التفاعل
472
الجوائز
73
- تاريخ التسجيل
- 28 مارس 2014
- المشاركات
- 787
- آخر نشاط
- تاريخ الميلاد
- 6 أكتوبر
(1) :
1- القرآن الكريم :
يقوم اعتقاد أن أنبياءَ اللهِ ، كلَّهم ، إنما بُعثوا لأمور أهمُّها إخراج الناس من " الكفر " إلى الإيمان ؛ وقد اقتضى هذا أن تكون جميع الرسالات السماوية متفقةً في أصول العقائد ، وفي " كل ما ترتاح إليه العقول السليمة والنفوس القويمة ". ذلك إذا وضعنا في الاعتبار / الحسبان أن أول ما كان يدعو إليه هذا النبي أو ذاك هو " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ".
كذلك يقوم اعتقاد في أن آخر الرسل هو محمد ، صلى الله عليه وسلم ... " ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً ". وأن آخر الرسالات هي رسالة الإسلام ... " اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً " .
وعليه يمكن لنا القول بعدة إشارات تجمع الذي أهّل هذه الرسالة أن تكون " الخاتمة " :
• رعاية مصالح الناس ، فأَسّس العلماء – الأصوليون تحديداً – مصطلحات رابطة ضابطة ... منها
- " حيثما تكن المصلحة ، فثمّ شرع الله " .
- و " دفع المفسدة مقدّم على جلب المصلحة " .
- و " كل تصرّف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل " .
- و " العبرة بالهدف من التشريع لا اللفظ فيه " .
- و " التعبد يكون في نصوص العبادات ، أما نصوص المعاملات فالمصلحة فيها أظهر ، ومخالفة ظاهر لفظها انحيازاً للمصلحة القائمة ليست تنكراً للتعبد " .
- و " الأصل في العبادات أن الشارع قصد منها ، في المقام الأول ، الامتثال ، ولا دخلَ لاعتبار المصالح فيها. والأصل في المعاملات أن الشارع قصد منها ، في المقام الأول ، تحصيل مصالح الناس " .
- و " تخصيص المعقول للمنقول حال تعارضا وتعذّرَ التوفيق " .
- و " الله لا يشرّع لكماله ، بل لنقصان البشر " .
... ولذا جاء القول الحكيم يصف نبيه محمداً ، صلى الله عليه وسلم " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " . وجاء يصف القرآن الكريم " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ".
• تأسيس مفاهيم مؤكدة حول التسامح واليسر ورفع الحرج : ... " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " ،
... : و " ولا تنسوا الفضل بينكم " ،
... : و " فإن كان ذو عسرةٍ فَنَظِرَةٌ إلى ميسرة " ،
... : و " يريد الله أن يخفف عنكم " ،
... : و " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " ،
... : و " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها "... وجاءت أقول النبي :
... : " إن الدين يسر " ،
... : و " هلك المتنطعون " ... ولا شك أن هناك القاعدةَ التي تبيح للمُكْرَه أن يتلفّظ بكلمة الكفر تأميناً لنفسه ودفعاً للحرج عنه ، ما دام قلبه مطمئناً للإيمان.
• التأكيد على أن صحة قيام المجتمعات إنما تتم على أسس العدل وأحكامه ... وقد جاءت الآيات :
- " وأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " ،
- و " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى " ،
- و " اعدلوا هو أقرب للتقوى ".
وجاءت الآثار :
- " إن الله يقيم الدولة الكافرة مع العدل ، ولا يقيم الدولة المسلمة مع الظلم " ،
- و " إنصفْ الناسَ من نفسك ، ومن خاصةِ أهلِك ، ومَنْ لك هوىً فيه من رعيتك ؛ فإنك إنْ لم تفعلْ ذلك تكن ظالماً ، ومن ظلمَ عبادَ الله كان الله خَصمَه ، ومن خاصمه الله أدحض حجته ".
ونعتقد أنه قد تأسست أحكام الشرع ، إسلامياً ، على أسس / مصادر عِدة ... يبرز ، كأهمها ، كلٌّ من القرأن الكريم والسنة مصدرين أولين : فالقرآن الكريم هو " الكلام المنزّل على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلاً متواتراً " ... حتى قيل ، شرحاً لهذا التعريف الأصولي ( القرآن هو المنزل على الرسول ، المكتوب في المصاحف ، المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة . والقرآن هو العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها ) . وهذا التعريف عندما يقـاس على الحـدود المنطقية نجد أنه بـذكر " المنزّل على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، المكتوب في المصاحف " قد استبعد كل الكـتب والأحاديث القدسية والأحاديث النبوية ، لكونها – الكتب ماعدا القرآن الكريم – لم تنزّل على الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، ولكونها – الأحاديث القدسية والأحاديث النبوية – لم تكتب في المصاحف ... هذا ويمكننا القول " إن تسمية القرآن الكريم " كتاباً " قد جاءت ، أولَ مرة ، في سورة " ص " في الآية رقم 29 في قوله تعالي " كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ". ولهذا الأمر معنيان :
الأول : أن القرآن الكريم هو أول شيء كتبه العرب وفق طرق خاصة ومعايير خاصة ولوظائف خاصة . كل هذه الأشياء تجعله – بكل المقاييس – غير ما كتبه العرب ، سواء في طرق كتابته ، أو معاييره ، أو وظائفه .
الثاني : أن القرآن الكريم باعتباره " كتاباً " قد أعطى العرب حق الوجود – بكل معانيه – أمام اليهود والنصارى ؛ فقد كان العرب " أميين " أمام هؤلاء " أهل الكتاب " ، وكانوا يتمتعون باحترام العرب لأنهم " أهل كتاب " ، أما العرب فهم " مشركون " و "عبدة أصنام " أو " عبدة أوثان " . ولم يكتف القرآن الكريم بأنه رفع قدر المنتسبين إليه ، بل إنه أشار إلى أنه " الكتاب " كي يحد من غلواء التعالي عند " أهل الكتاب " ، ثم هو " كتاب عربي " و " بلسان عربي " ، لمعرفة الفارق – وهو فارق جد مهم – بينه وبين أهل الكتاب السابقين ولسانهم ، من ناحية ، والعرب المسلمين ، من ناحية ثانية ". ولـما ذكـر هذا التعريف " المنقول إلينا نقلاً متواتراً " فقد اسـتبعد كــل مــا نـقل إلـينا غيـر متـواتر ، مـثل الـقراءات الشــــاذة ... مثل " قراءة ابن مسعود لقوله تعالى في سورة المائدة الآية رقم19 " فصيام ثلاثة أيام " . ثم زاد " متتابعات " " . أو الأحادية ... مثل " قراءة ابن مسعود لقوله تعالى في سورة الرحمن الآية رقم 76 " وعباقري حسان " بالجمع بدلاً من " عبقري حسان " .
أو هو " اللفظ العربي المنزّل للتدبر والتذكر، المتواترُ " . وهذا التعريف لما ذكر " اللفظ " وهو جنس تحته أنواع هي الكتب السماوية وغير السماوية . وبإضافة " العربي " إلى " اللفظ " فقد استبعد التعريف كل ما هو غير عربي ، سواء كان كتباً سماوية أو غير سماوية ، فلم يُبق إلا على ما هو عربي . لكنه لما ذكر " المنزّل " فقد استبعد كل ما هو غير منزّل من الكتب العربية . ولما ذكر " للتدبر والتذكر " ، فقد زاد العلاقة بالقرآن وضوحاً ، مع التسليم بأن هذين اللفظين ليسا من لزوميات التعريف . ولما ذكر " المتواتر" فقد استبعد كل ما ليس متواتراً ، مثل القراءات الشاذة والأحادية .
أو هو " الكلام المنزّل للإعجاز بسورة منه " . وهذا التعر يف لما ذكر " المنزّل " فقد استبعد كل كلام ليس منزّلاً . ولما ذكر " للإعجاز" فقد استبعد كل كلام منزّل لكنه لـم يتنزّل للإعجاز ، مثل الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم ، وكذلك السّنّة ، فكلاهما ليس للإعجاز .
والقرآن الكريم ، بآياته ، ضمّ أحكاماً ... منها :
- ما له تعلّق بالاعتقاد / العقيدة ... كالإيمان بالله تعالى والملائكة والكتب المنزّلة والرسل / الأنبياء واليوم الآخر .
- ما له تعلق بالعبادات التي نحن ملزَمون أداءها طالما رضينا بهذا الدين ديناً ، وبربه ربّاً وإلهاً ، وبنبيه نبياً ورسولاً ... كالصلاة والزكاة الصيام والحج .
- ما له تعلق بالآداب العامة / مكارم الأخلاق ، ولعل منها الصدق والعدل والبر .
- ما له تعلق بالمعاملات السائرة بين الناس اجتماعياً واقتصادياً ، وهي خطوط عريضة تستلهم كلياتها من المباديء العامة للشرع ، وذلك لصياغة ما يحتاجه المجتمع من قوانين تعم سائر المجالات الحياتية . وعسى هذا الأخير أن يُبْقي العلاقة بين النص " وهو ثابت " والواقع / المجتمع " وهو / هما متغيران " مفتوحةً بأفق واسع أوسع مما يُتصور ، أو يراد ، كما عساه أن يبين حق المسلم أن يفهم النص الديني مباشرةً بحسب آليات الفهم المنطقية لا الانتقالية .
- ما له تعلق بالأسرة من زواج وطلاق وإرث .
- ما له تعلق بالعقوبات التي لها تعلق بالجرائم الداخلية كالسرقة والقتل ، والخارجية كالتجسس .
- ما له تعلق بأنظمة الحكم ... وهذه يقيمها الشرع على مباديء عريضة / عامة ، أهمها العدل ورعاية الحقوق والأمانات والشورى.
يخلص الأصوليون ، هنا ، إلى التأكيد على أن أنواع الأحكام التي اشتملها القرآن الكريم ثلاثة أنواع ... هي " أحكام اعتقادية ، وأحكام عملية ، ُوأحكام خُلُقية " .
بمعنى أن هناك ثلاثة أوجه لإسلام المرء : وجهٌ عقدي ، وثاني تشريعي ، وثالث ينبثق عن هذين لزومَ ما يلزم ... وهو الجانب الأخلاقي .
ونرى أن جميع الأحكام التي كلّفنا اللهُ تعالى بها واجبة الطاعة ؛ فكل حكم مأمور به أو منهيٍّ عنه ، فالناس ، ما آمنوا بالقرآن وربه ورسوله ، مأمورون أن ينفذوه ، ما دام الأمر ، أو النهي ، يستند إلى النص القرآني .
والقرآن الكريم ، مصدرياً ، قطعي الثبوت ... أي أن كل آياته الكريمة هي من الله تعالى وروداً . لكنه ، دلالياً قسمان ؛ إما أن تكون الآية قطعية الدلالة / الحكم ... بمعنى أن النص لا يحتمل تأويلاً ولا فهماً غير ما نص عليه ظاهر الآية ، كقوله تعالى " قل هو الله أحد " . فلا مجال لفهمها إلا عبر وجهٍ واحد : الله واحد لا شريك له لا في وجوده ولا في صفاته سلباً أو إيجاباً . وكقوله تعالى " ولكم نصف ما ترك أزواجكم إنْ لم يكن لهن ولد " . فهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة / وحيدة على أن الزوج ، حال ماتت زوجته ولم يكن لها ولد ذكراً كان أو أنثى ، له أن يرث نصف المتروك عن زوجته المتوفاة . وإما أن تكون الآية ظنية الدلالة / الحكم ... بمعنى أن النص ليس يحتمل معنىً واحداً ، بل هو يحتمل أكثر من معنى ، كقوله تعالى " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " . فللبعض القول إنها صلاة العصر ، وللبعض أن يقول غير ذلك . وكقوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " . فقد فُسّرت بغير تفسير واحد تأسيساً على فهم كلمة " قروء " وهي " جمع قرء ، والقرء ، في اللغة ، يُطلق بمعنى الطُهر ، ويطلق بمعنى الحيض . فاللفظ – من ثم – مشترك من حيث اللغة بين معنيين " . وهذا تأدى بالفقهاء أن يختلفوا من حيث كون الآية الكريمة " ظنية الدلالة " : فالأحناف والحنابلة ، وقد أخذوا بالقول اللغوي إن القرء هو الحيض ، قالوا " على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدةَ ثلاث حيضات بدون زواج ، ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إذا شئن " . والمالكية والشافعية ، وقد أخذوا بالقول اللغوي إن القرء هو الإطهار ، قالوا " على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاثة أطهار دون زواج ، ثم بعد ذلك يتزوجن إذا شئن ".
يُتْبع ...
1- القرآن الكريم :
يقوم اعتقاد أن أنبياءَ اللهِ ، كلَّهم ، إنما بُعثوا لأمور أهمُّها إخراج الناس من " الكفر " إلى الإيمان ؛ وقد اقتضى هذا أن تكون جميع الرسالات السماوية متفقةً في أصول العقائد ، وفي " كل ما ترتاح إليه العقول السليمة والنفوس القويمة ". ذلك إذا وضعنا في الاعتبار / الحسبان أن أول ما كان يدعو إليه هذا النبي أو ذاك هو " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ".
كذلك يقوم اعتقاد في أن آخر الرسل هو محمد ، صلى الله عليه وسلم ... " ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً ". وأن آخر الرسالات هي رسالة الإسلام ... " اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً " .
وعليه يمكن لنا القول بعدة إشارات تجمع الذي أهّل هذه الرسالة أن تكون " الخاتمة " :
• رعاية مصالح الناس ، فأَسّس العلماء – الأصوليون تحديداً – مصطلحات رابطة ضابطة ... منها
- " حيثما تكن المصلحة ، فثمّ شرع الله " .
- و " دفع المفسدة مقدّم على جلب المصلحة " .
- و " كل تصرّف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل " .
- و " العبرة بالهدف من التشريع لا اللفظ فيه " .
- و " التعبد يكون في نصوص العبادات ، أما نصوص المعاملات فالمصلحة فيها أظهر ، ومخالفة ظاهر لفظها انحيازاً للمصلحة القائمة ليست تنكراً للتعبد " .
- و " الأصل في العبادات أن الشارع قصد منها ، في المقام الأول ، الامتثال ، ولا دخلَ لاعتبار المصالح فيها. والأصل في المعاملات أن الشارع قصد منها ، في المقام الأول ، تحصيل مصالح الناس " .
- و " تخصيص المعقول للمنقول حال تعارضا وتعذّرَ التوفيق " .
- و " الله لا يشرّع لكماله ، بل لنقصان البشر " .
... ولذا جاء القول الحكيم يصف نبيه محمداً ، صلى الله عليه وسلم " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " . وجاء يصف القرآن الكريم " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ".
• تأسيس مفاهيم مؤكدة حول التسامح واليسر ورفع الحرج : ... " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " ،
... : و " ولا تنسوا الفضل بينكم " ،
... : و " فإن كان ذو عسرةٍ فَنَظِرَةٌ إلى ميسرة " ،
... : و " يريد الله أن يخفف عنكم " ،
... : و " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " ،
... : و " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها "... وجاءت أقول النبي :
... : " إن الدين يسر " ،
... : و " هلك المتنطعون " ... ولا شك أن هناك القاعدةَ التي تبيح للمُكْرَه أن يتلفّظ بكلمة الكفر تأميناً لنفسه ودفعاً للحرج عنه ، ما دام قلبه مطمئناً للإيمان.
• التأكيد على أن صحة قيام المجتمعات إنما تتم على أسس العدل وأحكامه ... وقد جاءت الآيات :
- " وأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " ،
- و " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى " ،
- و " اعدلوا هو أقرب للتقوى ".
وجاءت الآثار :
- " إن الله يقيم الدولة الكافرة مع العدل ، ولا يقيم الدولة المسلمة مع الظلم " ،
- و " إنصفْ الناسَ من نفسك ، ومن خاصةِ أهلِك ، ومَنْ لك هوىً فيه من رعيتك ؛ فإنك إنْ لم تفعلْ ذلك تكن ظالماً ، ومن ظلمَ عبادَ الله كان الله خَصمَه ، ومن خاصمه الله أدحض حجته ".
ونعتقد أنه قد تأسست أحكام الشرع ، إسلامياً ، على أسس / مصادر عِدة ... يبرز ، كأهمها ، كلٌّ من القرأن الكريم والسنة مصدرين أولين : فالقرآن الكريم هو " الكلام المنزّل على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلاً متواتراً " ... حتى قيل ، شرحاً لهذا التعريف الأصولي ( القرآن هو المنزل على الرسول ، المكتوب في المصاحف ، المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة . والقرآن هو العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها ) . وهذا التعريف عندما يقـاس على الحـدود المنطقية نجد أنه بـذكر " المنزّل على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، المكتوب في المصاحف " قد استبعد كل الكـتب والأحاديث القدسية والأحاديث النبوية ، لكونها – الكتب ماعدا القرآن الكريم – لم تنزّل على الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، ولكونها – الأحاديث القدسية والأحاديث النبوية – لم تكتب في المصاحف ... هذا ويمكننا القول " إن تسمية القرآن الكريم " كتاباً " قد جاءت ، أولَ مرة ، في سورة " ص " في الآية رقم 29 في قوله تعالي " كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ". ولهذا الأمر معنيان :
الأول : أن القرآن الكريم هو أول شيء كتبه العرب وفق طرق خاصة ومعايير خاصة ولوظائف خاصة . كل هذه الأشياء تجعله – بكل المقاييس – غير ما كتبه العرب ، سواء في طرق كتابته ، أو معاييره ، أو وظائفه .
الثاني : أن القرآن الكريم باعتباره " كتاباً " قد أعطى العرب حق الوجود – بكل معانيه – أمام اليهود والنصارى ؛ فقد كان العرب " أميين " أمام هؤلاء " أهل الكتاب " ، وكانوا يتمتعون باحترام العرب لأنهم " أهل كتاب " ، أما العرب فهم " مشركون " و "عبدة أصنام " أو " عبدة أوثان " . ولم يكتف القرآن الكريم بأنه رفع قدر المنتسبين إليه ، بل إنه أشار إلى أنه " الكتاب " كي يحد من غلواء التعالي عند " أهل الكتاب " ، ثم هو " كتاب عربي " و " بلسان عربي " ، لمعرفة الفارق – وهو فارق جد مهم – بينه وبين أهل الكتاب السابقين ولسانهم ، من ناحية ، والعرب المسلمين ، من ناحية ثانية ". ولـما ذكـر هذا التعريف " المنقول إلينا نقلاً متواتراً " فقد اسـتبعد كــل مــا نـقل إلـينا غيـر متـواتر ، مـثل الـقراءات الشــــاذة ... مثل " قراءة ابن مسعود لقوله تعالى في سورة المائدة الآية رقم19 " فصيام ثلاثة أيام " . ثم زاد " متتابعات " " . أو الأحادية ... مثل " قراءة ابن مسعود لقوله تعالى في سورة الرحمن الآية رقم 76 " وعباقري حسان " بالجمع بدلاً من " عبقري حسان " .
أو هو " اللفظ العربي المنزّل للتدبر والتذكر، المتواترُ " . وهذا التعريف لما ذكر " اللفظ " وهو جنس تحته أنواع هي الكتب السماوية وغير السماوية . وبإضافة " العربي " إلى " اللفظ " فقد استبعد التعريف كل ما هو غير عربي ، سواء كان كتباً سماوية أو غير سماوية ، فلم يُبق إلا على ما هو عربي . لكنه لما ذكر " المنزّل " فقد استبعد كل ما هو غير منزّل من الكتب العربية . ولما ذكر " للتدبر والتذكر " ، فقد زاد العلاقة بالقرآن وضوحاً ، مع التسليم بأن هذين اللفظين ليسا من لزوميات التعريف . ولما ذكر " المتواتر" فقد استبعد كل ما ليس متواتراً ، مثل القراءات الشاذة والأحادية .
أو هو " الكلام المنزّل للإعجاز بسورة منه " . وهذا التعر يف لما ذكر " المنزّل " فقد استبعد كل كلام ليس منزّلاً . ولما ذكر " للإعجاز" فقد استبعد كل كلام منزّل لكنه لـم يتنزّل للإعجاز ، مثل الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم ، وكذلك السّنّة ، فكلاهما ليس للإعجاز .
والقرآن الكريم ، بآياته ، ضمّ أحكاماً ... منها :
- ما له تعلّق بالاعتقاد / العقيدة ... كالإيمان بالله تعالى والملائكة والكتب المنزّلة والرسل / الأنبياء واليوم الآخر .
- ما له تعلق بالعبادات التي نحن ملزَمون أداءها طالما رضينا بهذا الدين ديناً ، وبربه ربّاً وإلهاً ، وبنبيه نبياً ورسولاً ... كالصلاة والزكاة الصيام والحج .
- ما له تعلق بالآداب العامة / مكارم الأخلاق ، ولعل منها الصدق والعدل والبر .
- ما له تعلق بالمعاملات السائرة بين الناس اجتماعياً واقتصادياً ، وهي خطوط عريضة تستلهم كلياتها من المباديء العامة للشرع ، وذلك لصياغة ما يحتاجه المجتمع من قوانين تعم سائر المجالات الحياتية . وعسى هذا الأخير أن يُبْقي العلاقة بين النص " وهو ثابت " والواقع / المجتمع " وهو / هما متغيران " مفتوحةً بأفق واسع أوسع مما يُتصور ، أو يراد ، كما عساه أن يبين حق المسلم أن يفهم النص الديني مباشرةً بحسب آليات الفهم المنطقية لا الانتقالية .
- ما له تعلق بالأسرة من زواج وطلاق وإرث .
- ما له تعلق بالعقوبات التي لها تعلق بالجرائم الداخلية كالسرقة والقتل ، والخارجية كالتجسس .
- ما له تعلق بأنظمة الحكم ... وهذه يقيمها الشرع على مباديء عريضة / عامة ، أهمها العدل ورعاية الحقوق والأمانات والشورى.
يخلص الأصوليون ، هنا ، إلى التأكيد على أن أنواع الأحكام التي اشتملها القرآن الكريم ثلاثة أنواع ... هي " أحكام اعتقادية ، وأحكام عملية ، ُوأحكام خُلُقية " .
بمعنى أن هناك ثلاثة أوجه لإسلام المرء : وجهٌ عقدي ، وثاني تشريعي ، وثالث ينبثق عن هذين لزومَ ما يلزم ... وهو الجانب الأخلاقي .
ونرى أن جميع الأحكام التي كلّفنا اللهُ تعالى بها واجبة الطاعة ؛ فكل حكم مأمور به أو منهيٍّ عنه ، فالناس ، ما آمنوا بالقرآن وربه ورسوله ، مأمورون أن ينفذوه ، ما دام الأمر ، أو النهي ، يستند إلى النص القرآني .
والقرآن الكريم ، مصدرياً ، قطعي الثبوت ... أي أن كل آياته الكريمة هي من الله تعالى وروداً . لكنه ، دلالياً قسمان ؛ إما أن تكون الآية قطعية الدلالة / الحكم ... بمعنى أن النص لا يحتمل تأويلاً ولا فهماً غير ما نص عليه ظاهر الآية ، كقوله تعالى " قل هو الله أحد " . فلا مجال لفهمها إلا عبر وجهٍ واحد : الله واحد لا شريك له لا في وجوده ولا في صفاته سلباً أو إيجاباً . وكقوله تعالى " ولكم نصف ما ترك أزواجكم إنْ لم يكن لهن ولد " . فهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة / وحيدة على أن الزوج ، حال ماتت زوجته ولم يكن لها ولد ذكراً كان أو أنثى ، له أن يرث نصف المتروك عن زوجته المتوفاة . وإما أن تكون الآية ظنية الدلالة / الحكم ... بمعنى أن النص ليس يحتمل معنىً واحداً ، بل هو يحتمل أكثر من معنى ، كقوله تعالى " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " . فللبعض القول إنها صلاة العصر ، وللبعض أن يقول غير ذلك . وكقوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " . فقد فُسّرت بغير تفسير واحد تأسيساً على فهم كلمة " قروء " وهي " جمع قرء ، والقرء ، في اللغة ، يُطلق بمعنى الطُهر ، ويطلق بمعنى الحيض . فاللفظ – من ثم – مشترك من حيث اللغة بين معنيين " . وهذا تأدى بالفقهاء أن يختلفوا من حيث كون الآية الكريمة " ظنية الدلالة " : فالأحناف والحنابلة ، وقد أخذوا بالقول اللغوي إن القرء هو الحيض ، قالوا " على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدةَ ثلاث حيضات بدون زواج ، ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إذا شئن " . والمالكية والشافعية ، وقد أخذوا بالقول اللغوي إن القرء هو الإطهار ، قالوا " على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاثة أطهار دون زواج ، ثم بعد ذلك يتزوجن إذا شئن ".
يُتْبع ...