يوم عرفة...يوم الربح الاعظم

إلياس

:: عميد الأعضاء :: ✍️top5👑
أوفياء اللمة
يومُ عرفة.. يومُ العتقِ الأكبر، وموسمُ الربحِ الأعظم
الحمد لله الملكِ الديّان، واسعِ الفضل والإحسان، الذي جعل لعباده مواسمَ للطاعات، تُضاعف فيها الحسنات، وتُغفر فيها السيئات، وتُرفع بها الدرجات، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجّي من النيران، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خيرُ من صلّى وصام، وذكر الله وقام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من أعظم نعم الله على عباده أن جعل لهم مواسمَ للخيرات، يفتح فيها أبواب رحمته، ويُفيض على أهل الطاعة من بركاته، ومن أجلِّ هذه المواسم، وأعظمها قدرًا، وأرفعها شأنًا: يوم عرفة؛ ذلك اليوم المشهود، والموسم الموعود، الذي تتنزّل فيه الرحمات، وتُقال فيه العثرات، وتُجاب فيه الدعوات، ويُعتَق فيه الرقاب من النار.
إنه اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، خيرُ أيام الدنيا، وأشرفُها عند الله، يومٌ عظّم الله شأنه، ورفع مكانته، وأقسم به في كتابه، وأكمل فيه دينه، وأتمّ فيه نعمته على المؤمنين.
قال الله جل جلاله:
> ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
وقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية العظيمة نزلت على رسول الله ﷺ يوم عرفة في حجة الوداع؛ فكان يومًا اجتمع فيه تمام الدين، وكمال النعمة، واجتماع الأمة على أعظم شعائر الإسلام.
وهو من الأيام الداخلة في العشر التي أقسم الله بها في قوله سبحانه:
> ﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنها عشر ذي الحجة، وهي أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من غيرها، كما صح عن النبي ﷺ.
يومٌ يُباهي الله فيه أهلَ الموقف
ومن أعظم فضائل يوم عرفة ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال:
> «ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يُباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»
يا لها من منزلة عظيمة!
ربُّ السماوات جلّ جلاله يُباهي بأهل عرفة ملائكتَه، ويُظهر فضلهم، ويُشهدهم على عبودية عباده، وهم قد جاءوا شُعثًا غُبرًا، يرجون رحمته، ويخافون عذابه.
فهو يومُ العتق الأكبر، ويومُ الرحمة المنشورة، ويومُ انكسار القلوب بين يدي علام الغيوب.
كم من مذنبٍ غُفر له!
وكم من مكروبٍ فُرِّج كربه!
وكم من داعٍ خرج من يومه وقد كُتبت له الإجابة!
الحجُّ عرفة
وأما الحاج، فإن أعظم أعماله في هذا اليوم: الوقوف بعرفة، وهو ركن الحج الأعظم، بل هو قلب الحج وروحه.
قال النبي ﷺ:
> «الحج عرفة»
رواه أصحاب السنن وصححه أهل العلم.
فمن أدرك عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر فقد أدرك الحج، ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج؛ ولهذا كانت القلوب تهفو إلى ذلك الموقف العظيم، حيث تجتمع الأمة على صعيدٍ واحد، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، الكل واقفٌ بلباس الذل والافتقار، يرجو رحمة العزيز الغفار.
صيام يوم عرفة.. غنيمةٌ باردة لغير الحاج
ومن أجلِّ الأعمال لغير الحاج: صيام يوم عرفة؛ فهو من أعظم القُربات، وأيسر أبواب المغفرة.
ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال عن صيامه:
> «أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده»
أي فضلٍ أعظم من هذا؟
ذنوبُ عامين تُكفَّر بصيام يومٍ واحد!
لكن العلماء بيّنوا أن المراد صغائر الذنوب، أما الكبائر فلا بد لها من توبةٍ صادقةٍ وإنابةٍ نصوح.
أما الحاج، فالسنة في حقه أن لا يصوم يوم عرفة؛ اقتداءً بالنبي ﷺ، حتى يتقوّى على الذكر والدعاء والوقوف.
أعظم ما يُغتنم في يوم عرفة
إن الفائز حقًا في هذا اليوم ليس من مرّ عليه الوقت فحسب، بل من أحسن اغتنامه.
ومن أعظم ما يُستحب فيه:
١- الإكثار من الدعاء
فقد قال ﷺ:
> «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»
فأكثر من سؤال الله خيري الدنيا والآخرة، وألحّ عليه بإلحاح المضطر، وأظهر فقرك وفاقتك إليه.
٢- الإكثار من التهليل والتوحيد
فقد قال ﷺ:
> «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»
فاجعل لسانك رطبًا بذكر الله، تهليلًا وتكبيرًا واستغفارًا.
٣- صدق التوبة
فلعلها ساعةُ نجاة، ولعلها دمعةُ صدق تمحو تاريخًا من التقصير.
تب إلى الله من الذنوب كلها:
من التفريط، والغفلة، والنظر الحرام، والغيبة، والظلم، وقطيعة الرحم.
٤- التكبير المطلق
فإن أيام العشر ويوم عرفة من مواطن التكبير، فيُسن للمسلم أن يرفع لسانه بذكر الله:
> الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
تنبيهٌ مهم على هدي السلف
ومع عظيم فضل هذا اليوم، ينبغي الحذر من البدع والمحدثات؛ فإن العبادات توقيفية، لا يُتقرّب إلى الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ.
فلا يُشرع تخصيص يوم عرفة بأذكار جماعية مبتدعة، أو صلوات مخصوصة، أو أدعية محددة يلتزمها الناس التزامًا تعبديًا بلا دليل.
وكان السلف أشدَّ الناس اتباعًا للسنة، وأبعدَهم عن الابتداع؛ لأن الخير كل الخير في لزوم هدي النبي ﷺ.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله:
> «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»
يا باغي الرحمة.. هذا يومُك
أيها المذنب.. لا تيأس.
أيها المقصّر.. لا تقنط.
أيها المهموم.. أقبل على الله.
فلعل دعوةً خالصة تغيّر قدرك، ولعل دمعةً صادقة تُطفئ بحورًا من الذنوب، ولعل انكسارًا بين يدي الله يكون سببًا في سعادتك في الدنيا والآخرة.
كم من عبدٍ دخل يوم عرفة مثقلًا بالذنوب، وخرج منه وليس عليه خطيئة!
فلا تُفرّط في ساعاتٍ قد لا تعود، ولا تجعل يومك كسائر الأيام؛ فإن الأعمار قصيرة، والمواسم محدودة، والسعيد من اغتنم قبل الفوات.
نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يبلغنا يوم عرفة، وأن يرزقنا فيه صدق الإقبال عليه، وحسن الدعاء، وكثرة الذكر، وأن يجعلنا من المقبولين المعتوقين من النار، وأن يغفر لنا ولوالدينا وأهلينا والمسلمين أجمعين.

اللهم آمين.
 
العودة
Top Bottom