• أهلاً بك زائر في في بيتك الثاني!
    اذا كنت وفيا لمنتدى اللمة بصدق فهو بحاجة لمساهمتك إن مشاركتك ونشاطك يبعثان الحياة فيه ليستمر وينتشر. تفاعل وشاركنا بآرائك، مواضيعك، وإبداعاتك لإثراء المحتوى ونشر الفائدة و كسب الثواب قبل أن نفقد اللمة للأبد كما وقع لباقي المنتديات لاتكتفي بالتفرج.

الحقيبة

الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.

jojocosta

:: عضو مُتميز ::
الحقيبة


وكان علي كأية مسافرة أخرى أن اعد حقيبة سفري وابحث عن أشيائي الصغيرة ..المهمة وغير المهمة أيضا وكتبي و..و.. أورايها في الحقيبة.
فتحت دولاب ملابسي ..نثرت كتبي .. وكومت أشيائي الصغيرة .. بعثرتها .. جمعتها بيدي ثم عدت فألقيتها بيدي .. تناثرت، واستقرت فوق أرض الغرفة أشلاء مبعثرة.
فرحت بمنظرها هكذا.
وبلحظة أخرى قادمة شعرتي بأنني لا أريد التقاطها ..لا أود حملها معي، لا أريد.
لم على الانسان أن يحمل حقيبة سفر ويسافر بها ..لم ؟
وقررت أن أسافر بدون حقيبة .. وكان ذلك.


تلفتت الصغيرة حينما احتوانا بهو الفندق والحقائب تتراكم أمامنا، والجميع منهمك في البحث عن حقيبته ليضمن وجودها بجانبه ، وأنا وحدى صامتة.
- أين حقيبتك ؟
هززت راسي نفيا .. العيون حاصرتني في دهشة وصوت أجش يخاطبني .. هو أبي:
- أين حقيبتك ؟
أطرقت صامتة .. خائفة .. العياذ بالله ، وهل مثلي يخاف ..؟
ولكني أكن لهذا الصوت احتراما شديدا يفوق احترامي لنفسي .. لذا علي أن اشرح الأمر:
-الحقيقة ..
لكن صوت الخادم سبقني :
يمكنكم اللحاق بي سادتي :
وتنهدت .. الحمد لله
سرت وراءهم وأنا اشعر براحة عجيبة .. راحة من نوع آخر ..
لم أشعر بها من قبل ذلك.. اني لا أعنى بشيء كأني ولدت من جديد .. لا شيء هناك يحملني على التفكير به .. لا شيء .. ليتني بالفعل أولد من جديد .. سأتخذ لنفسي اسما آخر .. ماذا .. دانيا .. داليا..دانه ..د.. وما فائدة الأسماء ؟
ولماذا التعلق بحرف (د) ؟ ربما له علاقة ما بصورة ذهنية مطبوعة ب.. اللاوعي .. وهو يخرجها بهيئة أسماء تبدأ بحرف (د) .. ربما ، ولكن .. بالفعل لماذا أبحث لنفسي عن اسم آخر ؟ لماذا أكون بلا اسم (أنا) فرد بدون اسم كما أنني الآن بدون حقيبة؟


-ألن تنامي ؟
-سافعل .
-لماذا لا تأتين بحقيبتك ؟
لا توجد لدى حقيبة.
وهبت أختي مذعورة :
-هل فقدت
-لا
-إذن أين هي ؟
لم آت بها من المدينة.
-ماذا ؟
وفغرت فاها من الدهشة ، في حين شرعت أنا بخلع ملابسي ، ومن ثم طويتها بعناية ووضعتها فوق المقعد الخشبي ، واستلقيت على الفراش الملاصق لفراشها حيث تفصلني عنها، طاولة زجاجية، يحتلها هاتف رمادي اللون يقارب بلونه (الأباجورة) المنسق أعلاها بخيوط مذهبة ، كيف يتماشى الخط الذهبي واللون الرمادي ..تجاهلت دهشتها وأنا اهمس لنفسي : (غدا لن يكون لي اسم أيضا)
وبهدوء انسللت تحت الأغطية وأنا أهمس ..
- تصبحين على خير

الساعة تشير إلى البواكير الأولى من الصباح والشمس لا تزال بعد غافية في خدرها ونشاط عجيب يسري في جسدي .. انسللت بخفة حيث الستارة الكثيفة التي تستر الحاجز الزجاجي ..أزحتها ومن ثم فتحت الزجاج .. الهواء البارد لسعني فأخفيت صدري بيدي ..الهواء بتلذذ استنشقته ..(وباريس) المدينة اللاهية غافية، وضباب رمادي اللون كالهاتف يغطيها، وأنا فرحة بهذا اليوم حيث أنني بلا حقيبة، وسوف أكون بلا اسم بعد ذلك.


خطواتي المبكرة أثارت انتباه موظف الاستقبال النشط .. من يراه يحسب انه قدا بدا دوامه منذ اللحظة في حين انه سوفي يبادل زميله الواقف بجانبه العمل .
قبل أن تصل خطواتي إلى الباب ،كانت يده أسرع مني في فتح الباب الزجاجي :
-صباح الخير ياسيدتي ، المدينة لاتزال غافية وخطواتك هي الأولى في هذا الصباح .
رسمت ابتسامة فوق وجهي .. استقبلني الهواء باردا .. سرت طويلا.. طويلا ، وكنت اتبع الجهة اليمنى أو الطريق المستقيم الذي يبدأ منه الفندق ولا اعلم إلى أين ينتهي، حتى لا أتوه حين العودة ، وأنا عادة اكره العودة .. أن أسير فحسن .. أما أن أعود فشيء لا أطيقه ليتني دائمة السير، لماذا علينا العودة عندما نذهب؟ لماذا لانسير فقط ولانعود إلى الطريق الذي غادرناه ؟..لماذا ؟
(باريس ) تستيقظ مع خطواتي المنحدرة إلى أسفل .. هل الفندق يقع فوق جبل وإلا ما سر هذا الانحدار؟
رائحة الخبر ملئت أنفي .. وقفت أمام المحل .. شعرت بالجوع ..
الجوع ينهشني .. لم أذق طعاما منذ الأمس .. نظرت في ساعتي .. لقد مضت مدة طويلة وأنا أسير إحساس عجيب بالسعادة يغمرني .. حيث لا احد يعرفني .. لا أحد يعلم اسمي .. أو يمكنه مناداتي ، أو يعرف هويتي ومن أكون ..
ولكن هناك إحساسا آخر ، انه الجوع .. حملق الرجل بي من خلف الزجاج حيث طالت وقفتي .. وأدار الباب وغرس عينيه في عيني ..
-عربية أنت ؟
قالها بلكنة انجليزية ركيكة يغلب عليها الطابع الفرنسي .. عيناه سوداوان ، وبشرته سمراء .. ليست سمراء داكنة، وليست أيضا بيضاء، ولكنها مزيج من ذلك .. شعره كثيف يغري بالعبث به، ولكنه لا يعادل نعومة شعري وكثافته .
-أجائعة أنت.. لقد استطالت وقفتك ؟
لكنته .. انه لا يجيد الانجليزية بقدر ما يجيد الفرنسية ، لكنه ليس فرنسي الأصل بالطبع فقد يكون عربي الهوية هاربا من قدره هناك:
-أنت لا تملكين نقودا، ومع ذلك فعيناك تشيران إلى انك تملكين بئرا من النفط..
النقود .. بحثت في جيبي عن النقود .. أنا لا املك بالفعل نقودا، وغزاني إحساس جديد .. لقد تحررت من شيء آخر .. هو النقود، فلم يعد المال يستعبدني، وكانت قبضته قويه فوق ذراعي:
- من أنت ؟
أنفاسه ساخنة فوق وجهي (وبرد) باريس يتسلل في ثنايا جلدي، ويدي الأخرى تهوي فوق وجهه، تراخت يداه فأدرت وجهي وزعت خطوات قوية فوق الرصيف.
بصق خلفي وصرخ :
-عربية جائعة ستعودين بعد ذلك ..جميعهن يفعلن ذلك وفي النهاية يركعن تحت الأقدام.. انه الجوع.
لماذا أعود ؟ لماذا العودة ؟ والمال .. والحقيبة ..والملابس ..والاسم..؟ لماذا الانتماء إلى هوية واحدة ؟ أو وطن واحد؟
أب واحد.. أم واحدة ؟ لماذا هذه الروابط ؟ لماذا ...؟
إنها تخنقني كالسلاسل حول عنقي وأنا لاأود الانتماء ..
ولا أريد العودة .


الجهة اليمنى من الطريق التي أحتذيتها في أول الأمر تركتها ، بلعتني الأرصفة والشوارع الواسعة .. والطريق لم يعد منحدرا : اتسع واتسق وأصبحت له فروع ،والوجوه تسير مستقيمة ، والخطوات مسرعة ، وأنا يمكنني الصراخ والبكاء ، والغناء ، دون أن يلتفت إلى احد ويستفسر عن سر جنوني ويطالبني بالكف والعودة ولكن الجوع يناوش سعادتي ، هناك إحساس آخر ، انه التعب .
الوقت بعد الظهيرة .. قدماي ملتا من خطواتهما الواثقة فوق الطريق، وباتتا تؤلماني .. الطريق والرصيف.. وأنا جائعة .. المنازل هنا متناثرة .. وهناك بالقرب منها حديقة واسعة ، وخطواتي التعبة تقودني إليها .. المقاعد متناثرة .. احتللت أحدها.. خلعت حذائي .. مرغت قدمي بالعشب انه مبلل.. ألقيت نفسي فوقه ومرغت وجهي به ..وجهي .. شعري.. و.. نمت .. لا لم انم بعد .. اني اسمع .. خطوات .. همسات .. اسمع .. والجوع .. التعب .. الإحساس بالفرح .. لماذا يتلاشى .. أمي.. اجل أمي .. أبي.. اجل أبي..أخوتي ..لا .. ما الذي أتى بهم ولماذا افسد سعادتي .. أمي.. أبي.. والأصوات تقل من حولي .. أمي.. إخوتي .. أبي، والتعب يجعل النوم لذيذا فوق العشب.. و.. أبي.. و..
فجأة استيقظت .. حفيف حولي .. حول قدمي .. فزعت ..
الظلام يحيط بي وعيون تنظر إلي.. انه المساء .. وأغمضت عيني من جديد .. اني احلم .. ولكن رجع العيون البارزة في الظلام أفزعتني .. فهببت واقفة .. أرعبني الرجل الواقف أمامي، ولغته فرنسية وأنا لا أجيدها ألا قليلا.. وكذا لا أريد التحدث.. ولكنه مخيف.
الخوف انتابني .. الخوف .. الخوف اكتسح الأحاسيس الأخرى .. الجوع التعب .. الخوف غزا لحظتي .. وتمسك بأهدابها ، وغمسني بأرجائها ..الظلام .. والخوف.. الخوف زعزع ثقتي المزروعة بي منذ ثلاثة وعشرين عاما .. وصرخت .. أمي.. أبي .. الظلام .. إخوتي .. الظلام .. صدا صرختي تردد في أنحاء الحديقة الواسعة .
تجمع البكاء في صدري .. صرخت .. الظلام .. أخاف الظلام والعيون البارزة في الظلام تنقض علي ..
أريد العودة .. ركضت .. خطواتي راكضة .. مسرعة .. راكضة أريد العودة.. والخطوات ورائي مسرعة أيضا .
أريد العودة .. أخاف الظلام .. والخطوات المسرعة خلفي .. أمي .. أبي .. أريد العودة.
و(باريس)لا يوجد بها طريق مستقيم يقود إلى الفندق وأنا غريبة، وجائعة، وخائفة ، وأريد العودة .. أريد الانتماء .. أريد الوطن.

نوفمبر 1981



اعجبتني المعاني التي تحملها هذه القصة..فنقلتها لكم رغم انني لا اعرف من كاتبها



تحياتي​

* * * *
 
رد: الحقيبة

بارك الله فيك اختي جزاك الله خير
 
رد: الحقيبة

 
رد: الحقيبة

bachir..VIP..توحشتك بزاف

شكرا لعـــــــــبق مروركم هذا الجميل...

كم اتمنى ان تكون قد وصلت اليكم تلك المعاني السامية التي ترسمها تفاصيل القصة..


تحياتي
 
رد: الحقيبة

الخط صغير ما شفت والو
على العموم شكرا
 
رد: الحقيبة

مشكـــــــــــور
 
مشكـــــــــــور



عين السلسبيل.. جميل هذا الاسم والاجمل منه هو تواجدك هنا..

لك الود

تحياتي
 
الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.
العودة
Top Bottom