للحضارة الإسلامية أسس قامت عليها، وخصائص تميزت بها عن الحضارات الأخرى، أهمها:
أولاً: العقيدة
جاء الإسلام بعقيدة التوحيد التي تُفرِد الله سبحانه بالعبادة والطاعة، وحرص على تثبيت تلك العقيدة وتأكيدها، وبهذا نفى كل تحريف سابق لتلك الحقيقة الأزلية، قال الله تعالى:{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص: 1-4].
فأنهي الإسلام بذلك الجدل الدائر حول وحدانية الله تعالى،
وناقش افتراءات اليهود والنصارى، وردَّ عليها؛
في مثل قوله تعالى:{ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [التوبة: 30-31].
وقطع القرآن الطريق بالحجة والمنطق على كل من جعل مع الله إلهًا آخر، قال الله تعالى:{ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ،
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [الأنبياء: 21-22].
الإسلام دين شامل، وقد ظهرت هذه الشمولية واضحة جليَّة في عطاء الإسلام الحضاري، فهو يشمل كل جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية، كما أن الإسلام يشمل كل متطلبات الإنسان الروحية والعقلية والبدنية؛ فالحضارة الإسلامية تشمل الأرض ومن عليها إلى يوم القيامة؛ لأنها حضارة القرآن الذي تعهَّد الله بحفظه إلى يوم القيامة، وليست جامدة متحجرة، وترعى كل فكرة أو وسيلة تساعد على النهوض بالبشر، وتيسر لهم أمور حياتهم، ما دامت تلك الوسيلة لا تخالف قواعد الإسلام وأسسه التي قام عليها، فهي حضارة ذات أسس ثابتة، مع مرونة توافق طبيعة كل عصر، من حيث تنفيذ هذه الأسس بما يحقق النفع للناس.
حثت الحضارة الإسلامية على العلم، وشجَّع القرآن الكريم والسنة النبوية على طلب العلم، ففرق الإسلام بين أمة تقدمت علميًّا، وأمة لم تأخذ نصيبها من العلم، فقال تعالى:{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9]. وبين القرآن فضل العلماء، فقال تعالى:{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [المجادلة: 11].
وقال رسول الله مبيِّنًا فضل السعي في طلب العلم:".. من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا؛ سهل الله له به طريقًا إلى الجنة " [رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه]، وقال:" طلب العلم فريضة على كل مسلم " [البخاري وأبوداود والترمذي وابن ماجه].
وهناك أشياء من العلم يكون تعلمها فرضًا على كل مسلم ومسلمة، لا يجوز له أن يجهلها، وهي الأمور الأساسية في التشريع الإسلامي؛ كتعلم أمور الوضوء والطهارة والصلاة، التي تجعل المسلم يعبد الله عبادة صحيحة، وهناك أشياء أخرى يكون تعلمها فرضًا على جماعة من الأمة دون غيرهم، مثل بعض العلوم التجريبية كالكيمياء والفيزياء وغيرهما، ومثل بعض علوم الدين التي يتخصص فيها بعض الناس بالدراسة والبحث كأصول الفقه، ومصطلح الحديث وغيرهما.
لم تغفل الحضارة الإسلامية الجانبين الروحي والمادي في حياة الإنسان، لذلك نجد أن الحضارة الإسلامية برزت في مجالات متعددة؛ بحيث ترقى بالإنسان في كل مستويات حياته، ومظاهر هذه الحضارة هي:
لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهاما كبيرا في تطوير مختلف العلوم بحيث شملت جميع نواحي الحياة كنظام الحكم والإدارة العامة والخلافة والوزارة والقضاء والمظالم والحسبة والشرطة والولايات والبريد والدواوين. كما نالت النواحي العسكرية نصيبها من هذا التطور.
وأبدع المسلمون في علوم الفقه الإسلامي وعلوم اللغة العربية والرياضيات والعلوم الاجتماعية والطبيعية والطب والصيدلة والفلك والترجمة. وحظيت فنون العمارة والزخرفة والصناعة بنصيب وافر منها. وتطورت الزراعة والصناعة وازدهرت التجارة والنقود في ظل هذه الحضارة العريقة التي سادت معظم أرجاء المعمورة لفترة من الزمن امتدت من القرن السابع وحتى القرن الخامس عشر الميلادي فنعمت بالترف الاجتماعي والرخاء الاقتصادي.
أمتنا الإسلامية تاريخها حي, إلا أن حاضرها ميت, لا تكاد تمر بها عاصفة حتى نلوذ إلى الماضي نستلهم منه ومن بعض رموزه الحلول, ولكن حين يتحول هذا التراث إلى ألحان عذبة تتغنى بها الشفاه وتطرب لها القلوب ولا تتحرك للاقتداء بها النفوس فإنه مما لا شك فيه أن هذه الأمة تكتب لنفسها شهادة وفاة بين الأمم التي تتحرك بوعي بصير نحو النهضة والتقدم.
---------
من مقال لـ سيد يوسف
تتردد على مسامعنا اليوم مصطلحات كصراع الحضارات وتصادمها، ويدعي الغرب أنه يسعى جاهدا لإحداث تقارب بينها وحوار...
إنّه كمن كذب كذبة وصدقها!!
فالحضارة الإسلامية كانت رحبة الصدر؛ متسامحة مع غيرها، وضربت الأمثلة الرائعة على ذلك، ففي بغداد كان أشهر المترجمين في بيت الحكمة: "حنين بن إسحاق" و "يوحنا بن ماسويه" و"ابن نويخت"، وهم من غير المسلمين.
وفي بلاد الشام كان التقارب بين المسلمين والمسيحيين مستمرا حتى زمن الحروب الصليبية وهو مااستغرب له الرحالة "ابن جبير" فوصفه قائلا ومن العجب أن النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأوا به بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا إليهم...فأهل الحرب مشتغلون بحربهم والناس في عافية والدنيا لمن غلب).
والأندلس كغيرها من الأقطار الإسلامية جوها يعبق بالتسامح والتلاقح الحضاري، فهذا الفقيه طالوت عندما فرّ من بطش "الحكم الربضي" اختبأ في دار يهودي لمدة سنة، و"عبد الرحمن الناصر" عندما أراد أن يرسل سفارة إلى مملكة نفار أوكلها إلى طبيبه ووزيره اليهودي حسداي بن شبروت،فقمة التسامح أن يكون يهودي سفير لدولة إسلامية.
والأكثر من ذلك أن المسلمين كانوا يشاركون أهل الذمة في مختلف أعيادهم، وأوجه التقارب والتمازج أكبر من أن تحصى أو يحاط بها.
فمن الذي أوجد الصراع الحضاري ومتى تم ّذلك؟!!
-----------------------------
- توفيق الطويل: في تراثنا العربي الاسلامي.
- ابن جبير: رحلة ابن جبير.
الحضارة التي تحافظ على ثقافتها تستمر
وبالتالي تزيد من فترة حياتها،
فإذا تأملنا في التاريخ الإسلامي
نجد أن الحضارة الإسلامية والتي تمثلت بدول عديدة
كالدولة الأموية والعباسية والعثمانية،
لم تسقط إلا بعد أن ضعف ارتباطها بثقافتها
سبق المسلمون غيرهم في تأسيس نظام تعليمي حديث.فقد ظهرت أولى الجامعات متمثلة بالمساجد منذ أكثر من ألف عام، حيث كان العلم الديني والعلم الدنيوي يعلمان جنباً إلى جنب ،
وتعد فاطمة بنت محمد الفهري هي مؤسسة أول جامعة في تاريخ العالم وهي جامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب . وقد كانت " الأوقاف " المؤسسات الخيرية الإسلامية أول من أرسى نظام المنح الدراسية لدعم الطلبة ومساعدتهم على تحمل أعباء الدراسة التعليم
سبق المسلمون غيرهم في تأسيس نظام تعليمي حديث.فقد ظهرت أولى الجامعات متمثلة بالمساجد منذ أكثر من ألف عام، حيث كان العلم الديني والعلم الدنيوي يعلمان جنباً إلى جنب ،
وتعد فاطمة بنت محمد الفهري هي مؤسسة أول جامعة في تاريخ العالم وهي جامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب . وقد كانت " الأوقاف " المؤسسات الخيرية الإسلامية أول من أرسى نظام المنح الدراسية لدعم الطلبة ومساعدتهم على تحمل أعباء الدراسة
شهادة المستشرق الروسي جرابر
"إن العمارة الإسلامية نشأت بوصفها ظاهرة فريدة متميزة بذاتها انبثقت عن مجموع كبير معقَّد من الأشكال السابقة عليها أو المعاصرة لها، إنها مجرد مَثَل واحد لقدرة فريدة لدى المسلمين على تحويل عناصر شكلية أو وظيفية عديدة أخرى إلى شيء إسلامي، وقدرة المسلمين الهائلة على تطويع الأشكال المستمدة من أقاليم عديدة مختلفة بحيث تلبي مقاصد الإسلام ومبادئه" – à العمارة الإسلامية .
الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة الإسلامية بالعلم والعلماء أدى إلى انتشار التعليم وازدهار الفكر على صعيد جميع العلوم والمعارف التطبيقية بالإضافة إلى مختلف الفنون والصناعات
الأندلس التسمية التي تعطى لما يسمى اليوم شبه الجزيرة الايبيريه (جزيرة الأندلس)
في الفترة ما بين أعوام 711 و1492 التي حكمها المسلمون.
تختلف الأندلس عن أندلسيا التي تضم حاليا ثمانية أقاليم في جنوب إسبانيا.
تأسست في البداية كإمارة في ظل الدولة الأموية في الشام،
التي بدأت بنجاح من قبل الوليد بن عبد الملك (711-750)،
بعدها تولتها دولة بني أمية في الأندلس عبد الرحمن الداخل
وبعد سقوط دولة بني أمية تولت الأندلس ممالك غير موحدة عرفوا بملوك الطوائف،
ثم وحدها المرابطون والموحدون قبل أن تنقسم إلى ملوك طوائف
مرة أخرى وزالت بصورة نهائية بدخول فرناندو الثاني
ملك الإسبان مملكة غرناطة في 2 يناير 1492.
أصلها جزيرة الأندلس (والأندلس قد تكون محرفة من وندلس،
إذ اعتادت العرب إبدال الواو ألفًا)، والأندلس لدى العرب القدامى هم فاندال،
وهم شعب جرماني نزحوا من جرمانيا (ألمانيا وبولندا، حاليا)
إلى أيبيريا (إسبانيا والبرتغال، حاليا)، وانتقل جزء كبير منهم أيضا
إلى شمال أفريقيا بعد أن غزا القوط الغربيون أيبيريا (يتأصل القوط الغربيون
من منطقة البحر الأسود، كانوا قبائل آرية). ذكر ابن عذاري المراكشي
في كتابه: البيان المُغْرِب في اختصار أخبار ملوك الأندلس
والمغرب : «وقيل أن أول من نزل الأندلس بعد الطوفان قوم يُعرفون
بالأندلش (بشين معجمة)، فسميت بهم الأندلس (بسين غير معجمة)».
أطلق المسلمون اسم الأندلس على شبه الجزيرة الأيبرية،
وهي تقابل كلمة "فاندالوسيا" (وهي مشتقة من اسم الوندال) التي كانت تطلق
على الإقليم الروماني المعروف باسم باطقة الذي احتلته قبائل الوندال
الجرمانية ما يقرب من عشرين عاماً ويسميهم الحميري الأندليش. ويرى
البعض أنها مشتقة من قبائل الوندال التي أقامت بهذه المنطقة مدة من الزمن،
ويرى البعض الآخر أنها ترجع إلى أندلس بن طوبال بن يافث بن نوح.
تقع الأندلس في الطرف الغربي من أوروبا، وتشمل الآن ما يسمى
أسبانيا والبرتغال، ويفصلها عن قارة أفريقيا مضيق جبل طارق.
ويراد بالأندلس في التاريخ الإسلامي تلك الحقبة الزمنية التي امتدت
من فتح العرب لأسبانيا 91هـ / 711م حتى سقوط غرناطة 897هـ/ 1492م
وهي الفترة التي امتدت نحو ثمانية قرون.
عندما نعرض تاريخنا المشرق ، فإن ذلك لا يعني التباكي ولا التباهي ، إنما هو نوع من بعث الأمل ، بأن كانت لنا حضارة أشرقت شمسها على البشرية أجمع ، وبأننا أحفاد أُناس تصدروا المجد بجدارة.
لم تكن طموحاتهم تقف عن حد، بل كانت تجوب عنان السماء لترتقي بأفكارهم إلى عالم أسمى.
إنهم حقاً أناس صنعوا التاريخ ..