مسائل العقيدة و التوحيد، الحلقة الأخيرة (عقيدة السلف في القرآن الكريم مع مسائل متعلقة).

ابو ليث

:: عضو شرفي ::
إنضم
8 جانفي 2010
المشاركات
10,569
الإعجابات
10,510
النقاط
851
محل الإقامة
الجزائر
#1
عقيدة السلف في القرآن الكريم
السؤال (60):
فضيلة الشيخ ، ما هي عقيد السلف في القرآن الكريم؟
الجواب : عقيدة السلف في القرآن الكريم كعقيدتهم في سائر صفات الله تعالى وأسمائه ، وهي عقيدة مبنية على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى وصف القرآن الكريم بأنه كلامه ، وأنه منزل من عنده ، فقال جل وعلا: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة:6)، والمراد بلا ريب بكلام الله هنا : القرآن الكريم، وقال تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (النمل:76)، فالقرآن كلام الله تعالى لفظاً ومعنى ، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل الأمين ، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين ، ويعتقد السلف أن القرآن منزل نزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة ، حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل .
ثم إن نزوله يكون ابتدائياً ويكون سببياً، بمعنى أن بعضه ينزل لسبب معين اقتضى نزوله ، وبعضه ينزل بغير سبب ، وبعضه ينزل في حكاية حال مضت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وبعضه ينزل في أحكام شرعية ابتدائية، على حسب ما ذكره أهل العلم في هذا الباب ، ثم إن السلف يقولون : إن القرآن من عند الله عز وجل ابتداءً، وإليه يعود في آخر الزمان ، هذا هو قول السلف في القرآن الكريم.
ولا يخفى علينا جميعاً أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بأوصاف عظيمة ، وصفه بأنه حكيم ، وبأنه كريم ، وبأنه عظيم ، وبأنه مجيد ، وهذه الأوصاف التي وصف الله بها كلامه ، تكون لمن تمسك بهذا الكتاب، وعمل به ظاهراً وباطناً ، فإن الله تعالى يجعل له من المجد ، والعظمة، والحكمة ، والعزة ، والسلطان ، ما لا يكون (لمن) لم يتمسك بكتاب الله عز وجل، ولهذا أدعو من هذا المنبر جميع المسلمين، حكاماً ومحكومين، علماء وعامة، أدعوهم إلى التمسك بكتاب الله عز وجل ظاهراً وباطناً ، حتى ينالوا رضا الله، وتكون لهم العزة، والسعادة، والمجد، والظهور في مشارق الأرض ومغاربها.

أبرز أحكام التلاوة
السؤال (61):
فضيلة الشيخ، ما هي أبرز أحكام التلاوة؟
الجواب : الذي ينبغي لتالي القرآن أن يكون على طهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ولا يجوز له أن يقرأن القرآن وعليه حدث أكبر، فالجنب مثلاً لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، لأن السنة وردت بالمنع منه في حال الجنابة ، أما الحائض فقد اختلف أهل العلم هل يجوز لها أن تقرأ القرآن؟
اختلفوا في ذلك على قولين : فمنهم من قال : إنه يجوز أن تقرأ القرآن ، لأنه ليس في منعها من قرآن وسنة صريحة ، والأصل براءة الذمة وعدم الإلزام ، كما أن الأصل أيضاً عدم المنع ، ويرى بعض أهل العلم أنه لا يجوز لها أن تقرأ القرآن وهي حائض ، لأنها ممن يلزمها الغسل، فهي كالجنب ، ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث تدل على المنع، والذي أرى في هذه المسألة أنها لا تقرأ القرآن إذا كان غرضها بذلك مجرد التلاوة ، أما إذا كانت تريد أن تقرأ القرآن لحاجة ، تخشى نسيانه مثلاُ ، أو تقرئه أبناءها أو بناتها أو الطالبات إن كانت مدرسة ، أو تكون طالبة تريد أن تقرأه لإسماع المدرسة ، فإن هذا لا بأس به للحاجة ، وكذلك لا بأس أن تقرأ الآيات التي تكون ورداً كآية الكرسي، لأن هذا حاجة ، فيكون هذا القول الذي أراه أقرب إلى الصواب مبنيا على حاجة المرأة الحائض، إن احتاجت للتلاوة فلها أن تقرأ القرآن ، وإن لم تحتج فلا تقرأ القرآن.
كذلك ينبغي لقارئ القرآن أن يكون مستحضراً في قلبه ما تدل عليه كلمات القرآن العظيم من المعاني الجليلة ، سواء كانت هذه الآيات تتضمن الأخبار والقصص أو الأحكام، لأن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن لهذه الحكمة (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ:29) .
والإنسان يجد الفرق العظيم إذا تلا القرآن وقلبه غافل، وإذا تلا القرآن وقلبه حاضر يتدبر ما يقول ، يجد الفرق العظيم بين هذه الحال والحال الأخرى، ويجد أنه ينتفع أكثر إذا قرأ القرآن بتدبر وتفكر، فإن ذلك يؤثر في قلبه قوة الإيمان والتصديق، وقوة الانقياد والإذعان للأحكام التي يتضمنها كتاب الله عز وجل .
وأما ما ينبغي أن تكون التلاوة عليه : فينبغي أن تكون التلاوة تلاوة هادئة ، ليس فيها سرعة تسقط بعض الحروف، أو تخفى بها الكلمات ، بل يقرأ القرآن بتمهل وترسل، ولا بأس بالعجلة أحياناً ، بشرط ألا يسقط الحروف أو شيئاً منها، أو يدغم مالا يجوز إدغامه أو ما أشبه ذلك.
السؤال (62): فضيلة الشيخ ، ما حكم التلاوة لروح الميت؟
الجواب : التلاوة لروح الميت ، يعني أن يقرأ القارئ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من يرى أن ذلك غير مشروع، وأن الميت لا ينتفع به، أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال، ومنهم من يرى أنه ينتفع بذلك ، وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو لفلانة من المسلمين، سواء كان قريباً له أم غير قريب له ، وهذا هو الأرجح، لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت ، كما في حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه ، حين تصدق بمخرافه - أي ببستانه -لأمه(41)، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام :إن أمي افتلتت نفسها ، وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال : "نعم"(42).
وهذه قضايا أعيان، تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز ، وهو كذلك ، ولكن أفضل من هذا أن يدعو للميت، وأن يجعل الأعمال الصالحة لنفسه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له"(43)، ولم يقل : أو ولد صالح يتلو له ، أو يصلي له ، أو يصوم له ، أو يتصدق عنه ، بل قال : أو ولد صالح يدعو له ، والسياق في سياق العمل فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت. لا أن يجعل له شيئاً من الأعمال الصالحة ، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح ، أن يجد ثوابه مدخراً له عند الله عز وجل.
أما ما يفعل بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة ، مثل أن يحضر قارئاً يقرأ القرآن بأجرة، ليكون ثوابه للميت، فإن هذا بدعة، ولا يصل إلى الميت ثوابه، لأن هذا القارئ إنما قرأ من أجل الدنيا ، ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا ، فإنه لا حظ له منها في الآخرة ، كما قال الله تبارك وتعالى : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (15) (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:15-16) وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة إلى إخواني الذين يعتادون مثل هذا العمل ، أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت ، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثوابه، لأن القارئ الذي ليس له نية في قراءته إلا أخذ الأجرة، ليس له ثواب عند الله عز وجل ، وحينئذ يكون أخذ الأموال ولم ينتفع الميت بذلك.

قراءة الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال (63):
فضيلة الشيخ، بالنسبة للذين يوصون أن تقرأ الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم أو له عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب : هذه الوصية لا يلزم تنفيذها ، لأنها وصية بأمر غير مشروع ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشرع لأحد أن يعبد الله ، ثم يجعل ثواب العبادة للرسول صلى الله عليه وسلم، لأن هذا لو كان مشروعاً لكان أسبق الناس إليه الصحابة رضي الله عنهم ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج لمثل هذا ، فإنه ما من إنسان يعمل عملاً صالحاً إلا كان للنبي صلى الله عليه وسلم مثل أجره، لأنه هو الذي دل عليه ، " والدال على الخير كفاعله"(44)، فهذا يكون من العبث ، ومن البدعة التي لم ترد عن السلف الصالح رضي الله عنهم، وكذلك لو قال : تقرأ الفاتحة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لي، فإنه لا يلزم الوفاء بهذه الوصية، لأن تخصيص مكان بعبادة معينة لم يرد بها الشرع من البدع ، كما هو معلوم في البحث عن ذكر المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأنه لا تحقق المتابعة حتى توافق العبادة الشريعة في أمور ستة : في سببها ، وجنسها ، وقدرها ، وكيفيتها، وزمانها ، ومكانها.

----------------------------
 

ابو ليث

:: عضو شرفي ::
إنضم
8 جانفي 2010
المشاركات
10,569
الإعجابات
10,510
النقاط
851
محل الإقامة
الجزائر
#2
رد: مسائل العقيدة و التوحيد 28 (عقيدة السلف في القرآن الكريم مع مسائل متعلقة).

كانت هذه المشاركة أخر حلقات مسائل العقيدة و التوحيد نقلا عن كتاب فقه العبادات لصاحبه العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح الجنة، على أمل أن نلتقي في سلسلة عقدية جديدة أسأل الله بفضله و منه و كرمه لي و لكم التوفيق و القبول و العلم النافع و العمل الصالح و أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اذ الأمر كما يقول الامام علي رضي الله عنه.
هتف العلم بالعمل... فإن أجبه و إلا ارتحل.
لا تنسوني من صالح دعائكم، و السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.

أخوكم أبوليث الجزائري، كان الله له بمنه و كرمه.
 
آخر تعديل:

ابو ليث

:: عضو شرفي ::
إنضم
8 جانفي 2010
المشاركات
10,569
الإعجابات
10,510
النقاط
851
محل الإقامة
الجزائر
#3
آخر تعديل:

ابو ليث

:: عضو شرفي ::
إنضم
8 جانفي 2010
المشاركات
10,569
الإعجابات
10,510
النقاط
851
محل الإقامة
الجزائر
#4
رد: مسائل العقيدة و التوحيد، الحلقة الأخيرة (عقيدة السلف في القرآن الكريم مع مسائل متعلقة).

للرفع رفع الله قدر الجميع.
 
إنضم
16 نوفمبر 2007
المشاركات
8,792
الإعجابات
11,032
النقاط
351
العمر
14
#5
رد: مسائل العقيدة و التوحيد، الحلقة الأخيرة (عقيدة السلف في القرآن الكريم مع مسائل متعلقة).

[FONT=&quot]السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركته[/FONT]
[FONT=&quot]بارك الله فيك
ربي يسر
[/FONT]​

 
Top