بارك الله فيك أختي الغالية سيلين
أشكرك جزيل الشكر على موقفك النبيل، وعلى كلماتك الصادقة التي تنمّ عن قلبٍ حيّ، وصرختك هذه في وجه الظلم والفتنة رِفعة لك في المقام عند الله عز وجل. فجزاك الله عنّا خيراً. كما أشكركِ أيضاً على تكرّمكِ عليّ بهذا الرد في مدوّنتك، وهذا من سموّ خلقك وكرمك.
أحب أن أطمئِنك أوّلاً. لا داعي للاعتذار، بل أرفضه تماماً منك، لأنكِ بهذا تضعين نفسك في موضع أنتِ أكرم من أن تُحَمَّلين ثقله، وأنتِ أرفع وأبعد ان نربطك من قريب او بعيد مع من أساء الأدب. لا يُمثلون إلا أنفسهم وكل إناء بما فيه ينضح. ومن أساء الأدب لم يتحامَ عليّ، بقدر ما تحامى على ميزان أخلاقه، ولوّث صحيفته هو لا غيره.
جاء رجلٌ لأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وقال له:"
لأسُبنَّكَ سبّاً يدخُلُ معك قبرَك". فأجاب أبو بكر رضي الله عنه :"
معك والله يدخُل لا معي!". والمعنى أن كل كلمة مُؤذية تُؤذي قائلها قبل أن تُؤذي سامعها. وتُقيَّدُ في صحيفة صاحبها سيئة ويُؤجر عليها من تحمّل أذاها وصبر على الردّ بمثلها.
أمّا أنا، فلو كنت أُعير وزناً لمثل هذه الأصوات التي أتغافل عن أكثرها، لكنت قد غادرت منتدى اللمة منذ زمن. غير أن اللمة، في نظري، أشبه بحديقةٍ فيها أشجار مثمرة، ونسائم خير، وعبق ورد، وأصوات عذبة تُغرد بالحكمة والذوق والرقي. ومهما بلغت الحديقة من جمال، فلا تخلو من أعشاب مُرّة ونباتات مؤذية، غير أن الغالب فيها هو الخير، ولا يُعقل أن نُعرِضَ عن البُستان كلّه من أجل بعض أشواكه.
والحمد لله أن صوتكِ كان إضافةً مباركة إلى أصوات بعض الإخوة والأخوات الذين قاموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا من باب إكرام الضيف وتأدّباً معه فحسب، بل باعتباره ضرورةً أخلاقية تهدف إلى النصح، وتهذيب السلوك، واقتلاع جذور الشحناء والبغضاء من النفوس.
أمّا باب التعامل مع الضيوف، فذلك مقامٌ آخر له حرمته. وحتى لو افترضنا - جدلاً - وجود فاسدين في بلدٍ معيّن، وهو أمر لا يخلو منه بلد، فإن الأولى هو مراعاة الحاضرين، والتحلي بالذوق، وحسن الخلق. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يذكروا والد أحد الصحابة بسوء، رغم كفره، مراعاةً لمشاعر الابن الذي أسلم، فكيف بما دون ذلك من أحوال؟
وهذه المعاني واضحة في ديننا، غير أن تحويلها إلى سلوكٍ عملي لا يزال دون مستوى معرفتنا بها وحفظنا لنصوصها.. كُلّنا يقرأ في كتاب الله :
"ولا تزر وازرة وزر أخرى"
"ولا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرًا منهنّ"
"واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا"
وفي الحديث الشريف :
"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"
"وتبسمك في وجه أخيك صدقة"
وقال صلى الله عليه وسلم عن العصبية: "دعوها فإنها منتنة"
وقال أيضاً: "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها"
وهنا اتوقف عند هذا الحديث: "
الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها": إيقاظ الفتنة سبب للّعنة، ويتحمل صاحبها سواء ايقضها أو ساهم في نشرها وزر ما يتبعُها من مفاسد ومضاغن بين الإخوان. والمسلم الفطن من يحكّم عقله قبل هواه وكِبره، ولا ينساق لأي وسوسةٍ أو خاطرة تُزيَّن له على أنها غيرة على البلاد أو شجاعة. فالأصل أن جميع البلدان التي يُرفع فيها الأذان هي بلاد الإسلام والمُسلمين جميعاً.
نعرف ما يجري في بعض وسائل التواصل من صخبٍ وسِباب وراءه شياطين الجن والإنس، والمؤمن الفطن يوثر البُعد عنها حفظاً لنفسه وقلبه، وحرصاً على ما ينفعه، وخوفاً من أن يُحسب على مجالس السوء ولو بالصمت. أما من تكلم بكلام مجالس الفتنة فليستحذر كلام الله :
"ما يلفِظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد".
اللّمة في أصلها فضاءٌ ناضجٌ وراقي، لا يليق به أن تُنقل إليه نفايات الفتنة. وأهل اللّمة، أغلبُهم نحسبهم على خير، والأولى بهم أن يكونوا رُسُلَ التغيير، وهم المؤثّرون، لا التابعون.
أختي سيلين، موقفك هذا أسمى وأنضج وأشجع من كثير من الأصوات، حتى من أصواتٍ كان يُفترض فيها النضج ورجاحة العقل، وهذا غير مُستغرب منك. وبمثل صوتك تُرمَّم الصدوع وتُحفظ الأخوّة وتُصلح المُجتمعات. ورُبَّ "
كلمة طيبة كشجرةٍ طيبة أصلُها ثابت وفرعُها في السماء تُؤتي أُكلَها كُلَّ حين بإذن ربّها".
جزاكِ الله خير الجزاء، وبارك فيك، وبارك في من ربّاك، ورحم الله أمك وأسكنها فسيح جناته، وحفظ والدك وجزاه خير الجزاء على حسن تربيتك.
لكِ مني كل الودّ والاحترام