عن صفحة د. خليل العناني
..
.
هذه ليست حربا … هذا انهيار لمنظومة عسكرية واستراتيجية ونفسية كاملة
______________
في ظل تسارع الأحداث وتلاحقها خلال الأيام الماضية، كثيرون ينشغلون بالتفاصيل اليومية لما يجري، لكن ما لا يلتفت إليه كثيرون هو أن ما يحدث ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل تحول استراتيجي عميق يعيد تشكيل طبيعة الصراع نفسه ويقلب موازين المنطقة رأسا على عقب. وهذه بعض الملاحظات الأولية على التطورات العسكرية والاستراتيجية خلال الايام الماضية:

️ استهداف وإسقاط الطائرات المقاتلة الأمريكية يمثل نقطة تحول استراتيجية، لأنه يضرب في صميم فكرة التفوق الجوي المطلق، ويكشف أن المجال الجوي لم يعد بيئة آمنة حتى لأكثر المنصات تقدما، كما أنه يفرض على الولايات المتحدة إعادة حسابات المخاطرة والانخراط، ويبعث برسالة ردعية واضحة مفادها أن كلفة التدخل لم تعد منخفضة، وهو ما قد ينعكس مباشرة ليس فقط على قرارات التصعيد ومستقبل الانخراط في هذه الحرب ولكن على هيبة وصورة أمريكا باعتبارها اكثر الدول تقدما في سلاح الجو.

️للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، يتعرض العمق الإسرائيلي لهذا الكم وهذا الكيف من الهجمات الصاروخية والمسيرات التي وصلت إلى أهداف حساسة سيادية وعسكرية، وهو ما يعني ببساطة كسر أحد أهم مرتكزات العقيدة الأمنية الإسرائيلية: نقل المعركة إلى أرض الخصم ومنع انتقالها إلى الداخل. ما جرى ليس تطورا ميدانيا فقط، بل كسر واضح لقواعد الاشتباك وإعادة رسم لحدود الردع.

️هذه الحرب أثبتت أن فكرة التفوق المطلق الإسرائيلي ليست سوى تصور مبالغ فيه، وأن هذا التفوق، رغم حقيقته النسبية، قابل للتآكل تحت ضغط الاستنزاف، خصوصا أمام خصم مستعد لتحمل الكلفة ويعتمد على التراكم لا الحسم السريع.

️ما نراه اليوم هو انتقال واضح في طبيعة الردع: من ردع يقوم على المنع الكامل، إلى ردع يقوم على احتواء الضربات وإدارة آثارها. وهذا تحول خطير، لأنه يعني أن إسرائيل لم تعد تمنع الهجوم، بل تتعايش معه.

️منظومات الدفاع الجوي، بكل طبقاتها وتعقيدها، ظهرت حدودها بوضوح. تكتيكات مثل الإغراق والهجمات السربية والتشويش لم تكسر هذه المنظومات فقط، بل أجبرتها على العمل تحت ضغط دائم، وفتحت فجوات زمنية لا يمكن سدها بالكامل.

️نحن أمام معادلة استنزاف واضحة: تكلفة الدفاع أعلى بكثير من تكلفة الهجوم. كل صاروخ اعتراضي يستهلك موارد ضخمة، في حين أن الهجوم يعتمد على أدوات أقل تكلفة وأكثر عددا، وهذه معادلة لا يمكن تحملها على المدى الطويل.

️الضربات الأخيرة كشفت أن العمق الإسرائيلي لم يعد بعيدا عن الخطر، وأن فكرة الأمن الداخلي لم تعد كما كانت. الملاجئ تقلل الخسائر، لكنها لا تمنع الإحساس بالتهديد، ولا تعيد الهيبة التي تآكلت.

️الحرب أكدت مرة أخرى أن إسرائيل لا تقاتل وحدها، بل تعتمد بشكل بنيوي على دعم أمريكي عسكري واستخباراتي وسياسي. لكن في المقابل، أظهرت هذه الحرب أن هذا الدعم، رغم ضخامته، له حدود ولا يستطيع أن يمنع كل الاختراقات.

️أكدت الحرب تآكل الهيبة الصهيونية هنا ليس مسألة نفسية فقط، بل متغير استراتيجي حقيقي. عندما يُختبر الردع ولا ينجح بالكامل، فإن ذلك يفتح الباب أمام مزيد من الاختبار من أطراف أخرى.

️كشفت الحرب أن الكيان غير مؤهل لخوض حرب لامتماثلة، حيث لا يعتمد الطرف الأضعف على مواجهة مباشرة، بل على المرونة، والتوزيع، وتعدد الأدوات، واستنزاف الخصم على المدى الطويل.

️كشفت الحرب إيران لعبت بذكاء على عنصر الغموض التكنولوجي، فلم تكشف كل أوراقها، ونجحت في إرباك التقديرات الإسرائيلية والأمريكية فيما يخص قدراتها الصاروخية والمسيرات، وهو عنصر حاسم في أي صراع من هذا النوع.

️هذه الحرب تعيد تعريف معنى الحسم. لم يعد الحسم هو تدمير الخصم بالكامل، بل القدرة على الاستمرار وفرض كلفة مستمرة عليه. أي أننا أمام نموذج حروب طويلة مفتوحة، وليس حروبا قصيرة حاسمة.

️كشفت الحرب عن انهيار النموذج الأمني الخليجي الذي قام لعقود على معادلة بسيطة: الدفع مقابل الحماية الخارجية.
هذا النموذج سقط عمليا مع أول اختبار حقيقي، حيث ظهرت فشل وانهيار المظلة الأمريكية وعجزها عن توفير أمن كامل، في الوقت الذي وجدت فيه هذه الدول نفسها في قلب الخطر دون قدرة ذاتية على الردع أو التأثير. ما يحدث اليوم يكشف خلل بنيوي عميق: دول تملك الموارد لكنها لا تملك أدوات الحماية، وتعتمد على قوة خارجية لا تضمن أمنها بقدر ما تدير مصالحها.

️كشفت الحرب الأهمية الحاسمة للجغرافيا السياسية، خصوصا في نقاط الاختناق مثل مضيق هرمز، الذي يمثل شريان طاقة عالمي. مجرد التهديد بإغلاقه كفيل بإرباك الأسواق ورفع الأسعار عالميا. كما يمنح موقعه إيران ورقة ضغط استراتيجية كبيرة دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.
️

️وأخيرا، كشفت الحرب أن هزيمة الكيان سياسيا واستراتيجيا أمر ممكن إذا توافرت إرادة سياسية حقيقية.
د. خليل العناني
====================
#حرب_ليست_كغيرها
#علم_نافع
#أمريكا_بودكاست