعة الرسول إنما تمكن مع العلم بما جاء به و القدرة على العمل به ، فإذا ضعف العلم و القدرة صار الوقت و قت فترة في ذلك الأمر فكان و قت دعوة و نبوة في غيره.))
و ينعكس هذا على هذه الفئة فلا يفرقون في مسألة هجر المبتدعة و مقاطعتهم بين الفترة التي يكون فيها العلم بالسنة منتشرا و أهل السنة أقوياء ، بيدهم الحكم والولايات و القضاء ، وبين الفترة التي تكون فيها السنة مندرسة و أهلها مستضعفين ليس بأيديهم شيء كما صح عن الإمام أحمد و ابن تيمية و كما صح عن ابن عباس و علي بن أبي طالب في قصة ابن الكواء.


2 ـ يعتقدون أن من يخالفهم من العلماء العدول منحرف عن السنة اجتهادا أو بغير اجتهاد ، و أحسن حالهم تخطئته إن كان كبيرا أو صاحب نفوذ .

3 ـ اعتقادهم أن من خالفهم ولم يرجح ما رجحوا فقد ابتدع ، فإن كان صغيرا أو ضعيفا لا سلطة له حطوا عليه و تعصبوا عليه ورموه بكل مصيبة ، و إن كان من الأكابر تجاهلوه أو حطوا عليه في خاصتهم ، أو تأولوا له إذا خفوا سطوته ..

4 ـ يرتبون على تبديع المخالف أحكام الهجر و المقاطعة و التحذير و غير ذلك وهي عند أهل السنة متوقفة على شروط أخرى ، ولا يصار إليها في كل حال ، فيجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دينا يوالون عليه و يعادون من أجله.

5 ـ عندهم المخالف مبتدع يجب مقاطعته و هجره و ذمه وعدم ذكر محاسنه ، ، أما أن يكون سنيا سلفيا مخالفا مجتهدا أو مخطئا يرد عليه و يناظر، ويبين خطأه بدون أن يقاطع و يذم بإطلاق لقيام مصلحة معارضة لذلك فلا.
أو يكون سنيا أخطا في مسألة أو مسألتين فيرد عليه خطاه بدون أن يبدع و يحذر منه فلا.

6 ـ لا يقبلون التنازل عن الخلاف الفرعي لأجل الألفة و الوحدة ، ولا يقولون بالمصلحة والمفسدة ، و يتمسكون بالعمل الشرعي الواحد مهما كان ، ولو كان في التمسك به ضياع أعمال شرعية عظيمة ، و مصالح أكبر منه بكثير، ثم ينسبون ذلك للسلف.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم ترك قتل المنافقين لأجل أمر معنوي ليس هو الألفة ، وتنازل عن اسم الرسالة في صلح الحديبية وغير ذلك من أمثلة.

7 ـ يمتحنون الناس باسم السلفية و يعلقون عليه النجاة و الهلاك ، ولا يتنازلون عن هذا الاسم ـ في الخطاب ـ إذا فرق الأمة و شتتها ، ولو من أجل قبول الناس الحق و غير ذلك ، فلا تجدهم يتعاملون بالأسماء الشرعية كمسلم ومؤمن ، فهذا نادر جدا فيهم بل جل تعاملهم هو سلفي ، مبتدع .
فإذا قلت لهم مثلا : هل يمكن أن يوجد سلفي يرتكب ذنوبا ، فيشرب الدخان؟
يقول لك : لا أبدا هذا لا يكون ، فهو في الحقيقة جعل السلفية مرتبة من مراتب الإيمان ، ربما أعلى من رتبة الإحسان ، فإذا سألته : ألا يوجد من السلفيين من ينمم ، و من يكذب ، و من لا يصل رحمه ، ومن يتخلف عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، وغير ذلك من الذنوب ؟ فكيف علقت النجاة و الهلاك على اسم السلفية ؟
وبناء على مفهومهم للسلفية يجعلونها مذهب بعض أهل العلم ، مما يستلزم أن عوام الأمة ليسوا من الفرقة الناجية ، بل الفرقة الناجية طائفة من الناس لها مذهب دقيق في الدين في العقيدة و المنهج ، أما السواد الأعظم فلا يجدون له مكانة في الفرقة الناجية ، وعندما يعلقون الوعد العام و الوعيد العام على المعين ، فالخطر الدامس قادم.

8 ـ لهم ورع من جنس الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم وفساد القصد ، فالخوارج قتلوا ابن خباب و دفعوا بعد أن تشاجروا ثمن تمرة أكلها أحدهم ، وقد سقطت من نخلة نصراني ، فالواحد منهم يتورع أن يمشي حاسر الرأس ، أو أن يراه الناس في غير زيه الرسمي ، ولا يتورع أن يضلل أهل السنة ، و يطعن في أعراض المسلمين بالكذب و البهتان ، و أن يضلل الأبرياء ، ويسب حتى الموتى أو يلعنهم ؟
قال أحدهم لصديق لي : الآن عرفت السلفية الحقيقية ، فقال له صديقي: ولم؟! فقال له : كنت سابقا أترحم على سيد قطب !

9 ـ يقرؤون السنة يحسبونها لهم وهي عليهم ، فتجدهم يلهجون بالسنة وهم أبعد الناس عن معرفتها ، و أنا أدعوك إلى أن تقرأ كل رسائلهم في المنهج فحاول أن تجد فيها حديثا واحدا من أحاديثه صلى الله عليه وسلم في الرفق و الحلم و اللين ، لا يجدون لها مكانا في منهجهم.
فلا تجد في مراجعهم النصوص التي تخالف هواهم ، وهذا دليل آخر على بدعتهم ومجانبتهم لهدي النبي صلى الله عليه و سلم ، فمثلهم مثل سائر الفرق الزائغة تأخذ بعض السنة فتجعلها ديدنها وتهمل البقية فلا تلتفت إليها ، وهذا وجه آخر تظهر به المفارقة بينهم وبين السنة.

10 ـ مهاجمة أهل السنة و الجماعة خصوصا و المسلمين عموما ، و تتبع عوراتهم شغلهم الشاغل ، و يذرون المنصرين و العلمانيين و الزنادقة وغيرهم ، فلا تجد لواحد منهم ردا على هؤلاء ، و تجد له عشرات الردود على أهل السنة و الجماعة بل لهم المئات منها.
فإن ذكروا بعض هؤلاء فهو مجرد كلام بدون أدلة و لا حجج ولا جهد مبين ، وهم من الأسباب غير المباشرة أو ذات التأثير العكسي لانتشار الأفكار الغالية في بعض الجماعات ، فعندما نحيد عن الموضوع ولا نخوض فيه بمصداقية ، ولا نعمل على إزالة أسبابه يعتقد المخالف ضعف حجتنا فلا يعيرها أدنى اهتمام ، فهؤلاء يعيشون في عالم و الناس في عالم آخر، و يظنون أن الناس سيلتفتون لتصنيفاتهم بمجرد أن يحذروا من الناس ، فمتى لم يثبتوا مصداقيتهم و جدارتهم العلمية كيف يريدون من الناس أن يسمعوا لهم و يتبعوهم ، بل الناس في الحقيقة يرونهم جهالا ، لا يعرفون من دينهم إلا تقسيم الناس إلى سلفي بسلفيتهم ومبتدع .




نحب السلفية ونعتقد هذا المنهج
ولكن
أوردها سعد وسعد مشتمل

ما هكذا يا سعد تورد الابل
 
هل انت تقر بشيء اسمه الجرح و التعديل ام لا
 
هل انت تقر بشيء اسمه الجرح و التعديل ام لا




أخي لو قرأت الحلقات الثلاث من أولها ، قراءة متمعن لا متوجس لعرفت جواب سؤالك .

 
تنبيه: نظرًا لتوقف النقاش في هذا الموضوع منذ 365 يومًا.
قد يكون المحتوى قديمًا أو لم يعد مناسبًا، لذا يُنصح بإشاء موضوع جديد.
العودة
Top Bottom