سياسة شرعية :

د.سيد آدم

:: عضو مُتميز ::
أولاً : كتاب " الخلافة العظمى " :
(1) :
هو كتاب لـ محمد رشيد رضا ... (الخلافة / الإمامة العظمى ) . ظهر الكتاب ، أوّل أنْ ظهر ، في هيئة مقالات صحفية ، تم نشرُها بالمجلة التي أشرف عليها رضا نفسه ... مجلة " المنار " .
جاء الكتاب / المقالات رداً على قيام مصطفى كمال أتاتورك بثورته التي أفضتْ إلى الفصل بين الخلافة والسلطة ، وتنصيب الأمير عبد المجيد خليفةً للمسلمين ، مجرّداً عن السلطة المدنية ، فكان أن قصر الخلافة على الأمور الروحية . ثم أعلن مصطفى الجمهورية التركية في نوفمبر العام 1922م .
لم يوافق رضا الكماليين في فصلهم السلطة الدينية عن السلطة الزمنية ، وفَهِمَ أن هذا جعل مسألة الخلافة تتصدر اهتمام المسلمين جميعاً ، بمعنى أنها كانت من المسائل " المسكوت عنها " باعتبارها قائمة ، ولو شكلاً ، فلما أن جاء من أزاحها ، وأنهى حتى هذا الشكل ، راحت المسألة تتصدر اهتمام المسلمين .
وبنفس القدر لم يوافق رضا كلاً من جماهير المسلمين من الأتراك التي أيدت أتاتورك في ثورته تلك ، والمسلمين من المصريين الذين أيّدوا قصْرَ الخلافة على الجانب الروحي ، فلا تتعداه إلى الجانب المدني / السياسي .
وقد فسّر رضا هذا الأمر من المصريين بأنه " مناورة سياسية " وليس موقفاً دينياً ، إذ كانت بريطانيا تحتل مصر ، فأراد ساستُها تخذيل الإنجليز . حتى يؤكد أن الساسة المصريين لا يتمنى ، ولو واحدٌ منهم ، أن تنفصل السياسة الدينية عن السياسة الزمنية بحال من الأحوال .
ويؤكد رضا أنه " باحثَ كثيراً من خواص المصريين ، المعمَّمين وغير المعممين ، في هذه المسألة ، فألفاهم متفقبن على أن القصد من تأييد الخلافة الجديدة التي ابتدعتها حكومة أنقرة الجمهورية في الآستانة تخذيل الدولة البريطانية في دسائسها التي ترمي بها إلى جعل هذا المنصب الإسلامي الرفيع آلةً في يدها ، فيما كانت تسعى إليه من اصطناع الملك حسين في مكة والسلطان وحيد الدين في الآستانة ، وما آل إليه سعيها من الجمع بينهما بعد تهريبها للثاني إلى مالطة . ولم يقصد أحدٌ من المصريين بتأييد الخليفة الجديد بالتهنئة ، ولا المبايعة ، أن يكون له على بلادهم حق إمام المسلمين الأعظم على الأمة من كون حكومتهم تابعة له وخاضعة لسلطانه فيما يرى فيه المصلحة من نصب أمرائها وحكامها وعزلهم وجباية المال وأخذ الجند وغير ذلك من وظائف الخلافة التي ذكرها علماء الإسلام ، وهي غرض سياسي " .
ويتطرق رضا للتعريف بالخلافة ، أو الإمامة العظمى ، بأنها ثلاث كلمات معناها واحد هو " رئاسة الحكومة الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا " . ما جعله يرفض موقف الكماليين من الخلافة جملةً وتفصيلاً ؛ إذ هو يقف على النقيض مما قرره مصطفى لما أن أسقط الدولة العثمانية ، وأقام بدلاً عنها الجمهورية التركية .
وبيّن رضا ، بتهكّم ، كيف أنه من أصول الجمهورية الجديدة أن أصحابها لا يقبلون أن تكون في حكومتهم الجديدة سلطة لفرد من الأفراد ، لا باسم خليفة ، ولا باسم سلطان ، وإنما السلطة للجمعية العمومية التي ينتخبها الشعب . كما يبين كيف فصلَ الكماليون بين الدين والسياسة ، مع أنهم قد سمّوا أحد أفراد أسرة السلاطين السابقين خليفةً روحياً لجميع المسلمين .
يُتْبع ...
 
(2) :
تطرق رضا ، وهو ذو ميول أشعرية ، للجانب العقدي في فكرة نصب الإمام ؛ فقال إن نصب الإمام واجب على المسلمين شرعاً لا عقلاً فقط . فكأنه يرد على المعتزلة . وقد جعل رضا – بذلك – نصب الخليفة " فرض كفاية " ، وحصر المطالبين بنصبه في دائرة " أهل الحل والعقد " في الأمة . ثم بيّن الخلاف الذي قد كان دائراً حول التعريف بأهل الحل والعقد ... بل بعددهم ، وينعي عليهم ذلك ، إذ كان المفترض أن يكونوا ، ولو بحكم التسمية ، فوق الخلافات لأنهم زعماء الأمة ، وأولو المكانة ، وموضع الثقة من السواد الأعظم من المسلمين ، بحيث تتبعهم الأمة إذ يولون من يولون من الحكام فينتظم الأمر ، ، ويأمن الحاكم الخروج عليه أو عصيانه .
وما نراه أن موقف رشيد رضا من مسألة الخلافة يأتي مغايراً لموقف أستاذه الإمام محمد عبده ؛ فعلى حين يرفض رضا إقامة الخلافة على أساس روحي ، كان محمد عبده يؤكد ضرورة إقامة الخلافة على أساس روحي ، حتى ليتفق رأيه مع رأي الكثيرين ممن تناول هذا الأمر . ثم إن عبده يذهب إلى أن قليلين ممن حملوا لقب الخليفة ، على مدى قرون ، هم الذين يستحقون القيادة الروحية للمؤمنين . ثم يرى أن " بيت آل عثمان " لم يعن بالدين طوال مائتي سنة ، وما عاد يطالب بأي ولاء خارج حق السيف .
وعلى حين يؤكد محمد رشيد رضا على الشمولية في الحكم للخليفة ، لما أعطى لسلطته الطابع الديني ، ما يمهد لإقامة الحكومة الدينية ، التي سيكون المعارض ، وبأقل تقدير ، ضالاً ... وربما طاله التكفير !!! على حين يفعل رضا ذلك ، نجد محمد عبده وهو يشدد ، بحسم ، على مدنية السلطة الحاكمة ، بحيث تجوز معارضتها ؛ فالخليفة / الحاكم ليس معصوماً ، وليس متلقياً لوحي يجعل أحكامه لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولا يكون من حقه الاستئثار بتفسير القرآن ، ولا السنة ، وحتى لو أصاب في فهمه لهما ، فهذا لا يعطيه مزية ، ولا يرتفع به درجة . فالأمة ، أو من تنيبه ، هي من ينصّب الحاكم ، ومن ثم يكون للأمة ، أو نائبها ، الحق في الأخذ على الحاكم ، بل وخلعه متى رأت ذلك في مصلحتها . وبذلك يكون الحاكم ، بحسب توصيف عبده لا رضا ، ليس ذا صبغة دينية بحال .
ومحمد عبده يرفض الخلط بين الخليفة في الفكر الإسلامي ، وما يعرف في الفكر السياسي بالسلطان الإلهي ( = الثيوقراط ) ؛ فصاحب السلطان / الحق الإلهي المزعوم يدّعي تلقّي الشريعة عن الله ، فيجمع بين السلطتين الدينية والزمنية ، كما وقع في الكنيسة إبان العصور الوسطى . لكن ، وبمجيئ عصر النهضة ، وورود التمدن ، تم الفصل بين السلطتين . بل إن عبده يؤكد أنه لا جمع بين السلطتين في الإسلام ، ومن يقل بذلك فهو – بقول محمد عبده – واهم إذ : " يرمي الإسلام بأنه يحتم قرن السلطتين في شخص واحد ، فليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر ، وهي سلطة خوّلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم ، كما خوّلها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم ، فإن يقولوا إذا لم يكن للخليفة ذلك السلطان الديني ، أفلا يكون للقاضي أو للمفتي أو شيخ الإسلام ؟ نَقُلْ إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام ، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء ، فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي ، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد ، أو عبادته لربه ، أو ينازعه في طريق نظره " .
ثم يؤكد محمد عبده أن أصلاً من أصول الإسلام انتقل إليه ، وما أجلّه من أصل : قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها ، فقد هدم الإسلام بناء تلك السلطة ، ومحا أثرَها حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم ... لم يدع الإسلام لأحد ، بعد الله ورسوله ، سلطاناً على عقيدة أحد ، ولا سيطرة على إيمانه . ورسول الله ، عليه السلام ، كان مبلّغاً ومذكّراً ، لا مهيمناً ولا مسيطراً ، حيث جاء الذكر بـ " فذكّر إنما أنت مذكّر ، لست عليهم بمسيطر "
. وعليه يتبين أن منصب الخليفة ليس يختلف عن أي منصب لحاكم آخر في أي مجتمع ، إلا حين تختلف ، أو تتخلف ، ثقافة هذا المجتمع وعاداته وتقاليده ، فمجتمع يطالب الحاكم ، غير مجتمع يؤله الحاكم ، ومجتمع يقول للحاكم : مكانك ، غير مجتمع يقول للحاكم : بالروح بالدم نفديك يا ... . والحاكم يعلم ، والقائلون أيضاً ، أن لا أحد يفدي أحداً بالروح ... فتتجذر في هذا المجتمع الأخير ثقافة الـ " كلام في كلام ".
ولنا في الرسول ، ووصاياه ، أكثر من دليل ؛ فهو – صلى الله عليه وسلم – يقرر أن تصرفات الولاة والحكّام وقراراتهم إنما هي اجتهاد بشري وتصرّف دنيوي ، وليست نظاماً دينياً . فجاء قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا حاصرتَ أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله ، فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا " .
يُتْبع ...
 
(3) :
المأخذ على رضا ، وهو الأستاذ الأثير – بعد – لحسن البنا ، أنه أحال الخلافة من " فرع " إلى أصل ؛ فقد اعتبر نصب / تنصيب الإمام / الخليفة أصلاً من أصول الدين ، فأحاله إلى واجب عقدي . وبالإمكان قسمة الفكر السياسي في الإسلام قسمين : فكر أهل السنة ، وفكر الشيعة ، وأهل السنة ، بفرَقهم ، لم يجعلوا نصب الإمام ضمن مباحث العقيدة . بينما الشيعة ، بفرَقهم ، جعلوا نصب الإمام من أصول الاعتقاد ، ما جعل أهل السنة يدرجونه ضمن مباحث العقيدة .
وإذا كانت الفرق الكلامية في الإسلام قد بدأت على أساس سياسي ، إلا أنها سرعان ما أسندت توجهاتها السياسية إلى أسس / مفاهيم عقدية ، خاصةً ما أعقب استشهاد علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، على هيئة تركت أثرها في نفوس المسلمين ... خاصة أنصاره ، ما عجّل بظهور الشيعة بشكل فعّال على الساحة السياسية أولاً ثم الساحة العقدية ثانياً ، ذلك لما حوّلوا الصراع من الحقل السياسي إلى الحقل العقدي بقولهم إن علياً ، كرم الله وجهه ، كان الأحق بخلافة الرسول صلى الله عليه وسلم من بين أصحابه رضي الله عنهم ، ورفعوا القول بأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قد نص / أوصى بذلك ، ما نتج عنه أن اعتقدت الشيعة أن كل من جاء خليفةً بعد النبي صلى الله عليه وسلم مغتصبٌ لحق علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، وأن كل من جاء بعد علي بن أبي طالب من الخلفاء مغتصب لحق ذريته ؛ فالشهرستاني – على سبيل المثال – يرى أن الخلاف بشأن هذه المسألة بين المسلمين اعتمد وجهتي نطر :
فالأولى – وقد تبنتها ، بعدُ ، الشيعةُ – ترى أن الإمامة منصوص عليها ، وقد تم تعيين الأحق بها ، وهو علي بن أبي طالب ومن بعده ذريته ... على اختلاف بينهم : هل ذريته من فاطمة ، أم ذريته ولو من غير فاطمة .
والثانية ترى أن لانص ولا تعيين بشأن الخلافة / الإمامة ، وبالتالي يحق لمعاوية أن يكون خليفة ، ويأتي من بعده أولاده ... وهكذا .
ثم هناك رأي ثالث للخوارج غير التعيين لعلي واختيار معاوية ، فهم يرون أن لا خليفة إلا منهم ، ويشددون على ضرورة التزام من يأتي خليفة بأفكارهم / توجهاتهم على صعد السياسة والاعتقاد ، وإلا جاز لهم الخروج / الثورة عليه .
يقول أبو الفتح الشهرستاني : " وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان . وقد سهّل الله تعالى في الصدر الأول ، فاختلف المهاجرون والأنصار فيها ، فقالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير ، واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري ، فاستدركه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة ، وقال عمر : كنت أزوّر في نفسي كلاماً في الطريق ، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر : مه يا عمر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر ما كنت أقدّره في نفسي كأنه يخبر عن غيب ، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه ، فبايعتُه ، وبايعه الناس ، وسكنت الفتنة ، إلاّ أن بيعة أبي بكر كانت فلتةً وقى الله المسلمين شرها " .
وأما انتقال هذه المسألة من المجال السياسي إلى المجال العقدي ، حتى عند أهل السنة ، لا الشيعة فقط ، فقد تم بعد أن اعتبرتها الشيعة من الاعتقادات .. بل من أصول الاعتقاد الإسلامي . ورغم أن أهل السنة ظلوا زمناً غير موافقين على هذا الأمر ، إلا أن المتأخرين منهم اضطروا ، للرد على الشيعة ، إلى أن يضعوا مبحث الإمامة ضمن مباحث العقيدة .
ويمكننا قسمة الفرق الإسلامية التي تناولت هذه المسألة قسمين :
يُتبع ...
 
ويمكننا قسمة الفرق الإسلامية التي تناولت هذه المسألة قسمين :
[/B][/SIZE][/FONT]
(4) :
- القائلون بأن الإمامة إنما تكون بالاتفاق / بالاختيار ، اعتماداً على أن الآثار تدلنا أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، لم ينص ، كذلك القرآن الكريم ، على من يخلفه من بعده ، وبالتالي يبقى أمر الخليفة رهناً بإرادة المسلمين : يختارون من يرونه أصلح لهذه المهمة بعيداً عن تأويل هذا النص أو ذاك للقول بشخص محدد يكون خليفة .
- القائلون إن أثراً – أو أكثر – جاء عن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، ببيان أن شخصاً بعينه هو الحليفة ، ثم ذريته من بعده ... وهذا هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .
وفي فكر غير أهل السنة يكون الخليفة / الإمام معصوماً ، إذ هو ذو نور مقدس يعطيه هذه العصمة في الفعل والقول ، مع أن الآثار الدينية تبيّن أن النبي ، نفسه ، كانت عصمته في الأمور التي تأتيه وحياً من السماء ، أما في غيرها فهو – صلى الله عليه وسلم ، وبنص كلامه – بشر يصيب وقد لا يصيب ، وما وقائع بدر والخندق وتأبير النخل ببعيدة .
بدأت فكرة " الحاكمية " تدخل إلى المجال السياسي الإسلامي لما أن رُفعتْ المصاحف على أسنة الرماح إشارة إلى المطالبة بـ " تحكيم " القرآن العزيز ، ولما أن رفضها علي كرم الله وجهه ، إذ كان يعرف أنها إحدى ألاعيب السياسة ، قالت له الخوارج " لا حكم إلا لله " . فقال لهم كرم الله وجهه : كلمة حق يراد بها باطل . فصارت مثلاً .
جاء في العقد الفريد أن معاوية أراد أخذ البيعة ليزيد ابنه ، فكتب ، سنة 55هـ ، إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه . فوفد عليه من كل مصر قومٌ ، فجلس في أصحابه ، وأذِنَ للوفود فدخلوا عليه ، وقد تقدم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد ، فتكلم جماعةٌ منهم ، ثم قام يزيد بن المقفع فقال : أمير المؤمنين هذا ، وأشار إلى معاوية ، فإنْ هلك فهذا ، وأشار إلى يزيد ، فمن أبى فهذا . وأشار إلى سيفه . فقال معاوية : اجلسْ ، فإنك سيد الخطباء . هذا الذي حدث دفع أبا العلاء المعري أن يقول :
تلوا باطلاً ، وجلوا صارماً ،،، ،،، وقالوا صدقنا ؟ قلنا : نعم .
ولعل هذه الواقعة أن تكون فاتحة الباب نحو " اغتصاب السلطة " للأبناء بغطاء إعلامي !!! . ما حدا بمحمد عبده أن يؤكد أن حروب الخوارج ، والأُمويين والعباسيين ، كانت حروباً سياسية على الخلافة ، فهي " بالسياسة أشبه " ، نظراً لأنه لا القرآن الكريم ، ولا السنة الشريفة ، تناولتْ ، بالتفصيل ، أيةَ سلطة سياسية ، ولم ترد آية واحدة ، ولا حديث قدسي أو نبوي ، يرتّب نظام الحكم بشكل واحد ووحيد . ومن ثم يصبح منصب الخليفة أمراً دنيوياً ، يدور مع المصلحة العامة. .. فإن " التطورات ، في خطوطها العريضة ، تكشف أن تراثاً من الفكر السياسي قد تطور في الحضارة العربية الإسلامية ليفرز نظام الخلافة كنظام سياسي دنيوي منذ اللحظات الأولى لقيامه ، وقد أدى هذا النظام دوره طالما كانت الظروف التاريخية تتطلب القيام بهذا الدور ، ولكن هذا النظام السياسي نفسه فشل نتيجة للظروف التاريخية الجديدة التي طرأت على المنطقة التي ينتشر فيها المسلمون في العالم . وسواء في الفترات التي نجح فيها نظام الخلافة ، أو الفترات التي فشل فبها ، فإنه كان نظاماً دنيوياً ليست له أية صلاحيات دينية ، أو سلطات روحية . فتراثنا يخلو من السوابق التي يمكن أن يقوم عليها نظام ثيوقراطي " .
يُتْبع ...

 
(5) :
الملاحَظ أن رشيداً خلط بين نصب الإمام / الخليفة / الحاكم ، وبين شكل الحكم ذاته ، بمعنى أنه خلط بين ضرورة وجود / قيام حكومة ، وبين شكل هذه الحكومة المرادة ، ذلك حين قال إن نصب الإمام " واجب ديني " ، وإن الخلافة " فرض كفاية " . فهناك ابن خلدون يرى أن المجتمع ، أي مجتمع ، يحتاج لتسيير أموره ، بصورة أكثر انضباطاً وعدلاً ، إلى حكومة تمثل نوعاً من الاحتياج الطبيعي للإنسان الذي هو كائن اجتماعي لا يقدر على العيش منفرداً ، فلا بد له من وجود حكومة كضرورة حياتية ، أما شكل الحكومة فلا مشاحة ؛ إذ يتغير / يتبدل بحسب الزمان والمكان ، وتصبح حكومة الخلافة ، من ثم ، شكلاً من أشكال الحكم جرى عليها من التعديل / التغيير / التبديل ما جري ، ويجري ، على غيرها من نظم الحكم . ولقد انتقل الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، إلى جوار ربه تعالى ، وما وصّى بشكل معين لنظام الحكم ، بل ترك الأمر رهناً بأمرين : العدل والشورى ؛ فمات ، صلى الله عليه وسلم ، ولم يوصّ . وجاء أبو بكر ووصّى ، وجاء عمر وجعل الأمر خياراً لأهل العدل والعقل من الأمة . ثم يقرر ابن خلدون : " الخلافة الخالصة كانت في الصدر الأول إلى آخر عهد عليّ ، ثم صار الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحرّي الدين ومذاهبه ، والجري على منهاج الحق . ولم يظهر التغيير إلا في الوازع الذي كان دينياً ، ثم انقلب عصبيةً وسيفاً . وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك ، والصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ولده ، ثم ذهبت معاني الخلافة ، ولم يبق إلا اسمها ، وصار الأمر ملكاً بحتاً ، وجرتْ طبيعة التغلب إلى غايتها ، واستعملت في أغراضها من القهر والتقلّب في الشهوات والملاذّ ، وهكذا كان الأمر لولد عبد الملك ، ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس ، واسم الخلافة باقٍ فيهم لبقاء عصبية العرب ، والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضها ببعض ، ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم ، وبقي الأمر ملكاً بحتاً كما كان الشأن في ملوك الأعاجم بالمشرق ، يدينون بطاعة الخليفة تَبركاً ، والمُلْك بجميع ألقابه ومناحيه لهم ، وليس للخليفة منه شئٌ . فقد تبيّن أن الخلافة وجدت بدون الملك أولاً ، ثم التبست معانيها واختلطت ، ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة " .
ونفس القول ينتهي إليه الدكتور محمد حسين هيكل ؛ فيقرر أن " لا محل للقول بأن لولاية الأمر في الإسلام نظاماً مقرراً ، وإنما هو اجتهاد أملته الأحداث في أحوال الجماعة الإسلامية المتغيرة ، وأملته على صور مختلفة تلائم تغيّر هذه الأحوال " .
وأيضاً ، ملاحظ على رشيد رضا أمران :
يُتْبع ...
 
ملاحظ على رشيد رضا أمران :
[/B][/SIZE][/FONT]
(6) :
الأول : إغراقه في المثالية ( = القفز على الواقع وتجاهله ) .
الثاني : التناقض .
أما الأمر الأول ، فقد أعلن رشيد أن العودة إلى الخلافة هو العلاج الشافي والوحيد لكل أمراض الأمة الإسلامية ، بحيث لا يصلح حالها إلا بهذا العَوْد . فحكومة الخلافة ، يقول رضا ، هي خير حكومة يصلح بها أمر المسلمين ، بل أمر سائر البشر ، بجمعها : " العدل والمساواة ، وحفظ المصالح ، ومنع المفاسد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكفالة القاصرين والعاجزين ، وكفاية الفقراء والمساكين من صدقات المسلمين ، ففيها علاجٌ لجميع المفاسد الاجتماعية في حكومات المدنية المادية التي ألجأت الجماعات الكثيرة إلى البلشفية والفوضوية " .
وأما الأمر الثاني ، فرغم أن رضا أعلن ، في صراحة يُحسد عليها ، أن خلافة آل عثمان ( = الخلافة العثمانية ) إنما هي خلافة / سلطة تغلّب ، والمتغلّب لا طاعة له شرعاً ، حتى فيما وافق الشرع ، إلا على من تغلّب عليهم فقط . وأن السلطان عبد الحميد " ادّعى الخلافة " وهو غير مستجمِع لشروطها ، ولا قائم بواجباتها ، إلا أنه – رضا – استحال 180درجة فأعلن – بُعيد إلغاء منصب الخلافة – أن صفة الإسلام قد زالت عن المجتمعات الإسلامية وعن شعوبها بإلغاء الكماليين منصب الخليفة العثماني ، فكتب رضا في المنار يقول : " إن نصب الإمام واجب في الملّة في هذا الزمان كغيره ، وجميع المسلمين آثمون بعدم نصب إمام تجتمع كلمتهم عليه بقدر طاقتهم ، ومعاقَبون عليه في الدنيا بما يعلمه أهل البصيرة منهم ، وسيعاقَبون في الآخرة بما يعلمه الله تعالى وحده . إن الجماعة التي أُمرنا باتباعها لا تُسمّى جماعة المسلمين إلا إذا كان لها إمام بايعته باختيارها " .
يُتْبع ...
 
(7) :
ثانياً : " النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة " :
هو لـ مصطفى صبري توقادي ، يعتبره دارسون أحدَ " فقهاء البلاط " السلطاني التركي ، إذ كان يشغل منصب " شيخ الإسلام " وقت حكم السلطان التركي وحيد الدين صاحب المواقف " المائعة " تجاه الاستعمار الذي كان قد احتل أكثر أجزاء الدول العربية / الإسلامية .
أفتى توقادي بـ " إهدار " دم مصطفى كمال أتاتورك ، مستنداً في فتواه بأنه ، مصطفى ، عصى وليّ الأمر ، من حيث إن ولي الأمر راع ونحن " رعايا " ، وعلى الرعية السمع والطاعة لولي الأمر ، وإلا فإن إهدار الدم يصبح واجباً شرعياً .
كان مصطفى كمال أتاتورك ، وقت الفتوى هذه ، يحارب اليونان المحتلين لأراضٍ تركية ، وبديلاً عن تأييد من يحارب دفاعاً عن " البلد " تخرج فتوى تدعو لقتل هذا المحارب .
ولما كان الجزاء من جنس العمل ، فقد دارت الأيام دورتها ، وتولى الكماليون الحكم !!! ففرّ المفتي " الشجاع " قاصداً مصر ، وكانت لم تزل تحت الاحتلال الإنجليزي ، فلقيه علماء الأزهر وقتها بما هو أهل له .
أشعل الرجلُ فتنةً بين المصريين الذين انقسموا ما بين مؤيد لما فعله ، بالخلافة ، أتاتورك ، وبين معارض ، فراح يكتب في الصحف السيارة مستنفراً الناس ضد أتاتورك بدعوى الدفاع عن " بيضة " الدين ، بينما كان الأمر " ثارات " قديمة بين كلا الرجلين استخدم الدين وقوداً لها وأرض مصر ساحتها .
كتب توقادي كتابه " النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة " رداً على قول البعض له ، وللكماليين ، إن ما يحدث بينهما ليس صادراً إلا عن هوى وعن شهوة الانتقام ، خاصة وأن الرجل أصبح لاجئاً في مصر ، حيث لم يلق الاستقبال الذي توقعه .
لا يحتوي الكتاب على مادة علمية ، سياسية أو فقهية ، بل جاء ، في أغلبه ، سباباً للكماليين ، وتفسيقاً لهم ولمن أقرهم بشكل من الأشكال .
يُتْبع ...
 
(8) :
ثالثاً " الإسلام وأصول الحكم " :
هو لـ الشيخ علي عبد الرازق ، والشيخ هو الأخ الأصغر للشيخ مصطفى عبد الرازق ، أحدُ علماء الأزهر ، وقد سبق وعمل قاضياً شرعياً بالمنصورة .
كتب الرجل كتابه هذا بحسب أوضاع سياسية ، خارجية وداخلية ، معقّدة أشدّ ما يكون التعقيد .
لما أصدر الشيخ عليّ الطبعة الأولى من كتابه هذا في العام 1925م قامت زوبعة / فزْعة من المعارك الفكرية والقانونية ... بل وحتى السياسية ، لم يُشهد لها مثيلٌ من قبل .
ينتهي علي في كتابه هذا إلى أن الدارس لنظام الخلافة في التاريخ الإسلامي ، بل وفي الفكر الإسلامي ، ينتهي إلى أنه ، النظام ، مصلحيٌّ ، وليس دينياً ؛ فليس له ، كأساس حكم واحد ووحيد ، اساسٌ لا من قرآن ولا من سنة ولا من قياس ولا من إجماع . ومعروف أن تلك هي القواعد المعرفية التي يستقي منها المشرّع أسسه / قواعده .
بل إن علياً يرى أن الخلافة ، كنظام حُكم ، أهمل بيانَها مصدرا التشريع الأساسيان في الإسلام : القرآنُ الكريم والسنةُ النبوية المشرّفة ، ما أعطى الرجلَ أن يقول إن نظام الخلافة ، من الناحية السياسية والعقدية بمنظور العصر ، لم يعد صالحاً الآن .
بقوله هذا تحدّى عليٌّ الملكَ فؤادَ الذي كان طامحاً أن يرِث عرش الخلافة ، فيكون خليفةً للمسلمين إلى جانب كونه " ملك مصر والسودان " . في نفس الوقت الذي كشف / فضح فيه الكتاب كيف استغل الاستعمار الإنجليزي هذه المشكلة ليطيل بقاءه في البلاد العربية / الإسلامية ، فكان أن فتح الكاتب على نفسه أبواب الجحيم من بني جلدته ، بأمر الملك ، ومن الخارج ، بأمر المستشار الشرقي للسفارة الإنجليزية في مصر .
انقسم المصريون على أنفسهم ما بين مُعارِض ومؤيد :
فالمحافظون ، شيوخاً وأدباءً ، وأنصار السراي ، وهيئة كبار العلماء بالأزهر ، وحزب الاتحاد ، كل هؤلاء عارضَ الكتابَ ، وتعدّى الأمر إلى السباب ، وهو ، براينا ، سلاح العاجز علمياً وثقافياً وحججاً ، ثم إلى الحكم على الرجل بـ " الرِّدة " وهو العالِم الأزهري قاضي القضاة ... وبلغ الأمر حدّاً أن سعداً ، الليبرالي وصاحب المناداة بـ " طرح المرأة المصرية حجابها المعيق لها " ، دخل الساحة لا بصفته الشخصية ، بل بصفته الاعتبارية !!!!! فقال في الكتابِ ، وصاحبِه ، ما يعد – بحق سعد – سقطةً اجتماعية ، فضلاً عن الـ " قصور " المعرفي .
والأحرار الدستوريون ، وأغلب حزب الوفد ( = حزب سعد ) ، ولفيف من شيوخ الأزهر من غير ذوي المناصب ، كل هؤلاء دافعَ عن الكتاب ، ورفضوا اتهام كاتبه أنه " أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة " ؛ إذ أمرُ الحكمِ مصلحيّ لا عقديّ .
واعتمد المعارضون شحنة " عاطفية " تمثّلت في :
• أن الرجل اعتمد مقالات المستشرقين .
• أن الرجل " صدم " مشاعر / عواطف " الناس .
وكأن من يأخذ " الصواب " من غيره قد ارتكب جُرْماً ، أو أن على العالِم أن يجاري العامة في مراداتهم .
يُتْبع ...
 
(9) :
قال الكتاب إن فكرة الخلافة ، كنظام سياسي للحكم ، وكذا القضاء وما إلى ذلك من أنظمة اجتماعية مديرة لشؤون العباد والبلاد ، ليست من الأمور الدينية ، بل هي شؤون دنيوية ، تركها الدين ، الإسلام تحديداً ، ليرجع فيها الناس إلى أحكام العقل وتجارب المعاصرين والسابقين ، ممن لهم سبْقُ معرفة بهذه النظم ، فهو – الدين – لم يأمر بها ولم ينه عنها ، لأنها ليست من صلب الدين / الاعتقاد ، بل هي في باب " أنتم أعلم / أدرى بشؤون دنياكم " .
دلل الكاتب لرأيه بأن القرآن الكريم لم بذكر شكل الحكم حصراً وقصراً ، فكأنه – القرآن – سكت عن المباح تغييره والأخذ ، فيه ، بأي شكل يحقق المقاصد البعيدة للشريعة ، والتي هي : الحفاظ على الدين والعقل والنفس والمال والنسل . ولهذا وقف موقف الضد مما ذهب إليه محمد رشيد رضا الذي أعلن أن مسألة / قضية الخلافة أمرٌ عقدي ينقص من إيمان منكِره ، لكن علياً أبان أن أسانيد رشيد رضا لا تنهض دليلاً على ما يقوله ، فالخلافة ، برأيه ، اجتهاد بشري بحسب الزمان والمكان والناس .
يرى عليّ أن الخلافة لما أن قامت على " الغلبة / القهر " ( نفس مصطلحات ابن خلدون ) حرّمت على علماء المسلمين الكلام ، بله البحث ، في مسائل السياسة والحكم ، رغم مسيس الحاجة لمثل هذه العلوم ، نظراً لكثرة الخروج / التمرّد على هذا الحاكم أو ذاك في تاريخنا السياسي القديم . وما هذا إلا نتيجة لازمة لكراهة بعض الخلفاء لمثل هذه العلوم / البحوث / الدراسات ، التي ، ربما ، ستفتح باب : مَن الكفؤ للخلافة ، وكيف الحد من سلطاته ، وكيف إنهاء حكمه حال أن لم يقم بواجبه نحو الشعب .
هذا يُفضي إلى أن السبب وراء إحجام العلماء الكتابة في هذا الفن ( = السياسة ) ، إلا قليلاً من الفلاسفة ، كالفارابي في المدينة الفاضلة ، هو استبداد الحكام بالأمر باسم الدين وهو ، الدين ، برئ من هذا الاستخدام النفعي الانتقائي ؛ إذ باسمه : " أذلّوا الناسَ ، وحرّموا عليهم النظر في علوم السياسة . وباسمه خدعوهم ، وضيّقوا عليهم ، وعلى عقولهم ، فصاروا لا يرون لهم وراء الدين – وبحسب فهمٍ محدد – مرجعاً حتى في مسائل الإدارة الصرفة والسياسة الخالصة ، وحرّموا كل أبواب العلم التي تمس أمر الخلافة ، فإدّى هذا إلى أن تموت قوى البحث العلمي الحر ، ويموت النشاط الفكري بين المسلمين ، فأصيبوا بالشلل في التفكير السياسي والنظر في كل ما يتصل بشأن الخلافة والخلفاء " .
ولعل استقراءً لتاريخنا القديم يعطي النص السابق صدقاً هو حقيق به ، فلقد كان أي خلاف بين الحاكم ومعارضيه ، كان الحاكم يسعى – عبر أبواقه الإعلامية من شعراء وأدباء – لأضفاء طابع الدين على هذا الخلاف السياسي ، حتى إذا أراد " تصفية " معارضيه صبغَها ، التصفيةَ ، بصبغة دينية تمويهاً ، وخداعاً ، للجمهور . وما قتل الجعد وغيلان وصالح ببعيد . بل وفي تاريخنا المعاصر نماذج شاهدة بذلك : فمن قتْل الخازندار إلى النقراشي إلى محاولة قتل عبد الناصر إلى قتل السادات إلى قتل محمود طه ، أدلة على الاستخدام النفعي للدين بحسب مفردات اللعبة السياسية وأدواتها .
يقول عبد الرازق : " إن حظّ العلوم السياسية في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين ، بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى ، أسوأ حظٍّ . ووجود هذه العلوم السياسية بين المسلمين كان أضعفَ وجودٍ ، ولسنا نعرف لهم مؤلَّفاً في السياسة ولا مترْجَماً ، ولا نعرف لهم بحثاً في شئ من أنظمة الحكم ولا أصول السياسة ، اللهم إلا قليلاً لا يقام له وزنٌ إزاءَ حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنونٍ " . ذلك كله مع " توافر الأسباب التي كانت تحفزهم للبحث في علوم السياسة من ذكاء فطريٍّ ونشاطٍ علميٍّ وولعٍ بعلوم اليونان وكثرة الخارجين على الخلفاء " . وأرجع الرجلُ السببَ في هذا القصور إلى ارتكاز الخلافة على القوة الرهيبة المعادية لكل بحث علمي يَمَسّ قواعد الملك ، وعلم السياسة هو أخطر العلوم على المُلْك .
ومن العلماء المعاصرين ، نجد الدكتور الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري يبدي دهشته لما أن رأى / لاحظ الوضع الشاذ لمسألة / قضية الخلافة ونظام / نظم الحكم حين أدرجها البعض ، من الفقهاء ، ضمن مباحث العقائد ، إضافة إلى فراغ كبير من هذه المسألة / القضية في كتب / مؤلفات علماء الكلام . ما يعضدد رأي عليّ في هذه الجزئية .
ويرى السنهوري أن مكان دراسة الخلافة هو الفقه لا علم الكلام ، من حيث هي – الخلافة – من الفروع لا من الأصول ، وعلم الكلام يُسمّى – ضمن مسميات كثيرة – علم الأصول ، بينما الفقه من الفروع . ثم يرجع السبب في إحجام الفقهاء القدامى عن دراسة هذه المسألة / القضية ، وما يتفرع عنها من مباحث تَمَس الحاكم بشكل مباشر أو غير مباشر مما هو حق للشعب ، إلى خشية التعرّض لنظم الحكم الاستبدادية التي عمّتْ / سادت العالم الإسلامي .
ولا يفوتنا أن نشير إلى مأخذ السنهوري ، وهو معدود – بشكل ما – ضمن المحافظين ، على عليّ أن الأخير قد " بالغ " في ملاحظاته بشئ كثير من الجرأة " .
يقول عليّ : " إن الدين الإسلامي برئ من نظام الخلافة ، برئ بالأخص من الأدواء التي عصفتْ به وعملتْ كثيراً على تأخير المسلمين في سيرهم نحو التقدم ، سواء من الوجهة الفكرية أو العلمية أو الاجتماعية أو التشريعية . لقد شلّتْ الخلافة كل تطور ، في شكل الحكومة عند المسلمين ، نحو النظم الحرّة خصوصاً بسبب العسْف الذي أنزله بعض الخلفاء بتقدم العلوم السياسية والاجتماعية ، فإنهم قد صاغوها في قالَب يتفق مع مصالحهم " .
يُتْبع ...
 
رد: سياسة شرعية :

(10) :
ولعلنا واجدون نفس المعنى عند جمال الدين الأفغاني لما أن تعرّض لأسباب تخلف المسلمين في كثير من مجالات العلم والحياة ، إذ يرى أن الأتراك / الترك قد حرموا الأمم التي حكموها أسبابَ الحضارة ، ومنها العلوم والصنائع ، حيث بقيت الدولة العثمانية سداً منيعاً للأمم المحكومة منها يحول بينها وبين الأخذ بأسباب الحضارة ومجاراة الأمم الراقية في مدنيتها وعلومها وصنائعها . وهذا ما يدل على التقاعص عن أداء أبسط الواجبات : سد الثغور ، أو الدفاع عن الوطن .
إنّ علياً ببيانه / كتابه هذا كان له هدف كبير ، هو تعريف المسلمين أن الملك المصري إنما يحاول التدليس عليهم باسم الخلافة ليخفي مساوئ حكمه ... فيقول : " من الطبيعي ، في أولئك المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً ويسلكون مذاهبها عملاً ، ويأنفون الخضوع إلا لله ربّ العالمين ، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل في خمسة أوقاتهم للصلاة ، من الطبيعي في أولئك الأُباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم ، ذلك الخضوع الذي يطالب به الملوك رعيتهم ليس إلا خضوعاً للقوة ونزولاً على حكم السيف القاهر " .
لقد كان محمد عبده ذا نزعة استقلالية عن الحكم التركي ، نيابةً عن المصريين ... فيقول : " أريد أن أزيل من الأذهان الفكرة الخاطئة التي تزعم ان عرابي ، أو الحزب العسكري ، أو الحزب الوطني ، أدوات في أيدي الأتراك ، فإن كل مصريٍّ ، عالماً أو فلاحاً ، حِرَفياً أو تاجراً ، جندياً أو مدنياً ، سياسياً أو غير سياسي ، إنما يكره الأتراك ، ويمقت ذكراهم غير العطرة ، ولا يوجد مصريٌّ يخطر له أن ينزل بأرضه تركيٌّ دون أن يشعر بنبضٍ يدفعه نحو سيفه ليخرج به الدخيل . إن الأتراك مستبدون ، خَلَقوا بمصر كوارث ما زالت تدمي قلوبنا . ونحن لا نستطيع أن نتمنى عودتهم " . ولعل هذا الطرح أن يذّكرنا بالهتاف المصري " يا متولّي يا متولي كبة تاخد العثمنلي " .
أحدث هذا كله ، من علي عبد الرازق ، أزمةً استدعت تكتل المعارضين على شكل مؤتمر ينادي بما قال مالك في الخمر : فالملك ، وجريدة المقطم ، وجريدة / مجلة المنار ، والمندوب السامي البريطاني ، وهيئة كبار العلماء ، طالبوا بمحاكمة الشيخ العالم الأزهري ... بل وإعلان ردته. ( حتى المندوب السامي أراد دغدغة عواطف العامة ، فدخل ضمن العازفين مدعياً الحرص على دين / مشاعر المصريين ) .
كان أشد المعارضين ، وأقساهم لساناً وقلماً ، محمد رشيد رضا الذي كتب يستفزّ الناس ، ويحرّضهم على الكتاب وصاحبه ، بدلاً أن يناقشه حجةً بحجة ... فيقول : " إنه لا يجوز لمشيخة الأزهر أن تسكت عنه ، فإن المؤلف رجل منهم ، فيجب عليهم أن يعلنوا حكم الإسلام فيه ( مع أن الإمام علياً ، كرّم الله وجهه ، كان يقول إن القرآن بين دفتي المصحف ، لا ينطق ، بل ينطق به الرجال . أي أن المتحدث باسم الدين لا يتكلم عن الدين ، بل عن فهمه هو للدين ) وفي كتابه .
ولنلاحظ قول رشيد رضا " فيه وفي كتابه " ما يعد – برأينا – تحريضاً ضد الرجل نفسه ، لا وقوفاً ضد فكره وآرائه . وهذا كله دفع الأمور في اتجاه محاكمة رجل اجتهد فأخطأ .
تشكلت لجنة ، إرضاءً للملك فؤاد ، من اثنين وستين رجلاً من رجال الأزهر كتبوا يقولون : " نحن في عهد يوالي حضرة صاحب الجلالة الملكُ الأزهرَ وعلماءه بما يتفق وكرامتهم ، ويغنيهم عن الشغل بوسائل العيش لأجل أن ينقطعوا لواجبهم العلمي الديني . فما هو العذر لنا في ذلك أمام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وأمام حضرة صاحب الجلالة الملك الذي يوالي دائماً إيقاظنا بجميع صنوف الرعاية " ؟ .
ولما كان تحريض رشيد رضا هو الأعلى ، فقد ارتاب البعض في نواياه ، ، حتى كتب أحدُهم مؤكداً صلة الكتاب بموضوع المؤتمر الذي انعقد لتعيين أحد الملوك ، أو السلاطين ، خليفةً عاماً للمسلمين ، وكان بعض أصحاب الأقلام لدى كل طامح أن يكون هو الخليفة يزين له أنه الأحق ، فكتب يقول : " إنه قد دار لغطٌ كثير يومئذ حول دوافع صاحب المنار لهذا الموقف ، والأسباب التي أذكتْ حماسه لهذا الموضوع ، مما دعاه لأن يكتب فينفي عن نفسه هذه الاتهامات " .
لكن الحملة أثمرت ، فتم عقد مجلس وجّه للشيخ سبعة اتهامات ، وطالب بفصله من الأزهر ومن القضاء الشرعي ، مع حرمانه حتى من مكافأته المالية .
ورغم أن قرار اللجنة ( !!!!!! ) لم يتكلم ، لا من بعيد ، ولا من قريب ، في عقيدة الرجل ، إلا أن رشيد رضا أصر على أن هناك ردةً عن الدين ، فكتب في المنار مقالاً استفزازياً جعل عنوانه " تضمن الحكم على الشيخ علي عبد الرازق الإفتاء بارتداده عن الإسلام " . وهكذا نصب رشيد رضا نفسه بنفسه قيّماً على عقائد الناس ، وحاكماً بإخراجهم من دين الله .
وكالعادة ... لما لم يفز أحد بالمنصب المتمنَّى ، عادت الأمور إلى طبيعتها ، ما يوحي أن القضية سياسية لا دينية ، فتم ، وبأمر الملك ، إعادة الشيخ علي عبد الرازق لمناصبه التي كان عليها ، بل وأصبح وزيراً للأوقاف . ما يثبت أن المهاجمين لم ينطلقوا من مبدأ الحرص على الدين ، بل من مبدأ نفاق الملك ، بحيث لما طلب منهم ، ومن الأزهر ، الملكُ رد اعتبار الرجل قالوا : نعم . وكأنه لم يكن هناك قتل معنوي لرجل اجتهد فيما رآه صواباً .
انتهى .
 
تنبيه: نظرًا لتوقف النقاش في هذا الموضوع منذ 365 يومًا.
قد يكون المحتوى قديمًا أو لم يعد مناسبًا، لذا يُنصح بإشاء موضوع جديد.
العودة
Top Bottom