• أهلاً بك زائر في في بيتك الثاني!
    اذا كنت وفيا لمنتدى اللمة بصدق فهو بحاجة لمساهمتك إن مشاركتك ونشاطك يبعثان الحياة فيه ليستمر وينتشر. تفاعل وشاركنا بآرائك، مواضيعك، وإبداعاتك لإثراء المحتوى ونشر الفائدة و كسب الثواب قبل أن نفقد اللمة للأبد كما وقع لباقي المنتديات لاتكتفي بالتفرج.

سلسلة العلم و أثره في تزكية النفوس 2 (الأمور التي تزكوا بها النّفس البشرية مع الخاتمة)

ابو ليث

:: عضو مَلكِي ::
أوفياء اللمة
أيُّها الإخوة الكرام : نأتي بعد هذا إلى الحديث عن حقيقة تزكية النّفس ، و ماهي الأمور التي تزكوا بها النّفس البشرية ؟ و يُمكنُ اجمال ذلك أيُّها الإخوة الكرام في أمور ثلاثة .
الأمر الأول : وهو أساس تزكية النّفس و لا زكاء لنفسٍ إلّا إذا قامت عليه و تأسست عليه ألا وهو الإيمان بالله و توحيده سبحانه و تعالى و إخلاص الدِّين له ، ألّا و هو تحقيق شهادة أن لا إله إلّا الله ، بما تعنيه هذه الكلمة من توحيد و إخلاص و إفراد لله سبحانه و تعالى بالذّل و الخضوع و المحبة و الإمتثال و جميع أنواع العبادة ، و هذا أساس تزكية النفس .
والنفس بأعمالها الصالحة و طاعاتها الزَاكية مَثلها مَثل شجرة مُباركة ، و من المعلوم أنَّ الأشجار لا قيام لها إلّا على أصُولها ، و قد قال الله تعالى في سورة ابراهيم : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) ، و بهذا يُعلم أنَّ تزكية النّفس له أساس لا تقوم التزكية إلا عليه و هو توحيد الله و إخلاصُ الدّين له جل و علا .
قال الله تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) و قال الله تعالى : ( وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاة ) قال بن عباس : لا يشهدون أنَّ لا إله إلا الله ، و قال مجاهد : لا يزكون أعمالهم أي : ليست زاكية ، و قيل : لا يُطهرونها بلإخلاص كأنّه أراد و الله أعلم أهل الرِّياء فإنَّه شِرك .
وقال الله سبحانه و تعالى في قصة موسى مع فرعون : ( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) أي بلإخلاص و التوحيد لله جل و علا .
فالتّزكية شجرة مباركة ، عظيمة الثَمر ، كبيرة الأثر ، لها أصل لا قيام لها إلّا عليه ألا و هو توحيد الله عز وجل و إخلاص الدين له سبحانه و تعالى .
و كُـلما كان هذا التوحيد و الإخلاص و الإيمان بالله مُتمكنا من القلب ، كان هذا أبلغ في نَماء هذه الشّجرة و كونها مُثمرة أطايب الثَمر و لذيذه و حسنه و نافعه .
الأمر الثاني : من جوانب تزكية النّفس ، تزكيتها بفرائض الإسلام ، وواجبات الدّين ، وحُسن التّـقرب إلى الله سبحانه و تعالى ، بفعل ما أمر و ترك مانهى عنه تبارك و تعالى و زجـر .
و لهذا ينبغي أنْ يُعلم أنّ التزكية لها جانبان لا تكون إلّا بهما ، يدُل عليهما أصل هذه الكلمة اللّغوي ، و أيضا دلالة هذه الكلمة في نصوص الشرع .
و إذا نظرنا في كتب اللّغة في معنى التّزكية و مدلولها نجِد أنَّ لها جانبان كلاهما من معاني التزكية و هما : الطهارة والنّماء .
فالتزكية طهارة و نماء ، و لهذا يُقال : زكى الزّرع إذا طاب و زالت عنه المُؤذيات التي تُضعف نماءَه .
و تُسمى الصدقة المفروضة زكاة لأّنها تُطهر المال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) و لأنَّها أيضا في الوقت نفسه سبب لنماء المال .
فالتزكية طهارة و في الوقت نفسه نماء ، طهارة بالبعد عن الأعمال المحرمة و المعاصي و الآثام ، ونماء بفعل الطاعات و العبادات المقربة إلى الله سبحانه وتعالى .
و عليه أيّها الإخوة فإنّ التّـزكية لابد فيها من فعل الأوامر التي فرضها الله سبحانه و تعالى على عباده و أوجبها عليهم و لا بد أيضا في الوقت نفسه من البُعد عن النّواهي و الآثام .
ففعل الأمر تزكية و ترك النَّهي أيضا تزكية ، فالتزكية تخلية و تحلية .
تخلية للنّفس بإبعادها عن الرذائل و الخسائس ، و تحلية لها بفعل الأوامر و الطاعات المقربة إلى الله سبحانه و تعالى .
فالصّلاة تزكية ، قد قال الله عز و جل : (إنَّ الصَلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنَّ النبي عليه الصلاة و السلام قال : (أرأيتم لو أنَّ نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ، هل يبقى من درَنِه شيئ ؟ قالوا : لا ، لايبقى من درنه شيئ ، فقال عليه الصلاة و السلام فذلكَ مَثلُ الصَّلواتِ يمحُو الله بِهنَّ الخَطايا ) .
الزكاة تزكية ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )
و الصيام تزكية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
الحج تزكية ، جميع الطاعات التي أمر الله عزّ وجل عباده بها كُـلها داخلة في هذا الباب باب تزكية النَّفس .
و لهذا قال الله تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)
الذّكــر تزكية للنَّفس ، بل هو أعظم باب تزكوا به النُّفوس و تتطهر به القلوب و تطمئنن ، وكم من الأذكار المشروعة من الآثار المباركة على أهلها في الدنيا و الآخرة من تطهير وتنقية للنّفس من أدرانها و تفريقها و تقشيرها ، و الحديث بهذا الجانب قد يطول ، لكـنني اكتفي بمَثلٍ واحد في هذا الباب من السنة و هو ما رواه الترمذي في جامعه( أنَّ النبي عليه الصلاة و السلام مرَّ و كان مع أصحابه بشجرة يابسة الورق و بيده عليه الصلاة و السلام عصا ، فضرب الشّجرة بالعصا التي بيده فأخذ الورق يتناثر و يتساقط من تلك الشجرة ، و قال عليه الصلاة و السلام للصحابة وهم ينظرون لهذا الورق يتساقط من هذه الشّجرة ، إنَّ سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر لتُساقط من ذنُوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة) ، فذكر الله عز وجل تزكية للنُّفوس و طهارة لها ، و عُـموم الطاعات و العبادات المقربة إلى الله جل و علا كلّها داخلة في هذا الباب باب تزكية النفس ، كذلك ترك النواهي و المحرمات و اجتبابُ الكبائر و الموبقات باب مهم للغاية في تزكية النّفس ، فإذا غـشى العبد في الحرام و ارتكب الآثام يكون بذلك ذنّب نفسه و دسّاها و حقّرها بحسب فعله لتلك المحرمات و ارتكابه لتلك الآثام ، و في هذا تأمل قوله سبحانه : ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
فالبعد عن المحرمات ، اجتناب الكبائر و الآثام كل ذلكم أيّها الإخوة الكرام داخل في باب تزكية النّفس .
​
في هذا المعنى أيضا قول الله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )
الأمر الثالث في باب تزكية النّفس : تزكيتها بفعل الرّغائب و المُستحبات ، و هذه المرحلة تأتي بعد المرحلة الفارطة ، و في الحديث القدسي يقول الله تعالى : ( ما تقرّب إلي عبدي بشئ أحب إلي ممّا افترضتُه عليه و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنّوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطِش بها و رجله التي يمشي عليها ، و لئن سألني لأُعطينه و لئن استعاذ بي لأُعيذنه ).
فهذه مجالات التزكية و جوانبها و هي ثلاثة ، تتلخص في أمور ثلاثة :
الأول الأصل و هو توحيد الله و الإيمان به وبكل ما أمر سبحانه و تعالى عباده بلإيمان به .
والثاني تزكيتها بفعل الفرائض و الواجبات وترك الكبائر و المحرمات .

والثالث تزكيتُها بفعل الرّغائب و النّوافل و المستحبات .

ثم أيّها الإخوة الكرام : تزكية النُّـفوس كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين : ( أمرها مُسلّم إلى الرسل عليهم الصلاة و السلام و إنّما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إيّاها و جعلها على أيديهم دعوةً و تعليماً و بيانا و ارشادا لا خلقاً ولا إلهاماً ، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم ) .
قال الله تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ، و قال تعالى : (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ )
يقول سفيان ابن عيينه رحمه الله: (إنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الميزان الأكبر وعليه تُعرض الأشياء ، على خُلقه وسيرته وهديه ، فما وافقها فهوالحق ، وما خالفها فهو الباطل ) هذا أيّها الإخوة ميزان دقيق و مهم للغاية في باب تزكية النّفس .
تزكية النَّـفس ليس أمرا مُسلما للإنسان يزكي نفسه بأي طريقة شاء و بأي سبيل أراد . لا . بل لابد في باب تزكية النّفس من وزنِ الأعمال بما جاء عن النبي الكريم عليه الصلاة و السلام ، فَخلُقه و سيرته و هديه صلى الله عليه و سلم مِيزان تُعرض عليه الأعمال و تُقاس عليه الأمور ، و ليس للإنسان أنْ يتخِذَ لنفسه ما شاء من الأمور أو الوسائل التي يزعُم أنّها تُـزكي نفسه .
ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله : ( تزكية النُّفوس أصعب من علاج الأبدان و أشـد ، فمن زكّي نفسه بالرياضة و المجاهدة و الخَلوة ، التي لم يجئ بها الرسل ( يعني جاء بأعمال و طرق يزعم أنّها تزكي النّـفس لكن لم تأتي على الرسل عليهم الصلاة و السلام ) فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه ، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب ؟ ) فالرّسل أطباء القلوب ، فلا سبيل إلى تزكيتها و صلاحها إلّا من طريقهم و على أيديهم و بمحض الإنقياد والتسليم لهم و الله المستعان .
بعض النَّاس يظن في هذا الباب أنَّ التزكية تكون بالتّشديد على النَّفس و القسوة عليها ، و حرمان النَّفس من حقُـوقها التي فطر الله سبحانه و تعالى النّفوس على الإحتياج اليها ، قد قال عليه الصلاة و السلام
: ( و لنفسك عليك حق ) فبعض النَّاس يظن أنَّ تزكيته لنفسه تكون بحرمان النَّفس من حقوقها المباحة أو بالقسوة على النَّفس و الشّدة عليها أو بالرّعونة و نحو ذلك من التّصرُفات التي يظن أنّه بمثل هذه المسالك يزكّي نفسه ، و هيهات أن تكون تزكية النَّـفس بمثل ذلك .
فتزكية النَّفس لا تكون لا بالإفراط و لا أيضا بالتفريط ، لا تكون لا بالزيادة و لا بالتقصير ، بل تكون بالتّـوسط و الإعتدال و ذلك بلزوم هدي النبي صلى الله عليه و سلم و نهجِه القويم صلوات الله و سلامه و بركاته عليه .
فلا بُـد من الوسطية و الإعتدال في باب تزكية النَّـفس مطلوبة بالدليل ، لكن تتفاوت في المسالك ، فمن النّـاس من يريد أن يزكي نفسه بالتّشديد و التعزير و القسوة على النّفس و في الحديث : ( إنّ هذا الدين يسر ولنْ يُشاد الدّين أحد إلا غلبه فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا ) و من النّاس من يزكّي نفسه بوسائل و طرائق لا أصل لها و لا أساس ، فالنّاس في هذا الباب بين افراط و تفريط ، و خِيارُ الأمور أوساطُها لا تفريطها و لا إفراطها .
يقول ابن القيم رحمه الله في - مدارج السالكين - : (فإنَّ النّفس متى انحرفت عن التوسط ، انحرفت إلى أحد الخُلقين الذميمين و لا بُد ، فإذا انحرفت عن خلق التواضع : انحرفت إما إلى كبر و علو ، وإما إلى ذلّ و مهانة و حقارة وإذا انحرفت عن خلق الحياء انحرفت : إمّا إلى قِحَةٍ وجُرأة ، وإمّا إلى عجـزٍ وخور ومهانة ، و كذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود انحرفت إمّا إلى جزع و هلع وإمّا إلى غلظة كبد وقسوة قلب وتحجـر طبع ، وإذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت : إمّا إلى طيش أو إلى مهانة و حقارة وإذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق انحرفت : إمّا إلى عجلة وطيش وعنف أو إلى تفريط وإضاعة ، وإذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله لأهل الإيمان انحرفت : إمّا إلى كِبر وإمّا إلى ذُل ، وإذا انحرفت عن خلق الشّجاعة انحرفت : إما إلى تهور وإقدام غير محمود أو إلى جبن وتأخر مذموم ) ، و هكذا نجد أنَّ النّفس إذا خرجت في باب التزكية عن حدّ الإعتدال والتّـوسط الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه و سلم تنحرف إلى جانبين كلاهما مذموم و خِيار الأمور أوساطها لا تفريطها و لا إفراطها .
و يجب أنْ يُعلم في هذا الباب أنَّ خير العمل ما كان لله أطوع و لصاحبه أنفع و قد يكون ذلك أيسر العملين و قد يكون أشدُّهُما ، فليس كل شديد فاضلا ولا كل يسير مفضولا .
بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد فإننا نأمر به بما فيه من المنفعة لا لمجرد تعذيب النّفس . و قد قال عليه الصلاة و السلام : ( إنّما بُعِثتُم ميسرين و لم تُبعثوا معسّرين ) و قال
لمعاذ و أبي موسى لما بعثهما إلى اليمن : ( يسرا و لا تعسرا ، و بشِّرا و لا تُنفرا ) ، و قال عليه الصلاة و السلام : (هذا الدين يسر ولنْ يشادّ الدين أحد إلا غلبهُ ) ، و قال عليه الصلاة و السلام
: ( أحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السّمحاء ) ، و الشيطان له مداخل في هذا الباب عندما يرى الإنسان قد أقـبل على تزكية النّـفس إمّا أنْ يدخله في باب تشديد و تحقير على النَّفس ، بترك المباحات و تعذيب النفس بقلة المرأى ، يـُـفشل البدن ، المنع من المباحات ، أو ينقل الإنسان نقلة أخرى بعيدا يحرفه من خلالها عن الصواب و السداد .
والواجب على المسلم في هذا الباب باب تزكية النّفس و في كل باب أنْ يُلزم نفسه بشرع الله و دينه الثّابت عن رسوله صلوات الله و سلامه عليه ، و أنْ يحذر من كلِ طريق و سبيل لا أصل له في شرع الله عز وجل .
ثُم أيّها الإخوة الكرام : يَحتاج العبد في هذا المقام مقامِ تزكية النّـفس إلى أمر مهم للغاية لا بد من التأكيد عليه و هو : أنْ يكون على ذكر دائم للوقوف بين يدي الله و المجازات و المحاسبة ، و قد قال الله عـزّ و جل : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) و لتنظر نفس ما قدمت لغد ، وقال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) و من أواخر ما نزل على نبينا عليه الصلاة و السلام قول الله تعالى : (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ) ، و في الحديث و في سنده مقال و لكن معناه صحيح لا ريب في صحة معناه : ( الكيس من دان نفسة وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتْـبع نفسهُ هواها وتنمى على الله الأماني )
الكيس : أي اللّبيب الفطن الذي يحاسب نفسه و يُعِـدها لما بعد الموت ، يُعدها للقاء الله سبحانه و تعالى ، و العاجز من أتْبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني .
ثُمّ أمرٌ أخير أختم به ألا و هو أيّها الإخوة : ينبغي على من أكرمَه الله عزّ و جل بلإستقامة ووفقه للرّعاية لنفسه و العناية بها أن يذكُر دائما أن هذا محضُ فضل الله عليه و مَـنّه سبحانه و تعالى ، و أنّه لولا فضل الله عليه لما استقام و لَمَا اهتدى ، فيحذر في هذا المقام من أن ينظر إلى نفسه نظر الإعجاب أو الثناء على نفسه أو التزكّية لها و الله يقول : ( فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) و يقول : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ) ، فإذا أكرم الله سبحانه و تعالى عبده ، ووفقه لسلوكِ طريق الهِداية و لزوم سبيل الإستِقامة ، فعليه أنْ يذكر أنَّ هذا محضُ فضل الله و منّه عليه .
فلا ينظر إلى نفسه نظر إعجاب ، بل يكونُ حامدا ، شاكرا ، مُثنيا على مولاه سبحانه و تعالى ، و قد ذكر الله جل و علا في صفات المؤمنين الكُمّل فقال : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي : يقدمون ما يقدمون من طاعات و عبادات و قلوبهم خائفة .
و جاء في المسند أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة و السلام عن معنى هذه الآية الكريمة ، و قالت : (يا رسول الله أهُـوَ الرجل يزني ويسرق و يقتل و يخاف أن يعذب ؟ قال لا يا ابنة الصديق ، و لكنّه الرجل يصلي و يصوم و يتصدق و يخاف أن لا يُقبل منه ) ، و لهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى : ( إنَّ المؤمن جمع بين إحسان و مَخافة ، و المنافق جمع بين إساءة و أمن ) ، المؤمن يحسن في العمل و يخاف ، و المنافق يسئ في العمل وآمن .
فالواجب على المسلم أنْ يُجاهد نفسه على تقوى الله سبحانه و تعالى و نيل رضاه ، و أنْ ينظر إلى نفسه دائما نظـر التقصير و التفريط ، و يلُـوم نفسه على تقصيرها و تفريطها ، و يجاهد نفسه على البعد عن الذّنوب و الآثام التي تحرمه من الخير و تحُـول بينه و بين نيل الفضائل و الخيرات و البركات في الدنيا و الآخرة ، و يكُون مُقبلا على ربّهِ سبحانه ، يرجوا رحمته و يخاف عذابه ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) .
و أسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم بأسمائه الحسنى و صفاته العليا ، و بأنَّهُ الله الذي لا إله إلّا هو ، الذي وسع كل شئ رحمة و علما أن يوفقنا جميعا لكل خير ، و أن يصلح لنا شأننا كله ، و أن يغفر لنا و لوالدينا ، و لمشايخنا و للمسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات الأحياء منهم و الأموات ، اللّهم آتِ نفوسنا تقواها و زكّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها ، اللّهم أعِـنَّا ولا تُـعن علينا وانصرنا ولا تنصر علينا ، وامكر لنا ولا تمكر علينا وأهدنا ويسر الهدى لنا وانصرنا على من بغى علينا ، اللّهم اجعلنا لك شاكرين لك ذاكرين إليك أوّاهين منيبين ، لك مخبتين لك مطيعين، اللّهم تقبّل توبتنا واغسل حوبتنا ، و ثبت حُجّتنا ، و اهدِ قلوبنا و اسلل سخيمة صدورنا ، اللّهم و أصلح ذات بيننا و ألف بين قلوبنا ، واهدنا سُبُل السّلام ، و أخرجنا من الظلمات إلى النور ، و بارك لنا في أسماعنا و أبصارنا ، و أزواجنا و ذرّياتنا ، و أموالنا و أوقاتنا و اجعلنا مباركين أينما كنّا ، اللّهم آمنّا في أوطاننا و أصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللّهم وفق ولاة أمرنا لكل خير و اهدهم يا حي يا قيوم لما تحبه و ترضاه من سديد الأقوال و صالح الأعمال ، اللّهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، و أصلح لنا شأننا كله لا إله إلّا أنت ، و الحمد لله أولا و آخرا ، و له الشُّكر ظاهراو باطنا ، و صلى الله و سلم و بارك و أنعم على عبده و رسوله نبينا محمد و آله و صحبه أجمعين .


v52.gif
​


و تم تفريغها و مراجعتها من طرف الأخت : أروى الأثرية​

مساء يوم الجمعة : 21 جمادى الثاني 1431​


  • بالجزائر العاصمة
    ​
و ما كان في تفريغي هذا من صواب فمن الله وحده ، و ما كان من خطأ فمن نفسي و من الشيطان .​

و أسأل الله أن ينفعنا بما نقرأ و نسمع و أن يوفقنا جميعا لما يحب و يرضى .​
 
آخر تعديل:
توقيع ابو ليث
رد: سلسلة العلم و أثره في تزكية النفوس 2 (الأمور التي تزكوا بها النّفس البشرية مع الخاتمة)

جزاك الله خير الجزاء استادنا
 
رد: سلسلة العلم و أثره في تزكية النفوس 2 (الأمور التي تزكوا بها النّفس البشرية مع الخاتمة)

بارك الله فيك

في القمة


ربي يجازيك
 
توقيع saho souhila
رد: سلسلة العلم و أثره في تزكية النفوس 2 (الأمور التي تزكوا بها النّفس البشرية مع الخاتمة)

بارك الله فيك
 
توقيع Bouchra zarat
رد: سلسلة العلم و أثره في تزكية النفوس 2 (الأمور التي تزكوا بها النّفس البشرية مع الخاتمة)

أحسن الله إليكم.
 
توقيع ابو ليث
تنبيه: نظرًا لتوقف النقاش في هذا الموضوع منذ 365 يومًا.
قد يكون المحتوى قديمًا أو لم يعد مناسبًا، لذا يُنصح بإشاء موضوع جديد.
العودة
Top Bottom