• أهلاً بك زائر في في بيتك الثاني!
    اذا كنت وفيا لمنتدى اللمة بصدق فهو بحاجة لمساهمتك إن مشاركتك ونشاطك يبعثان الحياة فيه ليستمر وينتشر. تفاعل وشاركنا بآرائك، مواضيعك، وإبداعاتك لإثراء المحتوى ونشر الفائدة و كسب الثواب قبل أن نفقد اللمة للأبد كما وقع لباقي المنتديات لاتكتفي بالتفرج.

الحضارة من منظور خاص :

د.سيد آدم

:: عضو مُتميز ::
نعلم أن هناك مميزاتٍ محددةً تَحد كل حضارة على حدة ؛ فهناك من الحضارات ما يكون المميِّز لها هوالجانب العلمي بحسب مفردات منهجه الجاف ، وهناك من الحضارات ما يكون المميز لها هو الجانب العسكري الصارم ، وهناك من الحضارات ما يكون المميز لها هو الجانب الفني الإبداعي . لكن حضارتنا العربية / الإسلامية أهم ما يميزها هو الجانب الأخلاقي ، ولايعني هذا أن حضارتنا العربية / الإسلامية قد أغفلت الجانب العلمي أو الجانب الإبداعي الفني أو الجانب العسكري ، بل هي حضارة تحتضن كل هذه المقومات ثم تضيف إليها الضابط القيمي المتمثل في مباديء الأخلاق ، ولهذا لابد من إحداث / إيجاد رابط بين نهوض الحضارة – أي حضارة – لسبب واحد جوهري بُنيت عليه هذه الحضارة أو تلك وبين أن يكون هذا السبب – نفسه – هو سبب انهيار هذه الحضارة إذا ما أغفله رجالها ، ولذلك كان لابد أن تتنوع دعائم أي حضارة تريد لنفسها أن تكون حضارة مستمرة ، مع عدم إغفال وجود عنصر أساس وجوهري لكنه لا يكون عنصراً وحيداً . وحضارتنا العربية / الإسلامية إنما تأسست – وتتأسس – على دعائم القيم الأخلاقية - كسبب رئيس وجوهري – ويضاف إلى هذه القيم الأخلاقية دعائمُ أخرى علمية وفنية وعسكرية ، ونحن نستند – هنا – إلى أدلة دينية / نقلية من خلال تفسير – نريده واعياً – لبعض آيات القرآن الكريم ، ذلك ونحن بصدد الكلام عن خصائص ومقومات نريدها – ونراها – دعاماتٍ للحضارة العربية / الإسلامية التي نتغياها اليوم قبل غد .
إننا نتمنى وضع مفهوم أولي لقيام – وزوال – الحضارة – أي حضارة – حيث إن لكل حضارة من حضارات الإنسانية مذاقاً خاصاً وإلا لما تميزت من سواها ، ولابد أن تكون تلك الخاصة المميزة للحضارة المعينة هي التي عملتْ على نشأة تلك الحضارة وظهورها ، وذلك عندما كانت تلك الخاصة المميزة في عنفوانها وقوتها ، ثم لابد – كذلك – أن تكون تلك الخاصة المميزة نفسها عندما أصابها ضعف – وفساد – هي علة اندثار الحضارة التي تميزت بها .
ونريد أن يكون معلوماً أنه إذا قلنا إن الحضارة العربية / الإسلامية قد تأسست – وتتأسس – على الأخلاق ، فإن هذا القول لا يعني – أبداً – نفياً لقيم العلم أو الفن أو العسكرية ، فكل ما هنالك أن الحضارة العربية / الإسلامية اجتمعت لها العلوم والفنون ، لكن أهم ما كان بارزاً فيها هو الجانب الأخلاقي ، فالحوادث الأخرى – المؤهِّلة لقيام الحضارة – قد تجتمع في كل حضارة ولكن بمقادير تتفاوت هنا أو هناك ، فنحن إذ نميز الحضارةالمعينة بخاصة ما ، فإنما نريد أن تكون تلك الخاصة – أكثر من سواها – ركيزة أولى يقام عليها البناء ، وبناء الحضارة الإسلامية ركيزته الأخلاق .
ونحاول – الآن – أن نعرض بعضاً من الدلالات الأخلاقية في سورة كريمة من سور المصحف الشريف ... وهي سورة " الفجر " وذلك من خلال مفهومنا للقيم الأخلاقية لمّا تتأسس على المصدرالديني .
وقبل أن يدخلنا البيان القرآني الكريم – من خلال ذلك المفهوم – إلى عالم الأخلاق ليوقظ فينا همة الواجب ، وما الواجب إلا نداء العقل ، نقول إنه قبل الدخول إلى عالم الأخلاق هذا يجدر بنا أن ننظر إلى تقديم القرآن الكريم الكلام في سورة " الفجر " بسياق استفهامي تنبيهي ... وهو : هل في ذلك قَسمٌ لذي حجر ؟ ثم ... ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، وفرعون ذي الأوتاد ؟ .
ولعله من بلاغة النسق القرآني أنه في كلمات قليلة العدد يقدم لنا تصوره / مفهومه للحضارة – وهو مفهوم قائم أساساً على مفاهيم أخلاقية – ذلك حين يقدم لنا ثلاث حضارات سبقت الإسلام . وواضح من النص القرآني أن هذه الحضارات الثلاثة قد كانت دعائمها مؤسسةعلى مفاهيم ، وتصورات ، فنية وجمالية : فحضارة " عاد " برعت في بناء المدن ، فأقامت مدينة " إرم " بشكل قد لا يتصوره خيال ، فهذه المدينة أقيمت من قصور عالية لها طوايق متعددة ، وكانت هذه الطوابق العالية تقام على " عمد " ، هذه العمد / الأعمدة تقام – بدورها – على أسطح الطوابق السفلى ، ما يبدو للناظر من بعيد وكأنها غابة كثيفة من جذوع صخرية قوية .
و " ثمود " عاشت في وادٍ صخري قد لا تجد فيه دافعاً لبقاء – فنماء – حيوان أو نبات ، وكانت معجزة هذه الحضارة – حضارة ثمود – النحت في هذه الصخور ليقيموا بيوتهم وقصورهم .
و " فرعون " وحضارة الفراعنة قد كانت في المهارةالمعمارية كما تبدّى ذلك كله في المسلاّت والتماثيل والمعابد .
وإذا أوضحنا أن هذه الحضارات قد قامت على أسس فنية جمالية ، إلا أنها لم تقرنها بأخلاق النبل والتعاطف والرحمة بين الإنسان والإنسان !!! ، ولهذا جاء في القرآن الكريم " الذين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ، فصب عليهم ربك سوط عذاب ، إن ربك لبالمرصاد . ولعل سبب انهيار هذه الحضارات أن أهلها لم يكونوا يكرمون اليتيم ، ولايطعمون المسكين .
وبإمكاننا أن نتبين ميزة الحضارة العربية / الإسلامية : فهي حضارة " أخلاق " بالدرجة الأولى ، ثم هي حضارة علم وفن بالدرجة الثانية ، ومن ثم تقوم الحضارةالعربية / الإسلامية على مقوم أساس هو بناء الضمائر في النفوس قبل أن تعنى ، أوتهتم ، ببناء مدينة في فخامة إرم ، أو تبدي براعة في تشكيل الصخر العصي بيوتاً وتماثيل ، أو ترفع البناء أوتاداً للهياكل والمعابد ؛ فبالضمائر الحية التي ترسم لأصحابها كيف يكون التعامل الودود بين الناس ...تطمئن النفوس .
ولهذا فإن السورة الكريمة – الفجر – تنهي صورتها التي قدمتها لأهل البصر – والبصيرة – بالقول القرآني " يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي "، ذلك لأن النفس التي رفعت – في دنياها – جوانب الأخلاق وقيمها جنباً إلى جنب مع جوانب العلم والعمل ، صح لها أن تكون نفساً مطمئنةً .
ومن التفسير السابق يتضح لنا جواز أن تضيف الحضارة الإسلامية إلى نفسها فناً وعلماً ، وما شاءت أن تضيف ، لكنها إذا لم تميز نفسها بركيزة الأخلاق ، فربما بقيت " حضارة " لكنها لن تكون – أبداً – إسلامية .
 
يعطيك العافية يا دكتور

أخوك فلسطيني من غزة
 
تنبيه: نظرًا لتوقف النقاش في هذا الموضوع منذ 365 يومًا.
قد يكون المحتوى قديمًا أو لم يعد مناسبًا، لذا يُنصح بإشاء موضوع جديد.
العودة
Top Bottom