التفاعل
49.1K
الجوائز
4.7K
- تاريخ التسجيل
- 10 أوت 2013
- المشاركات
- 10,953
- الحلول المقدمة
- 2
- آخر نشاط
- الجنس
- ذكر
- الأوسمة
- 43
" اذْهبُوا إلى الحبشةِ فإن فيها ملِكاً لا يُظلمُ عنده أحد!»..
هذا ما قاله النبيُّ لأصحابه عندما صارتْ مكّة أضيق عليهم من سَمِّ الخِياط، فكانوا يتنفّسون فيها كمن يتنفّسُ من خرم إبرة، كأنّ جبالها جاثمة على صدورهم، فقد كان يعرفُ أنّ الظُّلم في الوطنِ غُربة، وأنّ العدل في الغُربةِ وطن!
المُعتقدُ الخاطِئ لم يمنع النجاشيُّ من العدل، فلم يكن قد أسلم بعد، والاختلافُ في المعتقد لم يمنع الرّحمة المهداة من الإنصاف!
وما أشبه اليوم بالأمس، أوروبا اليوم هي نجاشيّ الأمس، مهما اختلفنا معها علينا أن نعترف أنّ فيها من الإنسانيّة ما تُرفعُ له القبّعة، «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تعدِلُوا...».
المشهدُ ليس إنسانياً بحتاً، كما يعتقد البعض، فالدُّول نهاية المطافِ ليستْ جمعيّاتٍ خيريّة، أوروبا القارة العجوز تحتاج هؤلاء المهاجرين، كما يحتاجونها، وإن كانوا هم يحتاجونها على جناح السُّرعة وهي تحتاجهم على المدى البعيد، أوروبا تشيخ، وعلماء الاجتماع هناك يصيحون منذ زمن، وتركيبتها السّكانيّة آخذة في الاختلال، ودراساتٌ تتوقع إن بقي الحال على هذا المنوال أن يصبح عدد نزلاء دور العجزة مساوياً لعدد طلاب المدارس، ولكن حتى وإن كان في الأمر مصلحة للقوم هناك فلا يمكنك إلا أن تحترم الذي يسعى لتحقيق مصلحته بأخلاق!
البعضُ هناك متوجسٌ على أوروبا بعد سنوات، يتخوّف على دينها، وهويتها الثقافية، وتركيبتها السّكانيّة، وهذا حقّهم! لماذا نلومهم ونحن إذا التقينا بشخص جديدٍ سألناه عن دينه، فإذا توافقنا في الدين سألناه عن مذهبه، فإذا توافقنا في المذهب سألناه عن شيخه، وهكذا حتى نجد شيئاً نختلفُ فيه معه! للأسف لقد اعتدنا أن نبني بيننا وبين الآخرين القِلاع بدل أن نبني الجُسور!
إذا كانتْ أوروبا اليوم تعيد صفحة الحبشة المشرقة، فللأسف لم نستطِع نحن أن نعيد صفحة المدينة المنوّرة! وإن كان النجاشيّ سمح للمسلمين بالإقامة عنده، ففي المدينة قاسموهم كل شيء! كان المدنيّ ينزلُ لأخيه المكيّ عن نصف الدار، ونصف الأرض، ونصف المال، وفي بدرٍ وأُحد نزلوا لهم عن كلّ الدم وليس بعد الدم عطاء! ولأجل إخوتهم حاصرتهم العرب حتى بلغت القلوب الحناجر، وما حنثوا بكرم الضّيافة، ذاك أن العبقريّ محمّد بنى فيهم ما هو أبعد من مفهوم الإيواء الذي مثّلته الحبشة ألا وهو مفهوم الأُمّة، وهذا هو الاختبار الذي رسبنا فيه نحن!
أدهم شرقاوي / صحيفة الوطن القطريّة