• أهلاً بك زائر في في بيتك الثاني!
    اذا كنت وفيا لمنتدى اللمة بصدق فهو بحاجة لمساهمتك إن مشاركتك ونشاطك يبعثان الحياة فيه ليستمر وينتشر. تفاعل وشاركنا بآرائك، مواضيعك، وإبداعاتك لإثراء المحتوى ونشر الفائدة و كسب الثواب قبل أن نفقد اللمة للأبد كما وقع لباقي المنتديات لاتكتفي بالتفرج.

الرقصة الأخيرة فوق ركام العبث

"هشام الأوراس"

:: عضو مُشارك ::
بعد أعوامٍ طويلة من الغياب، أجدني أعود إلى هذا المكان كما يعود المرء إلى جزءٍ قديم من روحه ظنّ أنه تجاوزه، ليكتشف أنه كان يسكنه طوال الوقت. بعض الأمكنة لا نغادرها حقاً؛ نحن فقط نبتعد عنها جسداً، بينما تظل معلّقة في أعماقنا كذكرى دافئة تقاوم صقيع الأيام.
لقد مضت سنوات ثقيلة، تعلّمت خلالها أن الحياة ليست الطريق المستقيم الذي تخيّله الصغار، بل حلبة واسعة تتصارع فيها الأحلام مع الوقائع، واليقين مع الشك، والأمل مع عبث العالم. نخرج منها مثخنين بالهزائم أحياناً، ومحمّلين ببعض الانتصارات الصغيرة أحياناً أخرى، لكننا نواصل السير لأن التوقف ليس خياراً متاحاً للكائن الذي اختار أن يواجه وجوده بعينين مفتوحتين.
واليوم، أعود إلى هذا المنتدى لا بحثاً عن الماضي، بل بحثاً عن ذلك الجزء من نفسي الذي كان يجد في الكتابة شكلاً من أشكال النجاة. هنا كانت الكلمات أكثر من مجرد حروف؛ كانت مساحةً لترتيب الفوضى الداخلية، ولإلقاء شيء من ثقل الروح على الورق، وللإصغاء إلى أصوات بشرٍ جمعهم الشغف والوفاء رغم اختلاف الطرق والظروف.
أعود لأنني ما زلت أؤمن أن الكتابة ليست ترفاً، بل مقاومة هادئة في وجه الصمت، وأن مشاركة الأفكار ليست مجرد عادة، بل محاولة متواضعة لانتزاع معنى مؤقت من قلب هذا العبث الكبير.
وهكذا أفتح هذه المدونة من جديد، لا بصفة المنتصر ولا المهزوم، بل بصفة المقاتل الذي ما زال واقفاً في الحلبة، يتلقى الضربات، يتأملها، ثم يبتسم ويواصل الجولة التالية
 
توقيع "هشام الأوراس"
سلمت يمناك على الموضوع المميز
 
شكرا لك اخي الكريم على هذا الموضوع المميز
 
لم يكن ديوجين يطارد الخلاص ولا الحقيقة ولا فضيلة تُعلَّق كلوحة على الحائط، كان يبحث عن الحدّ الأدنى الذي يحمي الإنسان من أن يُستخدم ضد نفسه، ومن هنا يبدأ الكلام مباشرة بلا تمهيد أخلاقي ولا دفء إنساني مزيّف، لأن الوعي حين يصل إلى حدّته القصوى لا يحتاج مقدمات، يكفيه أن يسلّط الضوء على الرغبة حتى ترتبك، فالرغبة كائن ليليّ يعيش من الغموض، وكل تسمية تسلبه شيئاً من سلطانه، وديوجين أدرك ذلك قبل أن تُكتب الفلسفات فاختار البرميل ليس مأوىً بل أداة تفكير، لأن من يقلّص حاجاته يوسّع سيادته ومن يختصر العالم يفلت من قبضته، وضحكه لذلك كان جافاً لا مرحاً، ضحك من يرى ما يصمّ الآخرون آذانهم عن رؤيته: أن الإنسان لا يُساق بالقوة بل بالوعد المُقنّع برغبة شخصية، وأن أشدّ السلاسل فعالية هي التي تُلبس ثوب الشهوة الخاصة، هنا يتحوّل الوعي من مجرّد جرح كما عند سيوران إلى طبقة صلبة ما بعد الألم، قشرة تتشكّل حين يتوقف السؤال عن لماذا أتألم ويبدأ السؤال الأشدّ خطراً: لماذا أريد؟ نيتشه عرف هذا التحوّل جيداً حين قال إن الإنسان لا يعاني من الحياة بقدر ما يعاني من تفسيره لها، والرغبة أخطر تلك التفسيرات لأنها تمنح الألم معنى مؤقتاً وتؤجّله بدل أن تقتله، كما فعلت الأساطير حين جعلت الآلهة مرايا مكبّرة للنزوات البشرية، زيوس لم يكن إله السماء بقدر ما كان إله الفائض الذي لا يعرف التوقف، كلّ علاقة جديدة عنده تلد مأساة، والأسطورة تقول بهدوء قاسٍ إن الرغبة حين تُمنح قدرة إلهية تصير كارثة بنيوية لا لأنها شريرة بل لأنها بلا حدود، والحكمة هنا ليست أخلاقاً بل تقنية كبح، ديوجين مارسها بجسده قبل لسانه، فلما قال للإسكندر "ابتعد فإنك تحجب عني الشمس" لم يكن يتحدّى السلطة بل يدرّب نفسه على أدقّ درجات الحرية: القدرة على رفض ما لا تحتاجه حتى لو جاءك في هيئة العالم كلّه، وهنا يلتقي مع نيتشه ليس في التمرّد بل في السيادة، لأن نيتشه لم يحتقر البشر بل احتقر قابليتهم للقيادة عبر ما يشتهونه، ورأى أن من لا ينتصر على نفسه لا يحقّ له أن يدخل علاقة، إذ تصير العلاقة حينها ليس لقاء قوتين بل اصطدام نقصين، والأساطير تروي ذلك بلا رومانسية، نرسيس لم يمت لأنه أحبّ ذاته بل لأنه لم يترك مسافة بينه وبين صورتها فغرق فيها كما يغرق الإنسان في توقّعاته من الآخر، إيكاروس لم يسقط لأنه طار عالياً بل لأن الرغبة صمّت أذنيه عن التحذير فتحوّل الطموح إلى تهوّر، أما سيزيف فكان الأكثر حكمة ليس لقوّته بل لأنه الوحيد الذي رأى عبث المهمة ولم يطلب تعويضاً، هنا فقط يبدأ الوعي البارد الذي لا ينتظر مكافأة ولا يفاوض الواقع، في هذا المستوى تصير العلاقات مجال اختبار لا مساحة أمل، والوعي يعمل كدرع عقلي لا يمنع الشعور بل يمنع التضليل، لأن من فهم آلية رغبته يرى رغبات الآخرين بوضوح مرعب، يرى كيف يتخفّى الإحتياج في رداء الحب وكيف يُقدَّم التعلّق كعمق وكيف تُستخدم الحميمية كاستحواذ ناعم، والحكمة الباردة لا تجادل ولا تقنع، تلاحظ ثم تنسحب، لأنها تعلّمت من نيتشه أن ما لا يمكن تغييره لا ينبغي الإقتراب منه، وأن الشفقة غير الواعية عنف مؤجّل، ديوجين لم ينعزل لأنه كره البشر بل لأنه رأى أن أكثرهم يعيشون داخل قصّة لم يختاروها، وأن الدخول في علاقة مع إنسان لم يفكّك رغباته يشبه الدخول في أسطورة لم تُكتب نهايتها بعد وغالباً تنتهي بتضحية بلا داعٍ، والوعي هنا لا يمنح الطمأنينة بل الدقّة، دقّة معرفة متى تصمت ومتى تبتعد ومتى ترفض القرب لا ازدراءً بل حفاظاً على ما تبقّى سليماً، لأن نيتشه كان محقاً حين رأى أن أعظم خطر على الإنسان الواعي ليس الألم بل العدوى، عدوى الرغبات غير المفحوصة وعدوى المعاني الجاهزة وعدوى العلاقات التي تطالبه أن يكون دواءً لنقص لم يصنعه، هكذا لا تصير العزلة موقفاً أخلاقياً ولا بطولة داخلية بل نتيجة حسابية باردة: تقليل الإحتكاك، تقليل الخسائر، وتقليل التورّط في مآسٍ يمكن تجنّبها لو سبق العقل الرغبة بخطوة، والحكمة في هذا المستوى لا تعد بشيء ولا تعِد أحداً، هي فقط تحمي المسافة الضرورية بين الإنسان وبين ما قد يدمّره لو اقترب أكثر مما ينبغي، ومن وصل إلى هنا لم يعد يبحث عن فهم الآخرين بقدر ما يفهم آلياتهم، لم يعد ينتظر الإعتراف ولا يخاف سوء الفهم، لأنه كما قال نيتشه من عرف لماذا يعيش يستطيع احتمال أيّ كيف، وديوجين أضاف بَصمَته الصامتة: ومن عرف ما يكفيه نجا من معظم ما لا لزوم له.
 
توقيع "هشام الأوراس"
شكرا لك اخي الكريم على هذا الموضوع المميز
 
اعتبرني من أتباعك الاوفياء طالما أنك تحارب لتكتب
 
ثمّة بشرٌ يعيشون أعمارهم الطويلة وهم يتقنون فنّ الإحتيال على الذات أكثر ممّا يتقنون الحياة نفسها؛ يضعون بين عيونهم وأرواحهم ستائر كثيفة من الوهم كي يستطيعوا احتمال العالم، ويمضون في الأسواق والسرائر والعلاقات وهم يساومون الحقيقة على جرعات صغيرة من الراحة، أمّا أنا فقد كانت مأساتي القديمة أنّني لم أستطع يومًا أن أهادن الكذب حين يتعلّق بوعيي، كأنّ داخلي قاضٍ متوحّش لا ينام، يفتّش في كلّ لذّة عن ثمنها الخفيّ، وفي كلّ انتصار عن مقدار الزيف المختبئ تحت هتافاته، ولهذا بدوتُ في أحيان كثيرة إنسانًا يخرّب على نفسه فرص النجاة السهلة، لأنّ الذين يرفضون خداع أنفسهم يدفعون عادةً ضريبة قاسية من الطمأنينة. لقد فهمتُ مبكرًا ما كان فريدريك نيتشه يقصده حين قال إنّ أخطر الأكاذيب هي تلك التي نقولها لأنفسنا؛ فالعقل حين يُخدَع مرّة واحدة لا يعود كما كان، بل يصبح غرفةً رخوة تستقبل الأوهام كما تستقبل الأرض الرطبة العفن، ويصير الإنسان بعدها أكثر استعدادًا لتصديق كلّ ما يريحه لا كلّ ما هو حقيقي، ولذلك لم أقترب يومًا من أيّ شكل من أشكال التخدير الحديثة؛ لا لأنني قدّيس كما يحبّ الوعّاظ أن يتخيّلوا، بل لأنّ كبريائي العقلي كان يرفض أن أتنازل عن سيادة وعيي لأيّ شيء يُضعف حدّة إدراكي، وقد أدركت مبكرًا أنّ المخدّر ليس دائمًا مسحوقًا أو حقنة؛ أحيانًا يكون ضجيجًا متواصلًا، أو ترفيهًا بلا توقّف، أو استهلاكًا شرهًا، أو تفاؤلًا قسريًا يضعه الإنسان على عينيه كي لا يرى الخراب بوضوح، ثمّة بشر لا يعيشون حقًا، بل يشتّتون انتباههم عن الحياة حتى تمرّ بأقلّ قدر ممكن من الألم، يملأون أيامهم بالضوضاء كي لا يسمعوا صوت الفراغ في داخلهم، وكان يبدو لي دائمًا أنّ الإنسان حين يعجز عن مواجهة الحقيقة يبدأ تلقائيًا بالبحث عن أيّ شيء يسكّن وعيه: شاشة لا تنطفئ، جمهور يهتف، علاقة مؤقتة، أو نشوة عابرة تمنحه لبضع ساعات وهم الخفّة، لكنّني كنت أرى في ذلك كلّه شكلًا مهذّبًا من الإنتحار البطيء للعقل، لأنّ التخدير في جوهره ليس مادّةً كيميائية فحسب، بل فلسفة كاملة تقول للإنسان: لا تواجه هشاشتك، فقط عطّل إحساسك بها. وكان ألبير كامو يرى أنّ السؤال الفلسفي الحقيقي هو ما إذا كانت الحياة تستحقّ أن تُعاش، لكنّ كثيرين يجيبون عن هذا السؤال بطريقة ملتوية؛ لا يعيشون الحياة فعلًا، بل يخدّرون شعورهم بها، أمّا أنا فكنت أفضّل الألم الصافي على الراحة المستعارة، لأنّ الوعي حتى وهو يتعذّب يبقى أكثر شرفًا من سعادة مزيفة تقوم على تغييب الذات عن ذاتها، كنت أؤمن أنّ الإنسان لا يُهان حين يسقط، بل يُهان حين يتواطأ مع ما يُضعف بصيرته ثم يسمّيه خلاصًا. وربّما لهذا السبب أيضًا لم أستطع أن أتعامل مع الجسد بوصفه سلعةً أو رياضةً عابرة، لم أرفض الجنس لأنّ الرغبة خطيئة كما يتوهّم الأخلاقيون المرتبكون، بل لأنّ الرغبة حين تُفصل عن الصدق تتحوّل إلى أداءٍ بارد يشبه الكذب الجسدي، كان في داخلي نفور عميق من فكرة أن يُشترى الحنان أو تُستأجر الرغبة لساعات، لأنّ الإنسان مهما تظاهر بالقوّة يعرف في أعماقه الفرق بين نظرة خرجت من الشغف ونظرة خرجت من المقابل المادّي، أيّ بطولة زائفة تلك التي يشعر بها رجل يعلم أنّ المرأة التي بين ذراعيه لا تراه حقًا، بل ترى ما سيدفعه أو ما يمنحه؟ لقد بدا لي الأمر شبيهًا بأن يستأجر الإنسان مرآةً تكذب عليه لبعض الوقت، ثم تتركه بعد انتهاء العرض وحيدًا أمام صورته الحقيقيّة، وحتى العلاقات العابرة التي يتباهى بها كثيرون لم تبدُ لي أكثر صدقًا؛ كنت أراها أحيانًا مجرّد طريقة أخرى للهروب من الوحدة، كأنّ البشر صاروا يستخدمون الأجساد كما يستخدمون المهدّئات: جرعة مؤقتة ضدّ الفراغ الداخلي، كانوا يسمّون ذلك حرية، بينما كنت أراه في كثير من الأحيان خوفًا مقنّعًا من الصمت مع الذات، ولهذا لم أكن أبحث عن تعدّد النساء بقدر ما كنت أبحث عن امرأة واحدة، جميلة بما يكفي لإرباك حواسي، وذكية بما يكفي لإيقاظ عقلي، امرأة لا أشعر معها أنّني أستهلك لحظةً ثم أغادرها، بل أنّني ألتقي ذاتي عبرها، فالرغبة الحقيقية ليست مجرّد اقتراب الأجساد، بل اعتراف روح بروح، ولهذا يصبح الجسد بلا معنى نوعًا من العطش الذي يزداد كلّما شرب صاحبه أكثر. وكان سورين كيركغور يقول إنّ أنقى أشكال اليأس هو أن يفقد الإنسان ذاته وهو يظنّ أنّه وجدها، وأنا كنت أشعر أنّ الإنسان قد يضيع نفسه أحيانًا وسط اللذّات السريعة أكثر ممّا يضيعها وسط الحرمان، فالجسد حين يُستخدم كوسيلة نسيان لا كوسيلة حبّ يمنح الإنسان لحظة امتلاء قصيرة ثم يتركه بعد انطفائها أكثر فراغًا ووحدة، ولذلك كنت أفضّل الوحدة الصادقة على علاقة أعرف منذ بدايتها أنّها لا تراني حقًا، لأنّ الإنسان يستطيع احتمال الحرمان، لكنه بالكاد يحتمل أن يشعر بأنّه محبوب على سبيل التمثيل. وربّما لهذا أيضًا لم أستطع يومًا أن أصفّق لانتصار أعرف في داخلي أنّه لم يحدث، ففي القضايا العادلة لا يكفي أن نهتف كثيرًا كي نصنع حقيقة، ولا يكفي أن نغرق الشاشات بالشعارات كي يتغيّر ميزان العالم، ثمّة خيانة خفيّة تحدث حين يحتفل الناس بانتصارات وهمية فقط كي يهربوا من قسوة الإعتراف بالتعثّر أو الهزيمة، وكأنّهم يضعون على الجرح عَلَمًا بدل أن يداووه، لقد تعلّمت أنّ الحقيقة لا تحتاج إلى تصفيق، وأنّ العدالة لا تكبر بالخطابات بل بالثمن المدفوع لأجلها، وكان جورج أورويل محقًا حين كتب أنّ قول الحقيقة في زمن الخداع فعل ثوري، وربّما كانت الثورة الأصعب فعلًا هي أن تظلّ وفيًّا للواقع حين يصبح الوهم أكثر راحة وأكثر جماهيرية، فالإنسان حين يحتفل بانتصار غير موجود لا يخدع خصومه بقدر ما يخدع هشاشته الخاصة؛ يضع على عينيه ضمادة من الحماس كي لا يرى الخراب بوضوح، لكنّ الخراب لا يختفي لأنّنا أنكرناه، تمامًا كما أنّ الليل لا يصير نهارًا لأنّنا أشعلنا المزيد من المصابيح، وكذلك الإنسان الذي يغرق نفسه في الضجيج والعلاقات السطحية واللذّات السريعة لا يقتل ألمه حقًا، بل يؤجّل مواجهته فقط، كمن يضع الموسيقى بصوت مرتفع داخل بيت يحترق كي لا يسمع صوت النيران. ولذلك كانت حماقاتي الكثيرة في الحياة أقلّ خطورة من هذه الأشياء التي رفضتها؛ لأنّ الخطأ البشري يمكن احتماله، أمّا أن يعيش المرء متصالحًا مع تزوير وعيه، أو تزوير رغبته، أو تزوير انتصاراته، فذلك نوع من الموت البطيء الذي يحدث بينما يظنّ الإنسان أنّه ما يزال حيًا، لقد كنت أؤمن، وربّما ما أزال، أنّ الكرامة الحقيقية ليست أن تبدو قويًا أمام العالم، بل أن تبقى صادقًا أمام نفسك حين يصبح الكذب أكثر ربحًا، وأن تحرس عقلك كما يحرس الناس أوطانهم، لأنّ آخر ما يملكه الإنسان في هذا الكون المزدحم بالخداع هو وضوحه الداخلي؛ ذلك الضوء الخافت الذي إن انطفأ صار كلّ شيء بعده قابلًا للبيع، حتى الروح نفسها.
 
توقيع "هشام الأوراس"
شكرا لك اخي الكريم على هذا الموضوع المميز
 
نعيش في زمن لم يعد الإنسان فيه يحتاج إلى إخفاء أمراضه النفسية والأخلاقية، لأنه نجح في تحويلها إلى سلوك جماعي مألوف، حتى أصبحت القسوة رأيًا، والشماتة حرية تعبير، والنفاق الإجتماعي ذكاءً في التعامل، وأصبح كل فرد مقتنعًا بأنه الإنسان الطيب وسط هذا الخراب كله، الضحية الوحيدة بين ملايين الجلادين، بينما الحقيقة الأكثر رعبًا أن الجميع تقريبًا يحمل الشعور ذاته في داخله، الجميع يعتقد بأنه مختلف أخلاقيًا عن الآخرين، أن قلبه أنظف، وأن نواياه أنقى، مع أن المشاهد اليومية تكشف العكس باستمرار؛ يكفي أن يخطئ شخص أو يعترف بضعفه أو يروي جزءًا من ألمه حتى تتكاثر حوله الجموع كما لو أنها كانت تنتظر ضحية جديدة لتغسل عبرها شعورها الداخلي بالنقص، فينهالون عليه بالشتائم والأحكام والإستعراض الأخلاقي، لا لأنهم أكثر وعيًا أو أكثر فضيلة، بل لأن الإنسان بطبيعته يخاف مواجهة عيوبه إلى درجة تجعله يفضل تمزيق عيوب الآخرين بدل النظر داخل نفسه، ولهذا يبدو البشر مهووسين بالإدانة، لأن الإدانة تمنحهم شعورًا مؤقتًا بالنقاء، وتجعلهم ينسون للحظات أن الوحش الذي يكرهونه في الخارج يسكنهم هم أيضًا بشكل أو بآخر، والمفارقة أن أكثر الناس حديثًا عن الأخلاق هم أحيانًا أكثرهم تعطشًا لممارسة العنف الرمزي ضد الآخرين، فهم لا يستخدمون الدين أو المبادئ دائمًا من أجل الإصلاح، بل كثيرًا ما يستخدمونها كأداة للتفوق النفسي والشعور بالسمو، إذ يكفي أن يخطئ شخص حتى يتحولوا فجأة إلى قضاة يتحدثون باسم الحقيقة المطلقة، مع أنهم لو وُضعوا تحت الضوء نفسه لانكشفت تناقضاتهم بالقدر ذاته، لكن الإنسان لا يرى نفسه كما يرى الآخرين، لأنه يمتلك قدرة مرعبة على تبرير ذاته وإعادة صياغة أفعاله حتى يبقى بطل قصته الخاصة مهما بلغ سوءه، ولهذا نادرًا ما يعترف أحد بأنه مؤذٍ أو أناني أو منافق، فحتى أكثر البشر قسوة يجدون دائمًا سردية تجعلهم مقتنعين بأنهم كانوا على حق، وكأن العقل البشري لم يُخلق للبحث عن الحقيقة بقدر ما خُلق لحماية صورة الإنسان عن نفسه من الإنهيار، ووسائل التواصل الإجتماعي لم تصنع هذه الطبيعة بل كشفتها فقط، لقد أزالت الأقنعة القديمة ومنحت الجميع فرصة لعرض دواخلهم أمام العالم، فظهر كم أن البشر متعطشون للإنتصار الأخلاقي الوهمي، وكم أنهم يجدون لذة خفية في السخرية والتقليل والإلغاء والتشهير، ثم يعود كل واحد منهم إلى حياته مقتنعًا بأنه إنسان صالح لأنه هاجم "الشخص السيئ" لذلك اليوم، وربما لهذا يبدو العالم مليئًا بالضجيج الأخلاقي لكنه فارغ من الفهم الحقيقي، لأن القليل فقط من الناس يملكون الشجاعة الكافية للإعتراف بأن الشر ليس كائنًا خارجيًا نسقطه على الآخرين، بل احتمال إنساني موجود داخل كل فرد، وأن الإنسان قد يتحول إلى نسخة مخيفة من القسوة وهو مقتنع تمامًا بأنه يمارس الفضيلة، ولذلك فإن أخطر أنواع الشر ليست تلك التي تُرتكب بدافع الكراهية الصريحة، بل تلك التي تُرتكب تحت شعارات النقاء والإصلاح والخير، لأن صاحبها لا يشعر أبدًا بأنه مذنب، وفي عالم كهذا يصبح الوعي عبئًا ثقيلًا، إذ كلما تأخر الإنسان خطوة إلى الخلف ليراقب المشهد بوضوح، اكتشف أن البشرية لا تعاني فقط من الجهل، بل من وهم جماعي عميق يجعل كل شخص يرى فساد الآخرين بحدة بينما يبقى أعمى تقريبًا أمام ظلامه الداخلي، وربما لهذا السبب سيظل الإنسان يكرر الأخطاء نفسها عبر العصور، لأن المشكلة لم تكن يومًا في نقص المواعظ، بل في ندرة الصدق مع الذات.
 
توقيع "هشام الأوراس"
اكتشفت أخيرًا، بعد أكثر من عشر سنوات من التجوال في ليالٍ لا تنتهي، أنني لم أكن أعاني من الأرق بالمعنى الذي تمنحه هذه الكلمة البسيطة للأطباء والناس، بل كنت أعيش في خللٍ أعمق، في شرخٍ خفيّ بيني وبين الزمن، كأن شيئًا ما انكسر في الآلية التي تجعل الإنسان يودّع يومه كي يستقبل يومًا آخر، وكأنني حُرمت من تلك الرحمة الصغيرة التي يمارسها البشر كل ليلة دون أن يعرفوا أنها رحمة: أن يغمضوا أعينهم فينتهي العالم قليلًا، ثم يفتحونها فيجدون أن الماضي قد صار خلفهم، وأن الصباح يحمل، ولو كذبًا، وعدًا ببداية جديدة؛ أما أنا فلم يكن شيء ينتهي، كانت الأيام تتراكم فوق بعضها كطبقات من الرماد، وكان الليل لا يهبط عليّ بقدر ما كان يكشفني لنفسي، يكشف لي ذلك الجزء الذي يستطيع الإنسان أن يفرّ منه طوال النهار بالحركة والكلام والضجيج والعمل والآخرين، لكنه لا يستطيع الفرار منه حين تنطفئ المدينة ويصبح العالم كله نائمًا، ويبقى هو وحده في مواجهة ذلك الشيء الغامض الذي يسميه الناس وعيًا، مع أنني بدأت أراه أقرب إلى عقوبة منه إلى نعمة؛ ولعل هذا هو السبب الذي جعل كلمات إميل سيوران، حين صادفتها مصادفة، تصيبني بذلك العنف الغريب الذي لا يصدر إلا عن جملة يجد المرء نفسه فيها قبل أن يعرف أنها كُتبت عنه، فقد فهمت فجأة أن النوم ليس استراحة للجسد فحسب، بل قطيعة ميتافيزيقية مع الذات، وأن الإنسان الذي ينام ينجو كل ليلة من نفسه دون أن يدري، يترك وعيه خلفه، ينسحب مؤقتًا من وجوده، يدفن الساعات الماضية تحت ظلمة جفنيه، ثم يعود في الصباح أقل ارتباطًا بما كان، بينما الذي لا ينام لا يملك هذا الإمتياز؛ إنه لا يخرج من نفسه، ولا ينسى للحظة أنه موجود، ولا يسمح للزمن بأن يفصل بين ما كان وما سيكون، ولذلك تصبح الثامنة صباحًا مجرد استمرار للثامنة مساءً، ويصبح الغد اسمًا آخر لليوم نفسه، ويصبح المستقبل شيئًا لا يمكن تخيله لأن الإنسان لا يستطيع أن يتطلع إلى مستقبل لم ينجح في مغادرة حاضره؛ كنت أذهب إلى فراشي لا انتظارًا للنوم، بل هربًا من اليقظة، وهذه مفارقة لا يفهمها إلا من جُرّد من القدرة على النوم: أن يصبح السرير مكانًا تذهب إليه كي تعاني من عدم نومك، وأن تتحول الوسادة من موضع للراحة إلى شاهدٍ صامت على عجزك، وأن تصير الساعة التي تراقبها من تحت الظلام خصمًا شخصيًا لك، لا لأنها تتحرك، بل لأنها تتحرك بينما أنت ثابت، وكأن الزمن يمر من خلالك دون أن يأخذك معه؛ في البداية كنت أقاوم، ثم بدأت أساوم، ثم تعلمت الإنتظار، ثم اكتشفت أن الإنتظار نفسه شكل آخر من أشكال العذاب، لأن الإنسان حين ينتظر النوم يصبح النوم غاية، وحين يصبح النوم غاية يبتعد أكثر، فيبدأ المرء في مراقبة جسده كما يراقب سجينٌ باب زنزانته، يستمع إلى أنفاسه، إلى دقات قلبه، إلى الضجيج الخافت في رأسه، إلى كل فكرة تطرأ عليه، ثم يحاول ألا يفكر، فيفكر في محاولته ألا يفكر، ثم يدرك أنه ما زال مستيقظًا، فينشأ من ذلك الوعي وعيٌ آخر، ثم ثالث، حتى لا يعود هناك شيء بينه وبين نفسه؛ مجرد طبقات من الإدراك تتكاثر في الظلام كالمرايا، كل مرآة تعكس مرآة أخرى، إلى أن يصبح الإنسان سجينًا لقدرته على ملاحظة أنه سجين؛ ومع مرور السنوات لم يعد الأرق حادثةً تقع في حياتي، بل صار هو البنية التي أخذت حياتي شكلها من خلالها، لم يعد شيئًا يزورني في الليل ثم يغادر، بل صار مقيمًا في داخلي، يرافقني إلى النهار، ويجلس إلى جواري في الشوارع، وفي الغرف، وبين الناس، وحتى في اللحظات التي كنت أبدو فيها طبيعيًا؛ فالحرمان الطويل من النوم لا يترك الجسد وحده، إنه يغيّر علاقة الإنسان بعقله، وبذاكرته، وبانفعالاته، وبالوقت، وبالأشياء الصغيرة التي كان يمر عليها دون تفكير، يجعل الأشياء أثقل، والأفكار أكثر لزوجة، والقلق أكثر قدرة على اختراع نفسه من لا شيء، حتى يصبح العالم كله مغطى بطبقة رقيقة من الإرهاق لا يراها أحد سواك؛ كنت أرى الآخرين ينامون ثم يستيقظون، وكان في هذه الحركة البسيطة شيء من المعجزة التي لم أعد قادرًا على مشاركتها، كانوا يغلقون أعينهم فيسقط عنهم اليوم، ثم يفتحونها وقد أصبح الأمس ميتًا، بينما كنت أستيقظ دون أن أكون قد غادرت شيئًا، كنت أحمل الأمس معي إلى الصباح كما يحمل الميت ظله، لا فرق حقيقيًا بين الليل والنهار إلا في شدة الضوء، وكان هذا كافيًا لأن أشعر أنني خارج الزمن؛ لا متأخرًا عنه فقط، بل منفصلًا عن آليته السرية، كأن البشرية كلها تسير وفق ساعة واحدة، بينما بقيت ساعتي معلقة في لحظة لا أعرف كيف أخرج منها؛ ولهذا كنت أراقب الآخرين وهم يخططون للمستقبل بشيء يشبه الدهشة، كانوا يتحدثون عن العام القادم، عن السفر، عن الحب، عن العمل، عن المشاريع، عن الشيخوخة، عن أشياء ستحدث بعد أشهر أو أعوام، وكنت أسمع كلمة "غدًا" كما لو أنها اسم لبلد بعيد لم تطأه قدماي قط، لأن الغد بالنسبة لمن لا ينام ليس امتدادًا طبيعيًا للحاضر، بل فرضية؛ وما الذي يجعل المستقبل ممكنًا في نفس الإنسان إلا قدرته على قطع الصلة بما عاشه؟ النوم يفعل ذلك دون أن نستأذنه، يقطع الخيط، يمحو الاستمرارية، يترك مسافة بين الإنسان وبين نفسه، لكنني كنت أعيش بلا مسافة؛ كنت أمتد من ليلة إلى أخرى كما تمتد الجملة حين يعجز الكاتب عن وضع نقطة في نهايتها؛ وربما كان هذا أكثر ما أرعبني: أنني لم أعد أعيش الأيام، بل أستمر فيها، والاستمرار شيء مختلف تمامًا عن الحياة؛ الحياة تتطلب فواصل، نسيانًا، انقطاعات، موتًا صغيرًا يتكرر كل ليلة، أما الاستمرار فهو أن تبقى حاضرًا إلى ما لا نهاية، أن تحمل وعيك من ساعة إلى ساعة، وأن تعرف أنك تحمله، وأن تعجز حتى عن التخلص من هذه المعرفة؛ وفي منتصف الليل، حين تنام المدن، كنت أشعر بأنني أُقصى من النوع البشري لا مجازًا بل شعورًا؛ النوافذ تنطفئ واحدةً بعد أخرى، الأصوات تنسحب، السيارات تقل، الشوارع تفرغ، ثم يصير العالم غرفةً ضخمة أُطفئت أنوارها وبقيت فيها مصباحًا وحيدًا لا يعرف أحد لماذا لم ينطفئ؛ في تلك الساعات كنت أفهم معنى الوحدة بطريقة لا تمنحها العزلة العادية، لأن الوحدة بين البشر لا تزال تحمل احتمال الآخر، أما وحدة المستيقظ في عالم نائم فهي وحدة بلا شاهد؛ أنت الوحيد الذي يعرف أنك مستيقظ، والوحيد الذي يعرف أن الآخرين لا يعرفون، والوحيد الذي يسمع الزمن وهو يمر، بينما الجميع غائبون عنه؛ ولعل الإنسان لا يخاف الوحدة بقدر ما يخاف أن يصبح وعيه هو رفيقه الوحيد، لأن الذات حين تُترك طويلًا مع نفسها تبدأ في إنتاج محاكمها الخاصة، وتستدعي موتاها، وتفتح ملفاتها القديمة، وتعيد محاكمة القرارات التي اتخذتها قبل سنوات، وتخلق من الاحتمالات التي لم تقع تاريخًا بديلًا لحياتك؛ في الليل لم تكن ذكرياتي تأتي إليّ كذكريات، بل كاتهامات، ولم تكن أخطائي أخطاءً قديمة، بل احتمالات لا تزال حية؛ كل «لو» كان يملك جسدًا، وكل قرار لم أتخذه كان يستطيع أن يجلس أمامي ويقول: كان يمكن أن تكون شخصًا آخر؛ وهنا يبدأ العقل في ارتكاب أكثر حيله قسوة: يحوّل الماضي إلى محكمة لا تنتهي، والمستقبل إلى فراغ، والحاضر إلى ممر ضيق لا يؤدي إلى شيء؛ وربما لهذا يبدو الأرق الطويل شبيهًا بالعدمية من حيث لا يقصد الإنسان: إنه لا يقنعك بأن الحياة بلا معنى، بل يحرمك من الظروف النفسية التي تجعل المعنى قابلًا للتصديق؛ فالمعنى يحتاج إلى مسافة، والأمل يحتاج إلى صباح، والبداية تحتاج إلى نهاية، وحتى الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن ينسى نفسه كي يستطيع أن يحبها في اليوم التالي؛ أما حين يستمر الوعي بلا انقطاع، فإنه يبدأ في التهام كل شيء، يحلل حتى ما لا يحتاج إلى تحليل، يشكك في أبسط البديهيات، ويحوّل الشعور إلى موضوع، والحياة إلى سؤال، والسؤال إلى سؤال آخر، إلى أن لا يبقى من التجربة شيء سوى مراقبتها؛ كنت أحيانًا أشعر أنني لم أعد أعيش، بل أراقب نفسي وأنا أحاول أن أعيش، وهذه المسافة الصغيرة بين الإنسان وحياته قد تكون واحدة من أكثر الهاويات قسوة؛ لأنك لا تعاني فقط، بل تصبح واعيًا بأنك تعاني، ثم واعيًا بأنك واعٍ بمعاناتك، ثم تبدأ في مراقبة هذا الوعي نفسه، حتى تنفصل التجربة عن صاحبها ويصبح الإنسان مشاهدًا لسجنه؛ وربما هنا تحديدًا فهمت شيئًا لم أفهمه طوال السنوات الأولى: لم تكن مشكلتي أنني لا أنام فقط، بل أنني لم أعد أعرف كيف أتوقف عن الوجود للحظة؛ لقد كنت أبحث عن النوم بينما كنت في الحقيقة أبحث عن انقطاع، عن صمت داخلي، عن لحظة لا أكون فيها مطالبًا بأن أكون حاضرًا في رأسي، عن موت صغير لا يخيفني لأنني أعرف أنني سأعود منه؛ كنت أريد فقط أن أفقد الوعي بما يكفي كي أستطيع استعادته؛ ومع ذلك، فإن أكثر ما أثقلني لم يكن الليل ذاته، بل المعنى الذي بدأ يتشكل حوله، ذلك الإحساس بأنني أصبحت من أولئك الذين يعيشون خارج الإيقاع الطبيعي للعالم، أولئك الذين يسمعون في الليل شيئًا لا يسمعه النائمون، ويرون في الصباح شيئًا لا يراه المستيقظون جيدًا؛ كنت أشعر أنني أحجز لنفسي، ليلةً بعد ليلة، ركنًا في العالم السفلي، لا باعتباري ميتًا، ولا باعتباري حيًا كما ينبغي، بل باعتباري كائنًا عالقًا في المنطقة التي لا تنتمي إلى أيٍّ من الطرفين؛ دميةً تالفة فقدت عينيها من فرط التحديق في الظلام، ثم لم تعد تعرف هل فقدت بصرها أم أن الظلام نفسه صار عضوًا من أعضائها؛ لكن أكثر ما يؤلمني الآن، وأنا أنظر إلى تلك السنوات، ليس أنني عانيت، بل أنني لم أكن أعرف ما الذي أعانيه؛ كنت أفسر التعب على أنه ضعف، والتشاؤم على أنه طبيعة، والعزلة على أنها اختيار، وفقدان الشغف على أنه تغير في الشخصية، وثقل الأيام على أنه حقيقة الحياة؛ كنت أضع أسماءً أخلاقية وفلسفية على أشياء قد يكون بعضها نتيجة جسدٍ وعقلٍ محرومين طويلًا من النوم، وكنت أطالب نفسي بأن تفهم الحياة بينما كانت عاجزة عن الحصول على أبسط شروط القدرة على احتمالها؛ وهذه ربما كانت أكثر أخطائي ظلمًا لنفسي: أنني حاكمت الإنسان الذي كنت عليه دون أن أفهم الظروف التي كان يعيش داخلها؛ الآن، لا أريد أن أجمّل ما حدث، ولا أن أحوّل العذاب إلى حكمة رخيصة، ولا أن أقول إن كل جرح يترك وراءه معنى، فبعض الجروح لا تعلمنا شيئًا سوى أنها تؤلم، وبعض الليالي لا تمنحنا أي كشف، بل تستهلكنا فحسب؛ لكنني أعرف اليوم، للمرة الأولى، أنني كنت أعيش في حرب صامتة مع وظيفة تبدو تافهة حين نتحدث عنها، لكنها تمس أعمق ما في الإنسان: قدرته على الانقطاع عن نفسه؛ أعرف أنني لم أكن أفتقر إلى الإرادة كما تخيلت، ولم أكن كسولًا، ولا ضعيفًا، ولا مجرد رجل بالغ في التفكير؛ كنت، ببساطة، أعيش منذ زمن طويل تحت وعي لم يجد له بابًا للخروج؛ وحين يصل الوعي إلى هذه الدرجة من الاستمرار، لا يعود أكثر بصيرة بالضرورة، بل يصبح مرهقًا من بصيرته، ويبدأ في تدمير الشيء الذي كان يفترض أن يمنحه الفهم؛ لذلك لا أريد أن أقول إنني بلغت الحقيقة بعد كل هذه السنوات، فالحقيقة كلمة كبيرة على إنسان أمضى لياليه يعدّ الدقائق، لكنني بلغت شيئًا أكثر تواضعًا وأشد قسوة: بلغت النقطة التي لم أعد فيها أخلط بين الظلام الذي أشعر به والظلام الذي يحيط بي؛ عرفت أخيرًا أن ما كنت أسميه عبثًا قد يكون، في جزء منه، وعيًا مستنزفًا، وأن ما كنت أراه نهايةً قد يكون أحيانًا عقلًا لم يُمنح فرصةً كافية ليصمت؛ وأن أسوأ ما فعله الأرق بي لم يكن أنه سرق نومي، بل أنه جعلني أعيش طويلًا في منطقة يصبح فيها الإنسان شاهدًا على نفسه بدل أن يكون نفسه؛ ومع ذلك، في هذه النقطة تحديدًا، عند الحد الذي يبدو فيه كل شيء فارغًا، يحدث شيء غريب: لا أجد خلاصًا، ولا وعدًا، ولا نورًا يهبط فجأة من سقف العدم، بل أجد فقط وضوحًا؛ وضوحًا باردًا، قاسيًا، خاليًا من الزينة؛ أعرف الآن ما الذي أواجهه، وأعرف أنني أمضيت سنوات وأنا أحاول أن أفسر جرحًا لم أتعلم بعد كيف أسميه، وأعرف أنني كنت أعيش في استمرارية خانقة بين الليل والنهار، بين الوعي والوعي، بين سؤال وسؤال، حتى وصلت إلى ما يمكن أن أسميه، دون مبالغة، النقطة الصفر للوعي: تلك النقطة التي لا يعود فيها الوعي قادرًا على أن يضيف معنى جديدًا إلى ألمه، ولا على أن يهرب منه بالتفسير، فيتوقف أخيرًا عن ادعاء الحكمة؛ هناك، عند الصفر، لا أقول إنني فهمت الحياة، بل إنني فهمت ما كان يحدث لي؛ ولا أقول إن الظلام انقشع، بل إنني عرفت مصدره؛ ولا أقول إنني انتصرت، لأنني لا أؤمن بانتصارات سهلة على أشياء استوطنت الإنسان كل هذه السنوات؛ كل ما أملكه الآن هو هذا الإدراك العاري: أنني كنت مستيقظًا أكثر مما ينبغي، وأنني دفعت ثمن ذلك من الزمن، ومن نفسي، ومن قدرتي على تصديق الغد؛ وأن الوصول إلى الصفر ليس نهاية الوعي، بل اللحظة التي يتوقف فيها عن خداعي؛ اللحظة التي لا يعود فيها الليل استعارة، ولا الأرق فلسفة، ولا العدم موقفًا فكريًا، بل تجربةً عشتها بكل ما فيها من قسوة؛ وفي تلك النقطة، حين لا يبقى شيء يمكن للعقل أن يفسره أو يجمّله، أقف أخيرًا أمام ما عانيته بلا أسماء، بلا بطولات، بلا أوهام، وأقول لنفسي: الآن فقط أعرف أين كنت طوال هذه السنوات.
 
توقيع "هشام الأوراس"
العودة
Top Bottom