من صفحة د. خليل العناني
..
المأزق الاستراتيجي لدول الخليج وكيفية الخروج منه
د. خليل العناني
_________________
من النقاط الجوهرية التي يجب التوقف عندها في تداعيات الحرب الجارية على إيران، أنها كشفت—بلا مواربة—هشاشة دول الخليج، بل وانهيار ما يُسمّى بالنموذج الخليجي في التنمية، والذي تجسّد بصورة صارخة في حالة دبي: مدينة تخطف الأبصار ببناياتها الشاهقة وحياتها الصاخبة، لكنها في الحقيقة تقف على ساقي دجاجة؛ تهتز وتسقط مع أول عاصفة حقيقية، لتتحول سريعاً إلى مدينة أشباح.
هذا النموذج قام أساساً على فكرة الدولة الريعية، التي أسست لعقد اجتماعي بسيط: الرفاه مقابل الولاء. هذا العقد وفر شرعية سياسية مشروطة للعائلات والمشيخات الحاكمة انطلاقا من ركيزتين أساسيتين: تدفق النفط والحماية الخارجية.
غير أن الحرب على إيران جاءت لتسقط هاتين الركيزتين دفعة واحدة.

️أولاً، كشفت الحرب قدرة إيران على تهديد شريان الحياة لهذه الدول عبر التحكم في مضيق هرمز، الذي تمر منه النسبة الأكبر من صادرات النفط والغاز. أي أن مصدر الثروة ذاته أصبح رهينة للتوازنات العسكرية، بما يعني عملياً تهديداً مباشراً لاستدامة نموذج الرفاه الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي وبالتالي إمكانية انهيار حكومات هذه البلدان في أي لحظة بسبب عدم قدرتها على إبقاء النموذج فاعلا.

️ثانياً، عرّت الحرب وهم “الحماية الخارجية”. فالقواعد العسكرية الأجنبية التي كان يُفترض أن تؤمّن هذا النموذج لم تنجح حتى في تحصين وحماية نفسها، ناهيك عن حماية محيطها. بل إن التجربة أثبتت أن هذا “الأجنبي” ليس فقط عاجزاً عن الحماية، بل قد يكون أحد مصادر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
بهذا المعنى، لم تعد الأزمة مجرد خلل عابر، بل انهيار بنيوي لنموذج كامل استند طوال العقود الخمسة الماضية إلى هاتين الركيزتين، والذي اعتقد البعض—بسذاجة—أنه قابل للتعميم على العالم العربي، بل وذهب بعضهم، مثل عبد الخالق عبد الله، إلى التبشير بما سُمّي “اللحظة الإماراتية” كنموذج يُحتذى.
لكن الواقع كشف أن هذا النموذج لم يكن سوى واجهة براقة تخفي خلفها اقتصاداً هشاً، ومجتمعاً استهلاكياً، وبيئة مفتوحة على كل أشكال الانفلات: من تجار الجنس، إلى شبكات المخدرات، إلى غاسلي الأموال، ومرتزقة الحروب، وحتى بعض الطغاة الهاربين.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: ما المخرج من هذا المأزق؟
هناك خياران لا ثالث لهما:

️الأول: خيار قصير المدى، عالي الكلفة، وغير مضمون النتائج، وهو محاولة التخلص من التهديد الإيراني بالقوة والتدمير.

️الثاني: خيار استراتيجي طويل المدى، يقوم على التعايش مع إيران—بل والتعاون معها—بوصفها حقيقة جغرافية وتاريخية لا يمكن تجاوزها.
وهذا الخيار، رغم صعوبته نفسياً وسياسياً، هو الأكثر عقلانية وأمناً واستدامة، لكنه يتطلب مراجعة استراتيجية جذرية ومصالحة صادقة مع حقائق الجغرافيا والتاريخ، تمهيداً للعبور إلى مستقبل مختلف. وبدون ذلك سيظل جذر قائماً بل يزداد سوءا.
سؤال أخر حول من بإمكانه القيام بهذه المصالحة الاستراتيجية من دول الخليج ولهذا حديث أخر إن شاء الله.
#علم_نافع