التفاعل
39.1K
الجوائز
4.9K
- تاريخ التسجيل
- 29 أوت 2013
- المشاركات
- 14,431
- آخر نشاط
- الوظيفة
- مربية
- الجنس
- أنثى
1
- الأوسمة
- 66
منذ مدة طويلة، وأنا أسمع بعض الناس، رجالاً ونساءً، يرددون عبارة: "قلبي تحجر" أو "أصبح قلبي كالحجر".
وغالباً ما تُقال هذه الكلمات بعد التعرض لصدمة، أو خيبة، أو مشكلة تكدر صفو الحياة
فينغلق الإنسان على نفسه، ويظن أن القسوة ستحميه من ألم جديد.
لكن هل تأملنا يوماً خطورة هذه العبارة، وما تحمله من معنى؟
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾
سورة البقرة، الآية 74.
جاء هذا الوصف في سياق ذم قسوة القلوب بعد ظهور الآيات والدلائل.
ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يتمنى لنفسه قلباً قاسياً، أو أن يجعل هذه الصفة هوية يكررها ويفتخر بها.
فالقلب القاسي لا يحمي صاحبه كما يظن، بل قد يحرمه الطمأنينة والرحمة والمودة، ويزيد المسافة بينه وبين الناس، وربما بينه وبين ربه.
فـالقسوة ليست قوة
قد يردد الإنسان عبارة "قلبي حجر" وهو لا يقصد معناها الديني،
وإنما يريد أن يقول: "لن أسمح لأحد بأن يؤذيني مرة أخرى". ومع ذلك، فإن تكرار هذه العبارة ليس حلاً
لأن القوة الحقيقية لا تعني أن نفقد الرحمة، وإنما أن نتعلم كيف نضع حدوداً تحمينا من الأذى، من غير أن نفقد إنسانيتنا.
ليس كل من انكسر قلبه قاسي القلب، وليس كل من ابتعد عن الناس شريراً.
فقد يكون الإنسان متألماً، أو مرهقاً، أو خائفاً من تكرار التجربة.
ولهذا فهو لا يحتاج إلى أن يصف نفسه بأقسى الصفات
بل يحتاج إلى أن يفهم ألمه، ويعالجه برفق، ويطلب العون من الله.
عندما يقنع الإنسان نفسه بأنه
كما أن الاستسلام للحزن واليأس قد يفتح باب الوساوس، ويجعل الإنسان أكثر عرضة للعزلة
وقطع صلة الرحم، وفقدان لذة العبادة، وربما الانقطاع عنها. وقد تتحول العزلة المؤقتة، إن طال أمدها
إلى سجن يعتاد الإنسان جدرانه ويخشى الخروج منه.
والآن رسالتي إلى كل قلب أنهكته الحياة
إلى كل من عصفت به الحياة، وإلى كل مجروح أو متألم، وإلى كل من يشعر بأنه عالق في دائرة مظلمة:
أعلم أن بعض المشاعر لا يمكن وصفها بسهولة.
هي ليست جميلة فتسر خاطرك، ولا واضحة القبح فتتركها وتمضي
بل هي مشاعر متداخلة ومشوهة. تارة تأتيك الذكريات الجميلة، فتربت على قلبك وتوقظ حنينك
وتارة تعود إليك المواقف المؤلمة، فتملؤك بالغضب والكره والحزن الشديد.
وربما أحببت وكرهت الشخص نفسه، واشتقت إلى ما كان بينكما، وتألمت مما فعله بك.
لكن تذكر أن الألم مهما اشتد لا يمنحك حكماً نهائياً على نفسك.
أنت لست جرحك، ولست الخطأ الذي ارتكبته، ولست الكلمات التي قالها الآخرون عنك.
أنت إنسان يمر بابتلاء، وما دام فيك نفس يتردد، فإن باب التعافي والإصلاح والرجوع إلى الله لا يزال مفتوحاً.
والآن إلى الخطوات التي تعين على لين القلب والتعافي
أولاً: المداومة على القرآن
داوم على تلاوة القرآن، ولو بقدر قليل كل يوم، واقرأه بتدبر وحضور قلب.
وقد تجد نفسك أحياناً كسولاً أو مثقلاً بالحزن، فلا تحمل نفسك ما لا تطيق، ولكن لا تهجر القرآن.
ابدأ بآيات قليلة، واستمع إليه، وردد ما تستطيع؛ فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
سورة الرعد، الآية 28.
ثانياً: لا تجعل الكلمات السلبية هويتك
لا تقل لنفسك: "
فهناك فرق كبير بين أن تقول: "لقد أخطأت"، وأن تقول: "
الأول يفتح باب المراجعة والإصلاح، أما الثاني فيغلقه ويقود إلى اليأس.
استبدل بهذه العبارات كلمات صادقة تبعث على الرجاء، مثل:
-أنا متألم، لكنني قادر بعون الله على التعافي.
-لقد أخطأت، ويمكنني أن أتوب وأصلح ما أفسدت.
-أنا قوي بالله، ولن يدوم هذا الحزن إلى الأبد.
-سأحمي نفسي بحدود حكيمة، لا بقلب قاس.
-لن أجعل إساءة الآخرين تسلبني رحمتي وإنسانيتي.
والحديث الإيجابي مع النفس ليس إنكاراً للألم أو هروباً من الواقع، بل هو رفض لتحويل لحظة مؤلمة إلى هوية دائمة.
ثالثاً: الفضفضة والتعبير عن الألم
لا تحبس كل شيء في صدرك. تحدث إلى شخص أمين وحكيم تثق بدينه وعقله وحفظه للسر.
فإن لم تجد، فاكتب ما يؤلمك في ورقة، من غير تزيين ولا خوف ولا رقابة. اكتب غضبك، وحزنك، وخيبتك، وما كنت تتمنى قوله ولم تستطع.
فالكتابة تساعد على ترتيب المشاعر وفهمها، وقد تخفف من وطأة الألم.
وبعد أن تنتهي، يمكنك الاحتفاظ بما كتبت أو تمزيقه؛ فالمقصود أن تخرج ما يثقل قلبك، لا أن يبقى الألم حبيساً في داخلك.
وإذا طال الحزن، أو تعطلت حياتك وعباداتك ونومك وعلاقاتك بسببه، فلا تتردد في الاستعانة بمختص نفسي موثوق.
طلب العلاج لا يناقض الإيمان والتوكل، بل هو من الأخذ بالأسباب.
رابعاً: لا تجعل العزلة وطناً
قد يحتاج الإنسان إلى بعض الهدوء بعد الصدمات، وهذا أمر مفهوم.
لكن لا تجعل العزلة أسلوب حياة.
اخرج إلى الضوء، وتحرك، وصل رحمك، واجلس مع من ترتاح إليهم، واشغل وقتك بعمل نافع.
فالحزن يزداد حين يبقى الإنسان وحده مع أفكاره زمناً طويلاً.
ولا تنتظر حتى تتحسن نفسيتك تماماً لتعود إلى الحياة؛ فقد تبدأ الراحة بعد أن تخطو نحو الحياة، لا قبل ذلك.
خامساً: أصلح ما يمكن إصلاحه واترك ما لا تملك تغييره
إن كنت قد أخطأت، فاعترف بخطئك، وتب إلى الله، واعتذر لمن ظلمته، وأصلح ما تستطيع إصلاحه.
أما ما خرج عن قدرتك، فلا تجعل الندم عليه يأكل عمرك.
ليس كل ما انكسر قابلاً للعودة إلى صورته الأولى، لكن الإنسان نفسه يستطيع أن ينضج من التجربة
ويتعلم منها، ويخرج بقلب أكثر حكمة، لا أكثر قسوة.
العودة إلى الله: أعظم ما يعين الإنسان في لحظات الانكسار هو صدق العودة إلى الله.
ارجع إليه في ضعفك، واشك إليه ما في صدرك، وأكثر من الدعاء والاستغفار والصلاة.
والله سبحانه لا يضيع من قصده، ولا يخذل من صدق في اللجوء إليه، وإن تأخر الفرج عن الوقت الذي تمناه.
ولا بأس بالبكاء، فالبكاء ليس ضعفاً ولا عيباً، بل قد يكون رحمة وتخفيفاً لما يثقل الصدر.
لقد بكى الأنبياء والصالحون، وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا."
ابك إن احتجت، لكن لا تيأس. احزن، لكن لا تجعل الحزن عقيدتك.
ابتعد قليلاً إن احتجت إلى الهدوء، لكن لا تقطع الناس والحياة.
ضع حدوداً تحميك، لكن لا تجعل من قلبك حجراً.
وفي الختام، لا تقل: "قلبي حجر"، بل قل: قلبي متعب، وسيشفيه الله.
قلبي مجروح، لكنه لا يزال قادراً على الرحمة.
سأتعلم من ألمي، وأحمي نفسي بالحكمة، وأعود إلى الله كلما ضاقت بي الحياة.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وألن قلوبنا بذكرك، وطهرها من القسوة والحقد واليأس
واجبر كسر كل قلب موجوع، وبدل حزنه سكينة، وألمه عافية، وضيق صدره فرجاً قريباً. آمين

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا صاحب القلب اللين الرقيق محمد
وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم
بقلم: سكون الفجر
أما ما خرج عن قدرتك، فلا تجعل الندم عليه يأكل عمرك.
ليس كل ما انكسر قابلاً للعودة إلى صورته الأولى، لكن الإنسان نفسه يستطيع أن ينضج من التجربة
ويتعلم منها، ويخرج بقلب أكثر حكمة، لا أكثر قسوة.
العودة إلى الله: أعظم ما يعين الإنسان في لحظات الانكسار هو صدق العودة إلى الله.
ارجع إليه في ضعفك، واشك إليه ما في صدرك، وأكثر من الدعاء والاستغفار والصلاة.
والله سبحانه لا يضيع من قصده، ولا يخذل من صدق في اللجوء إليه، وإن تأخر الفرج عن الوقت الذي تمناه.
ولا بأس بالبكاء، فالبكاء ليس ضعفاً ولا عيباً، بل قد يكون رحمة وتخفيفاً لما يثقل الصدر.
لقد بكى الأنبياء والصالحون، وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا."
ابك إن احتجت، لكن لا تيأس. احزن، لكن لا تجعل الحزن عقيدتك.
ابتعد قليلاً إن احتجت إلى الهدوء، لكن لا تقطع الناس والحياة.
ضع حدوداً تحميك، لكن لا تجعل من قلبك حجراً.
وفي الختام، لا تقل: "
قلبي مجروح، لكنه لا يزال قادراً على الرحمة.
سأتعلم من ألمي، وأحمي نفسي بالحكمة، وأعود إلى الله كلما ضاقت بي الحياة.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وألن قلوبنا بذكرك، وطهرها من القسوة والحقد واليأس
واجبر كسر كل قلب موجوع، وبدل حزنه سكينة، وألمه عافية، وضيق صدره فرجاً قريباً. آمين
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا صاحب القلب اللين الرقيق محمد
وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم
بقلم: سكون الفجر
آخر تعديل بواسطة المشرف: