التفاعل
5.4K
الجوائز
1.3K
- تاريخ التسجيل
- 14 جويلية 2011
- المشاركات
- 5,188
- آخر نشاط
- تاريخ الميلاد
- 26 جانفي 1915
الكاتب:
الهادي الحسني
2015/03/16
يُنطق الله - عز وجل - بعض عباده بكلمات تبدو حين النطق بها مستحيلة، ولكن بتداول الأيام وتعاقب الأعوام يتحقق منطوق تلك الكلمة.
ومما أنطق الله - سبحانه وتعالى - به عبده الصالح محمد العيد آل خليفة بيتا من الشعر يقول فيه عن الجزائر:
إن الجزائر خلدها الـ ـزّاهي استحال إلى سقر
وقد جاء هذا البيت في قصيدة نشرتها مجلة الشهاب في عددها الصادر في شهر جويلية 1937، ومما جاد فيها قوله:
إن الجزائر جوّها الـ ـوضّاح كالليل اعتكر
إن الجزائر شعبها افـ ـتقد المرافق وافتقر
والخلد (بضم الخاء وسكون اللام) هو البقاء والدوام، وهو من أسماء الجنة، وأما سقر، فهو أحد أسماء جهنم، ويقال سقرته الشمس لوّحته وآلمت دماغه، لشدة وقعها وحرها. والسّقّارون هم الكاذبون، وسمّوا كذلك لخبث ما يتكلمون هب. (أنظر: تاج العروس لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي).
وأخشى أن يحسب أحد سفهائنا أن "التاج" هنا هو تاج من ذهب فيسعى للصول إليه لسرقته.
لاشك في أن محمد العيد آل خليفة، عليه الرحمة والرضوان، كان آنذاك يصف الجزائر عندما كانت تحت الحكم الفرنسي المباشر، الذي لم تعرف الجزائر وشعبها أفسد، ولا أطغى، ولا أجرم منه حتى اعتكر جوها الوضاح، واعتل هواؤها الصحيح، وغار ماؤها النمير"، وافتقد شعبها من المرافق لكل كبير وصغير.
جاهد الشعب الجزائري جهادا مريرا، وتعذب عذابا نكرا يشيب الغربان، وتخلص من العدو الفرنسي الذي لم يخلق مثله سوءا في الأولين والآخرين، وجاء نصر الله، وفرح المؤمنون ينصره..
وفي الوقت الذي كان "ما" يسمى بالمجاهدين - باللغة الغبريطية - يتكالبون على الكراسي؛ كانت مخلفات فرنسا؛ بل "مخلوقات الفرنسيين (1)" التي صنعتهم على عينيها يتدسسون ويتسللون إلى مفاصل الدولة الجزائرية، ويحكمون سيطرتهم عليها، حتى وصل الزمر إلى أن يقول فرانسوا جيز، وهو فرنسي لاشية فيه،: "الجزائر لم تستقل نهائيا عن فرنسا، والفساد الذي استفحل في مطلع الثمانينات لم يكن إلا نتيجة لتواطؤ وشراكة مع فرنسا اليسارية واليمينية على السواء". (الخبر 21 / 2 / 15. ص19).
إن ما تعيشه الجزائر منذ خمس عشرة سنة خاصة هو أسوأ مما وصفها به محمد العيد وما كان الفرنسيون يتخيلون أن أمر الجزائر سيؤوب إليهم، وأن الفتى العربي فيها سيكون مثل فتى المتنبي في شعب بوان "غريب الوجه واليد واللسان". وأن أموال الجزائر ستنصب في خزائنهم، وأن مصيرها سيقرر عندهم.
إن أبناء الجزائر الأحرار يصيحون ويحذرون مما نحن مقبلون عليه، وهو مايراه كل ذي عينين سليمتين، وكل ذي فكر صحيح - ولكن فئة أعماها السلطان، وأطغاها المال، وأفسدها الشيطان تعد الجزائريين بالخير وتمنيهم مثله.. وتلعن على لسان أحدها من لا يحبّها.. لأنه لا يقرها على فسادها في جميع الميادين.
لقد سمعت حكيما يدعو الله بدعاء لم أتبين معناه إلا حديثا، وهذا الدعاء هو: "اللهم اجعل حياتنا في الجزائر غفرانا لنا"، فقد عجّلت لنا هذه الطعمة قطّنا قبل يوم الحساب، والله لا يجمع على عباده عذابين.
-----
1) هاينريش مالتسان: ثلاث سنوات في شمال غرب افريقيا 1 / 208.