(14)... المفاوضات والاستقلال سنة 1962
المفاوضات الشاقة:
1-
قضية الصحراء ووحدة التراب الوطني: من أصعب الملفات التي واجهت الوفد الجزائري في المفاوضات هي: قضية الصحراء ووحدة التراب الوطني.
فالوفد الجزائري لم يفاوض على استقلال منقوص، بل على استقلال يشمل الوطن، وملف الصحراء لم يكن مجرد ملف حدودي، بل كان مرتبطًا أيضًا بالثروات الطبيعية والمصالح الفرنسية..
فعندما نتحدث عن هذا الملف وقت المفاوضات، فنحن نقصد به الخلاف الذي نشأ بين الوفد الجزائري والوفد الفرنسي حول مستقبل الصحراء الجزائرية؛ ففرنسا تنظر إليها باعتبارها منطقة ذات أهمية اقتصادية وعسكرية واستراتيجية كبيرة، بينما بقي الوفد الجزائري مصرًّا على موقفه بأن الصحراء جزء لا يتجزأ من التراب الوطني، وأنه لا يوجد استقلال حقيقي إذا استُثنيت منه الصحراء.
وكان هذا الخلاف أحد أسباب تعثر مفاوضات إيفيان الأولى في يونيو 1961، ثم تعثر محادثات لوجران في يوليو من العام نفسه.
وفي 5 سبتمبر 1961، تراجع شارل ديغول عن المطالبة الفرنسية بالسيادة على الصحراء، لكن ذلك لم ينهِ الخلاف حول المصالح الفرنسية فيها والترتيبات المتعلقة بها.
2-
مستقبل الوجود الفرنسي، والمصالح الاقتصادية والعسكرية: من الأسئلة التي كانت مطروحة على طاولة التفاوض: ما طبيعة العلاقة بين فرنسا والجزائر بعد الاستقلال؟
وهل تنسحب القوات الفرنسية وتنتهي امتيازاتها، أم تبقى لها مواقع عسكرية ومصالح اقتصادية بموجب اتفاقات مع الدولة الجزائرية الجديدة؟
ولكن؛ لماذا كان هذا الملف معقّدًا؟
الجواب: لأن الطرفين كانا ينظران إلى مرحلة ما بعد الاستقلال من زاويتين مختلفتين:
-
الوفد الجزائري: كان يسعى إلى استعادة السيادة الوطنية، وبناء دولة مستقلة تملك قرارها اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا.
-
الوفد الفرنسي: كان يسعى إلى إنهاء الحرب مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المصالح الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية في الجزائر.
ولفهم طبيعة هذا الملف نحتاج أن نركّز عليه من جانبين:
أ-
الوجود العسكري الفرنسي:
من أبرز المواقع والمنشآت العسكرية نصت الاتفاقيات على استمرار استخدام فرنسا لها مدة محدودة، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية:
-
قاعدة المرسى الكبير البحرية: نصت الاتفاقيات على أن تؤجرها الجزائر لفرنسا لمدة 15 سنة، قابلة للتجديد باتفاق الطرفين.
-
مواقع التجارب في الصحراء: تضمنت الترتيبات السماح لفرنسا باستخدام مواقع رقان وإن إكر ومواقع أخرى للتجارب النووية والصاروخية مدة خمس سنوات.
- القوات الفرنسية: نصت الاتفاقيات على تخفيض أعدادها تدريجيًا بعد وقف إطلاق النار، ثم تقليصها إلى 80 ألف جندي خلال سنة من تقرير المصير، وإتمام سحبها خلال السنتين التاليتين وفق الجدول المتفق عليه.
ب-
المصالح الاقتصادية الفرنسية:
لم تكن فرنسا تريد أن تخسر علاقتها الاقتصادية مع الجزائر، ولا سيما مصالحها في النفط والغاز والتجارة، ولذلك تضمنت الاتفاقيات ترتيبات عدّة، منها:
- ضمان الحقوق والمصالح المكتسبة للأشخاص والشركات في إطار الاتفاقيات.
- استمرار التعاون الاقتصادي والمالي بين البلدين.
- منح الشركات الفرنسية أفضلية في بعض الحالات عند منح تراخيص التعدين، وفق الشروط المنصوص عليها.
- تنظيم استغلال ثروات باطن الأرض في الصحراء من خلال هيئة تعاون فنية مشتركة بين البلدين.
3- مستقبل الأوروبيين في الجزائر والضمانات المقدمة لهم:
وكانت صعوبة هذا الملف نابعة من تداخل عدة قضايا:
- الجنسية.
- الحقوق السياسية.
- الحقوق المدنية والثقافية.
- الملكية والممتلكات.
- الإقامة والمغادرة.
وقد خصصت اتفاقيات إيفيان قسمًا لهذه الضمانات، ونصّت على ترتيبات قانونية لحماية حقوق الأوروبيين، من بينها:
ضمان المشاركة في الحياة العامة، واحترام حقوق الملكية، والحريات الثقافية واللغوية والدينية، إلى جانب إنشاء جمعية لحماية الحقوق المضمونة ومحكمة للضمانات.
كما تضمنت فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات لبعض المسائل المتعلقة بالجنسية والحقوق السياسية، والوضع القانوني.
يتبع...