الرقصة الأخيرة فوق ركام العبث

"هشام الأوراس"

:: عضو مُشارك ::
بعد أعوامٍ طويلة من الغياب، أجدني أعود إلى هذا المكان كما يعود المرء إلى جزءٍ قديم من روحه ظنّ أنه تجاوزه، ليكتشف أنه كان يسكنه طوال الوقت. بعض الأمكنة لا نغادرها حقاً؛ نحن فقط نبتعد عنها جسداً، بينما تظل معلّقة في أعماقنا كذكرى دافئة تقاوم صقيع الأيام.
لقد مضت سنوات ثقيلة، تعلّمت خلالها أن الحياة ليست الطريق المستقيم الذي تخيّله الصغار، بل حلبة واسعة تتصارع فيها الأحلام مع الوقائع، واليقين مع الشك، والأمل مع عبث العالم. نخرج منها مثخنين بالهزائم أحياناً، ومحمّلين ببعض الانتصارات الصغيرة أحياناً أخرى، لكننا نواصل السير لأن التوقف ليس خياراً متاحاً للكائن الذي اختار أن يواجه وجوده بعينين مفتوحتين.
واليوم، أعود إلى هذا المنتدى لا بحثاً عن الماضي، بل بحثاً عن ذلك الجزء من نفسي الذي كان يجد في الكتابة شكلاً من أشكال النجاة. هنا كانت الكلمات أكثر من مجرد حروف؛ كانت مساحةً لترتيب الفوضى الداخلية، ولإلقاء شيء من ثقل الروح على الورق، وللإصغاء إلى أصوات بشرٍ جمعهم الشغف والوفاء رغم اختلاف الطرق والظروف.
أعود لأنني ما زلت أؤمن أن الكتابة ليست ترفاً، بل مقاومة هادئة في وجه الصمت، وأن مشاركة الأفكار ليست مجرد عادة، بل محاولة متواضعة لانتزاع معنى مؤقت من قلب هذا العبث الكبير.
وهكذا أفتح هذه المدونة من جديد، لا بصفة المنتصر ولا المهزوم، بل بصفة المقاتل الذي ما زال واقفاً في الحلبة، يتلقى الضربات، يتأملها، ثم يبتسم ويواصل الجولة التالية
 
توقيع "هشام الأوراس"
سلمت يمناك على الموضوع المميز
 
لم يكن ديوجين يطارد الخلاص ولا الحقيقة ولا فضيلة تُعلَّق كلوحة على الحائط، كان يبحث عن الحدّ الأدنى الذي يحمي الإنسان من أن يُستخدم ضد نفسه، ومن هنا يبدأ الكلام مباشرة بلا تمهيد أخلاقي ولا دفء إنساني مزيّف، لأن الوعي حين يصل إلى حدّته القصوى لا يحتاج مقدمات، يكفيه أن يسلّط الضوء على الرغبة حتى ترتبك، فالرغبة كائن ليليّ يعيش من الغموض، وكل تسمية تسلبه شيئاً من سلطانه، وديوجين أدرك ذلك قبل أن تُكتب الفلسفات فاختار البرميل ليس مأوىً بل أداة تفكير، لأن من يقلّص حاجاته يوسّع سيادته ومن يختصر العالم يفلت من قبضته، وضحكه لذلك كان جافاً لا مرحاً، ضحك من يرى ما يصمّ الآخرون آذانهم عن رؤيته: أن الإنسان لا يُساق بالقوة بل بالوعد المُقنّع برغبة شخصية، وأن أشدّ السلاسل فعالية هي التي تُلبس ثوب الشهوة الخاصة، هنا يتحوّل الوعي من مجرّد جرح كما عند سيوران إلى طبقة صلبة ما بعد الألم، قشرة تتشكّل حين يتوقف السؤال عن لماذا أتألم ويبدأ السؤال الأشدّ خطراً: لماذا أريد؟ نيتشه عرف هذا التحوّل جيداً حين قال إن الإنسان لا يعاني من الحياة بقدر ما يعاني من تفسيره لها، والرغبة أخطر تلك التفسيرات لأنها تمنح الألم معنى مؤقتاً وتؤجّله بدل أن تقتله، كما فعلت الأساطير حين جعلت الآلهة مرايا مكبّرة للنزوات البشرية، زيوس لم يكن إله السماء بقدر ما كان إله الفائض الذي لا يعرف التوقف، كلّ علاقة جديدة عنده تلد مأساة، والأسطورة تقول بهدوء قاسٍ إن الرغبة حين تُمنح قدرة إلهية تصير كارثة بنيوية لا لأنها شريرة بل لأنها بلا حدود، والحكمة هنا ليست أخلاقاً بل تقنية كبح، ديوجين مارسها بجسده قبل لسانه، فلما قال للإسكندر "ابتعد فإنك تحجب عني الشمس" لم يكن يتحدّى السلطة بل يدرّب نفسه على أدقّ درجات الحرية: القدرة على رفض ما لا تحتاجه حتى لو جاءك في هيئة العالم كلّه، وهنا يلتقي مع نيتشه ليس في التمرّد بل في السيادة، لأن نيتشه لم يحتقر البشر بل احتقر قابليتهم للقيادة عبر ما يشتهونه، ورأى أن من لا ينتصر على نفسه لا يحقّ له أن يدخل علاقة، إذ تصير العلاقة حينها ليس لقاء قوتين بل اصطدام نقصين، والأساطير تروي ذلك بلا رومانسية، نرسيس لم يمت لأنه أحبّ ذاته بل لأنه لم يترك مسافة بينه وبين صورتها فغرق فيها كما يغرق الإنسان في توقّعاته من الآخر، إيكاروس لم يسقط لأنه طار عالياً بل لأن الرغبة صمّت أذنيه عن التحذير فتحوّل الطموح إلى تهوّر، أما سيزيف فكان الأكثر حكمة ليس لقوّته بل لأنه الوحيد الذي رأى عبث المهمة ولم يطلب تعويضاً، هنا فقط يبدأ الوعي البارد الذي لا ينتظر مكافأة ولا يفاوض الواقع، في هذا المستوى تصير العلاقات مجال اختبار لا مساحة أمل، والوعي يعمل كدرع عقلي لا يمنع الشعور بل يمنع التضليل، لأن من فهم آلية رغبته يرى رغبات الآخرين بوضوح مرعب، يرى كيف يتخفّى الإحتياج في رداء الحب وكيف يُقدَّم التعلّق كعمق وكيف تُستخدم الحميمية كاستحواذ ناعم، والحكمة الباردة لا تجادل ولا تقنع، تلاحظ ثم تنسحب، لأنها تعلّمت من نيتشه أن ما لا يمكن تغييره لا ينبغي الإقتراب منه، وأن الشفقة غير الواعية عنف مؤجّل، ديوجين لم ينعزل لأنه كره البشر بل لأنه رأى أن أكثرهم يعيشون داخل قصّة لم يختاروها، وأن الدخول في علاقة مع إنسان لم يفكّك رغباته يشبه الدخول في أسطورة لم تُكتب نهايتها بعد وغالباً تنتهي بتضحية بلا داعٍ، والوعي هنا لا يمنح الطمأنينة بل الدقّة، دقّة معرفة متى تصمت ومتى تبتعد ومتى ترفض القرب لا ازدراءً بل حفاظاً على ما تبقّى سليماً، لأن نيتشه كان محقاً حين رأى أن أعظم خطر على الإنسان الواعي ليس الألم بل العدوى، عدوى الرغبات غير المفحوصة وعدوى المعاني الجاهزة وعدوى العلاقات التي تطالبه أن يكون دواءً لنقص لم يصنعه، هكذا لا تصير العزلة موقفاً أخلاقياً ولا بطولة داخلية بل نتيجة حسابية باردة: تقليل الإحتكاك، تقليل الخسائر، وتقليل التورّط في مآسٍ يمكن تجنّبها لو سبق العقل الرغبة بخطوة، والحكمة في هذا المستوى لا تعد بشيء ولا تعِد أحداً، هي فقط تحمي المسافة الضرورية بين الإنسان وبين ما قد يدمّره لو اقترب أكثر مما ينبغي، ومن وصل إلى هنا لم يعد يبحث عن فهم الآخرين بقدر ما يفهم آلياتهم، لم يعد ينتظر الإعتراف ولا يخاف سوء الفهم، لأنه كما قال نيتشه من عرف لماذا يعيش يستطيع احتمال أيّ كيف، وديوجين أضاف بَصمَته الصامتة: ومن عرف ما يكفيه نجا من معظم ما لا لزوم له.
 
توقيع "هشام الأوراس"
العودة
Top Bottom