التفاعل
1.2K
الجوائز
103
- تاريخ التسجيل
- 11 أكتوبر 2014
- المشاركات
- 532
- آخر نشاط
ما رأيكِ في أخلاق أهل المدينة ؟ قالتها وهي تتأفف وفوجئت بسؤالها .. لأنني كنت أتوقع أن تحدثني عمّا شاهدته في قريتها الصغيرة الواقعة في قلب الرّيف وهي العائدة من زيارة قصيرة قضتها هناك .
وكأنما علمت بما يجول في خاطري فأردفت قائلة : ألا يستحق موضوع كهذا الكتابة فيه ؟ أجبتها على الفور : بل يستحق أن يكون موضوع دراسة اجتماعية واسعة ومتنوعة مدعمة بالشواهد والبيانات التحليلية والنتائج الموحية الموجهة لما يمكن استدراكه والتمسك به قبل فوات الأوان هذا هو الأجدى أما المقالة العابرة فما عساها تفيد ، إلا إذا كنتِ تريدين التملص من أداء الواجب فأنت ابنه الريف المحكوم عليها بالمؤبد في المدينة فيها سكنكِ وفي الجامعة لكِ باعٌ طويل فيما يتصل بالأوضاع الاجتماعية ، قالت : لا أخفي عليكِ أنني صرت أحن إلى الريف أتردد عليه لأنني أجد الراحة بين أهله ، و أكثر ما يلفت انتباهي هذا التباين الآخذ في التنامي بين أخلاقيات وعادات أهل المدينة و أهل الريف ومن العجب أن يتطاول ابن المدينة ويتيه بما اكتسبه من عادات على من سواه والأعجب من ذلك أن يتقبل ابن الريف هذا التطاول و المظهر الزائف لاعتقاده بأن ذلك من علامات التمدن وتلك جناية مدننا الكبرى على ما سواها !! لأنها تعتبر القدوة و المثل الذي ينبغي أن يحتذي به ولكن انظري أي أخلاق وأي عادات نراها سائدة في هذه المدن .
ودعمت كلامها برواية أحد زملائها قال : شاركتُ في جلسة عمل مع مسئولين محليين للنظر في قضايا السكن لفت نظر المسئول وجود رجل يبدو أنه يعرفه معرفة دقيقة فاستغرب وجوده بين طالبي السكن فبادره قائلاً : ماذا تفعل هنا ؟ أم تُراك تريد شقة ثانية ؟
فأجاب الشيخ المرح : جئت لأعيد إليك الشقة .. أنا عائد إلى الريف لقد مضى عليّ أكثر من عام في المدينة لم استطع أن أكوّن صداقة مجرد صداقة جيراني منذ أن قدمت إلى المدينة وأصبحت في هذه العمارة معلقا في شقة بين الأرض و السماء صار لزاما عليّ أن أتعلم كل شيء من جديد فالمشي في الشارع له طريقة خاصة والتعامل في السوق ليس كما عهدته في قريتنا و الجلوس في المقهى لا يوحي لك بالألفة و الاطمئنان إلى الآخرين الذين ينظرون إليك شرزاً كما لو كانوا يستكثرون وجودك بينهم .
بصراحة يا سيدي ... أصبت بالعزلة و الكآبة وان لم يكن ذلك من طبعي بدليل أنني ما أزال كما عهدتني ولهذا قصدت مجلسكم هذه خذوا الشقة و العمارة و المدينة و أعطوني كوخا في الريف قريبا من الأرض مفتوحا على السماء لقد اشتقت إلى رؤية النول ومن ورائه زوجتي وبناتي يبدعن نسج الزربية والبرنس و القشابية اشتقت إلى سماع رنة الهون فاعرف من نغمته الرتيبة نوع المادة التي تهرس والكانون و الخبز والشواء في الهواء الطلق كلّ شيء على الطبيعة
من بعيد نفشي السلام بيننا ونتبادل التحية مع بعضنا البعض نتناول القهوة صباح العيد ما أحلاها وما أسعدنا بتلك اللحظات نتقاسم عن طيب خاطر أضحية العيد
في المدينة أقصد –العمارة- أخذت يوم العيد حصة معتبرة من الأضحية قدمته بنفسي إلى جاري بعد أن تأكدت من أنه لم يضح فقبله منّي على مضض وبعد حين أعادته امرأته إلى زوجتي بحجة أنهم ينتمون إلى سيدي فلان و فلان هذا لا يقبل صدقة العيد .. !!
كل شيء هنا يا سيدي زائف ومصطنع خال من الود والعاطفة ، الناس منكمشون مشمئزون انعزاليون وهنا في الريف نحن على خلاف ذلك تماما نحن شركاء في كل شيء منفتحون على بعضنا البعض نتبادل وجهات النظر في حالات الزواج و الطلاق ومشاكل الأبناء و التخطيط لمستقبلهم ونتقبل آراء بعضنا برحابة صدر بل و أحيانا بامتنان بالغ .
وختم حديثه قائلا : لهذا قصدت مجلسكم الموقر ولعل كلامي هذا يشفع لي عندكم فأنال مبتغاي وتحققون أملي في العيش على الطبيعة بين أهل الطبيعة .
فعلاً ما أكثر ما تسيء المدن الكبرى وتجني على ما جاورها للاعتقاد الخاطئ الذي ترسّخ في أذهان النّاس بأنّ كلّ ما تنتجه المدينة من ( قولٍ وفعلٍ ) يجب أن يكون القدوة و المثل الذي ينبغي إدراكه والعمل على منواله .
ومنعاً للصّيد بين سطور موضوعي : تحيّة كبيرة لآهل المدينة
نحن لا نخلق حواجز بيننا لكنّه جانب من واقعنا المعاش للأسف ...
نحن لا نخلق حواجز بيننا لكنّه جانب من واقعنا المعاش للأسف ...