قصص تُكتَب من دموع… وتُقرأ بابتسامة

حفياد آدم

:: عضو فعّال ::
أحباب اللمة
gf.gif



المقدمة:

هناك حكايات لا تُروى بسهولة، تُولد بين وجعٍ مكتوم ودمعةٍ سقطت في لحظة ضعف
لكن ما إن تخرج للنور، حتى تتحوّل إلى قوة لا تُهزم.
قصص تُكتَب من دموعٍ أحرقت القلوب
لكنها حين تُقرأ، تُرسم على الوجوه ابتسامة،
لأنها تحكي عن أناس سقطوا ووقفوا، خافوا وتقدموا، تألموا وانتصـروا.
هذه القصص ليست مجرد كلمات… بل شواهد على أنّ الألم قد يهزمنا يومًا
لكنه لا يستطيع أن يطفئ نور الأرواح التي تعلّمت كيف تعبر العاصفة.



gif 2.gif
 
توقيع حفياد آدم
قصة

بكاء الطريق… وابتسامة القلب

كانت تمشي في مساءٍ بارد، والريح تتسلّل بين أصابعها كأنها تبحث عمّا تبقّى من دفئٍ في قلبها.
سنوات طويلة حملت فيها أكثر مما يجب… خيبات تتراكم، أحلام مؤجلة، ووجوه تركتها في منتصف الطريق دون تفسير.


كانت تعتقد أنّ القوة هي أن لا تبكي… لكنها في تلك الليلة، انهارت على الرصيف.
جلست، وأسندت ظهرها إلى جدارٍ باهت، وتركت الدموع تنزل بحرارة وكأنها تحرق سنوات خنقتها.


لم يكن هناك أحد…
لا يداً ترافق سقوطها، ولا صوتًا يهدّئ فزع قلبها.
لكنها استمرت تبكي… تبكي حتى شعرت أن الأرض نفسها تسمعها.


ثم لمحت شيئًا غريبًا…
طفل صغير، واقف أمامها، يحمل في يده ورقة مطوية.
كان ينظر إليها بعينين هادئتين، لا خوف فيهما ولا حكم.


قال لها بصوت صغير:
"علاش تبكي؟ الدنيا تتبدّل كي نبغيوها تتبدّل."


لم تستطع الرد. مسحت دموعها، فمدّ لها الورقة.
فتحتها فرأت جملة مكتوبة بخط غير مرتب:
"حتى الزهرة قبل ما تطلع، لازم الدموع تسقيها."


نظرت حولها تبحث عن الطفل… لكنه كان قد اختفى.
كأنه لم يكن سوى همسة من القدر أرسلها لها في اللحظة المناسبة.


نهضت…
شعرت أن الألم ما زال موجودًا، لكنه لم يعد ثقيلًا كما كان قبل دقائق.
وكأن الدموع التي سقطت لم تكن علامة هزيمة… بل بداية ارتخاء عقدة ظلت تخنقها لسنوات.


سارت نحو بيتها بخطوات بطيئة.
توقفت عند باب غرفتها، ونظرت إلى وجهها في المرآة.
كان متعبًا… لكنه لم يعد ظاهرًا كوجه شخص مهزوم.
بل كوجه شخص نجا، حتى لو لم يفهم كيف.


وفي الليلة نفسها، فتحت دفترها القديم وكتبت:
“اليوم بكيت… لكنّي فهمت أنّ البكاء أحيانًا هو أول خطوة للعودة إلى نفسي.”


وفي اليوم التالي، استيقظت بشعور خفيف… صغير جدًا، لكنه موجود.
شعور يشبه ضوءًا بعيدًا في آخر نفق طويل.
ولأول مرة، منذ زمن بعيد، ابتسمت.


ابتسامة بسيطة… لكنها كانت صادقة.
ابتسامة تقول:
“أستطيع أن أبدأ من جديد… حتى لو كان الطريق مليئًا بالدموع.”


وهكذا، أصبحت قصتها واحدة من تلك القصص التي تُكتَب بالوجع…
لكن حين تُقرأ، تترك على الوجه ابتسامة—
ابتسامة تعرف أنّ الدموع ليست النهاية… بل أحيانًا، تكون البداية.

aze.webp



الكاتب حفياد آدم
 
آخر تعديل:
توقيع حفياد آدم
قصة

سقوط الرسالة و ارتفاع القلب

كان يوسف يعمل في ورشة نجارة صغيرة في حي هادئ.
شاب بسيط، يعيش يومه بين رائحة الخشب وصوت المطرقة، لكنه كان يحمل في داخله تعبًا لا يراه أحد.
منذ سنة كاملة، كان يحاول إصلاح روحه كما يُصلح قطع الخشب المكسورة… لكنه لم ينجح.

كل مساء، يعود إلى بيته المتواضع، يضع رأسه على الطاولة، وينظر طويلاً إلى رسالة لم يجرؤ يومًا على فتحها.
رسالة تركتها له والدته قبل وفاتها، كتبتها في أيامها الأخيرة.
الخوف من الألم منعه من قراءتها…
كان يخشى أن تنكسر بداخله قطعة لم يعد قادرًا على إصلاحها.

ذات ليلة، كان المطر ينهمر بقوة، وصوت الريح يضرب النوافذ.
جلس كعادته أمام الرسالة…
لكن هذه المرة، سقطت من يده وفتحت بنفسها على الأرض.

حاول أن يلحق بها، لكن الورقة كانت خفيفة، والمطر الذي تسرب من النافذة جعل حبرها يتموّج قليلًا.
في النهاية، أمسكها…
وبين يديه، رأى الجملة الأولى:

"يا يوسف… ماشي لازم تكون قوي دايمًا، يكفي ما تكسرش قلبك."

تجمد مكانه.
شعر بشيء ينفلت من صدره… كأنه كان محبوسًا منذ سنوات.
جلس على الأرض وبدأ يقرأ:

"كان دايمًا يوجعني نشوفك تحارب بصمت،
تبكي وحدك،
وتخبي وجعك باش ما تقلقش حد.
يا وليدي… ضعيف ماشي عيب،
العيب هو تعيش بلا حب لنفسك."

سكت…
ووجد دموعه تنزل لأول مرة منذ وفاة أمه.
لم يكن بكاء ضعف، بل بكاء اعتراف…
بكاء شخص مسموح له أخيرًا أن ينهار.

أنهى الرسالة، ووضعها على صدره.
وقال بصوت خافت:
"سامحيني يا يما… بكيت بزاف اليوم، بصح حسّيت قلبي يتنفس."

في صباح اليوم التالي، ذهب إلى الورشة بابتسامة خفيفة.
لم يفهم زملاؤه من أين جاءت، لكنها كانت واضحة…
ابتسامة تشبه بابًا صغيرًا يُفتح بعد زمن طويل من الإغلاق.

لم يتغير العالم من حوله، ولا اختفت مشاكله…
لكن شيئًا داخله تغيّر.
شيء صغير… لكنه كافٍ ليجعله ينهض كل يوم بقوة جديدة.

وهكذا…
تحوّلت رسالته التي كُتبت بدموع أمّ،
إلى قصّة تُقرأ بابتسامة ابن…

ابتسامة تقول:
“أحيانًا، الرسالة التي نخاف فتحها… هي التي تنقذنا.”


الكاتب حفياد آدم


0120.webp

 
توقيع حفياد آدم
قصة

يكتب رسائل لنفسه دون أن يعرف

في مدينة لا يكشف ضبابها الطريق إلا نصفه، عاش رجل يُدعى حفياد آدم.
كان يعمل في مكتبة قديمة، تعلوها رائحة الورق المبتلّ، وتسمع فيها صرير الأرضية قبل أن ترى أي زبون يدخل.


لكن حفياد آدم لم يكن يعيش فقط بين الكتب…
كان يعيش بين الأسئلة.
أسئلة لم يسمع أحد صوتها، لأنها كانت ترتفع داخله فقط.


كل ليلة، بعد أن يغلق المكتبة، كان يجد رسالة صغيرة موضوعة فوق الطاولة.
رسالة بلا توقيع، بلا اسم، بلا خط يعرفه.
مجرد ورقة تحمل جملة قصيرة…
لكنها تضربه بقوة وكأنها كُتبت من روحه نفسها.


في الليلة الأولى رأى:
"أحيانًا، ما يضيعش… غير اللي كان لازم يخرج من حياتك."


في الليلة الثانية:
"القلب ما يخافش من الظلام… يخاف يبقى وحده فيه."


في الليلة الثالثة:
"ما تبكيش على باب تسدّ… يمكن كان يحميك من ريح ما كنتش تشوفها."


كان يسأل نفسه:
من يترك هذه الرسائل؟
وإلى من يكتبها؟
ولماذا يشعر بأنها تعرفه أكثر مما يعرف نفسه؟


لم يخبر أحدًا بالأمر.
حتى هو، لم يكن متأكدًا إن كان يخاف الحقيقة… أم يخاف ألّا يجدها.


مرت أسابيع.
الرسائل ازدادت.
وكل واحدة كانت تُشبهه أكثر مما يشبه وجهه في المرآة.


وذات ليلة…
وجد رسالة مختلفة عن كل ما سبق.
كانت أطول، والورقة قديمة، صفراء كأنها بقيت سنوات تنتظر هذا اليوم.


فتحها.
قرأ:


"حفياد آدم
لو كنت تقرأ هذي الرسالة اليوم،
فأنت وصلت أخيرًا للمكان اللي كنت تهرب منه.
لا تبحث على من يترك لك هذه الكلمات…
لأن الكاتب هو أنت.
نعم… أنت.
نسخة منك نسيتها، تركتها في الماضي،
كانت تبكي وحدها وتكتب باش ما تموتش بالحزن."


تجمد.
شعر بأن المكتبة كلها تدور حوله ببطء.
تراجع خطوة، ثم جلس على الكرسي الخشبي الذي يعرف كل ثقل في حركته.


الرسالة تابعت:


"كل ليلة كنت ترجع للمكتبة وأنت مكسور،
فتكتب كلامًا يخوّفك،
وتخبّيه باش ما تشوفوش.
تحسبه من شخص آخر…
لكن الحقيقة؟
كنت فقط تكتب لنفسك اللي كانت تحتاج تسمع كلمة.
والليلة… آخر رسالة."


وفي آخر السطر، كان هناك شيء يشبه الدفء:


"سامح روحك يا حفياد آدم
ما كنتش غايب، كنت ضايع.
والضياع… أول طريق للّقى."


في تلك اللحظة، لم يعرف إن كان يجب أن يبكي…
أم يبتسم.
ففعل الاثنين معًا.
وعلى غير العادة، لم يبحث عن من ترك الرسالة.
لم يعد مهمًا.


خرج من المكتبة، لأول مرة دون أن يلتفت.
والضباب… كان أخف هذا اليوم.
والسماء، رغم سوادها، كانت تحمل نجمة واحدة تلمع كأنها تقول له:
“أخيرًا… رجعت لنفسك.”


الكاتب حفياد آدم


2029.webp
 
توقيع حفياد آدم
قصة

( عنوان القصة في اخر الرواية )


كان الليل يذوب فوق المدينة كحبرٍ ثقيل، والطرقات تلمع ببقايا مطرٍ رحل للتوّ.
في الزاوية المعتمة من مقهى صغير، جلست ليلى تقلب كوبها بين يديها، كأنها تبحث في حرارته عن شيءٍ كانت قد فقدته منذ زمن.


لم تكن تنتظر أحدًا…
لكن قلبها كان ينتظر دائمًا.


وفي اللحظة التي رفعت فيها عينيها نحو الباب، دخل إلياس.
لم يكن موعدًا، ولا اتفاقًا، ولا حتى صدفةً عابرة…
كان شيئًا يشبه القدر الذي تأخّر طويلًا كي لا يأتي ناقصًا.


وقف لحظة يبحث بعينيه بين الوجوه، حتى استقرّ نظره عليها،
كأنّ العالم كلّه انحنى ليشير إليه: ها هي… التي لم تعرف أنها تنتظرك.


اقترب بخطواتٍ بطيئة، وابتسامةٍ خجولة تخفي ألف جرح.
جلس أمامها دون سؤال، وكأنّهما كانا يواصلان حوارًا بدأ منذ حياةٍ سابقة.


قال لها بصوتٍ منخفض:
"كنت نظنّ روحي عايشة وحدها… حتى شفتك."


ضحكت ليلى من غير أن تدرك لماذا،
ربما لأنّ قلبها صدّق الجملة قبل عقلها.
ربما لأنّها شعرت، لأول مرة منذ سنين،
أنّ أحدًا يرى ما خلف قناعها… لا ما يُظهره وجهها.


تحدثا طويلًا…
عن الأبواب التي أغلقتها الخيبات،
عن الطرق التي سار كل واحدٍ منهما فيها بمفرده،
عن ليالٍ كانت أبرد من أن تُحتمل،
وأحلامٍ انطفأت عندما كان يجب أن تُشعل.


لكن شيئًا صغيرًا كان يلمع بينهما،
شيء يشبه الضوء الذي يولد من جرحٍ لم يلتئم تمامًا.


وعندما خرجا معًا إلى الشارع،
كانت المدينة نفسها قد تغيّرت.
الليل أصبح أخفّ،
والمطر الذي توقف منذ ساعات عاد يتساقط بخجل،
كأن السماء تشاركهما سرًا صغيرًا لا يُقال.


مدّ الياس يده إليها،
فتردّد قلبها لحظة…
ثم تركت يدها تنزلق إليه ببطءٍ يشبه اعترافًا.


وفي تلك اللحظة،
عرفا معًا أن بعض القصص لا تبدأ حين نكتبها،
بل حين نتجرأ أخيرًا على فتح الباب الذي كان الخوف يغلقه.


قصة مكتوبة من دموعٍ سكنت القلب
لكنها تُقرأ الآن بابتسامةٍ ناعمة
لأنها تذكّرنا أن الحب لا يأتي عندما نحتاجه،
بل عندما نكون مستعدين لنجده.


الكاتب حفياد آدم


love.webp
 
توقيع حفياد آدم
قصة


الجار الذي تحاول ألا تبتسم له


في صباحٍ مشمس أكثر مما يجب، كانت سعاد تركض في الشارع حاملة كيسًا من الخبز وكأنها في سباق دولي.
لم يكن هناك داعٍ لكل هذا الركض…
سوى أنّها تأخرت، كالعادة، على الحافلة التي لا ترحم أحدًا.

قفزت أخيرًا داخل الحافلة، لاهثة، وشعرها أشبه بحادث سير.
ولمّا رفعت رأسها… رأته.

ياسين.
الجار الذي تحاول ألا تبتسم له كلما رأته،
والذي تقسم دائمًا أنّها لا تهتمّ لأمره،
ثم تنسى هذا القسم في أوّل ابتسامة منه.

ابتسم لها وقال:
"سبحان الله، كل يوم الحافلة تستنانا باش نجيّو مع بعض."

فكرت أن تردّ بردّ قوي…
لكنها كانت تلهث مثل رياضي في نهاية الماراثون،
فاكتفت بإيماءة جعلت الجميع يظن أنها تحتضر.

جلس بجانبها، وبقيت سعاد تنظر للأمام كي لا يرى الاحمرار الذي غزا وجهها.
لكن المصيبة الحقيقية كانت أنّ كيس الخبز الذي تحمله قد انفتح،
وخرجت قطعة خبز تتدحرج مثل كرة صغيرة…
لتقف مباشرة عند قدم ياسين.

أمسكها وقال مبتسمًا:
"هاو دلمتي الخبز… ولا تحبي نرجّعو للفرن؟"

شعرت سعاد أنّ الأرض يجب أن تنشق وتبتلعها.
قالت له بصوت خافت:
"راهو خبز عادي… ماشي قلبي."

ضحك، تلك الضحكة التي تجعل الجدران تشتعل رومانسية،
ثم قال:
"إييه… بصح قلبك إذا طاح عند رجلي نرجّعو ليك بنفس الطريقة."

احمرّ وجهها أكثر من الطماطم.
ولو كان بإمكانها أن تغيّر هوّيتها لفعلت.

لكن القدر لم يكتفِ.
عندما نزلت الحافلة، التفتت لتودعه…
فاصطدمت بعمود.
عمود حقيقي.
أمام الناس.
وأمام ياسين.

ركض نحوها وهو يحاول كتم ضحكته:
"يا لطيف… قلتيلي ما يطيحلكش القلب، بصح شكلك تطيحيلنا الحيطان كامل."

مسح على رأسها برفق،
وقلبها — هذه المرة — هو الذي سقط فعلًا.
لكن سعاد تمالكت نفسها وقالت بابتسامة خفيفة:
"شوف… إذا كنت تأثّرت بالعمود، ما يعنيش بلي نخمّم فيك."

فقال:
"ومَن قال إني محتاج عمود باش تفكري فيّ؟"

سكتت.
وسكت هو…
ولم يبق سوى نبضين خجولين يكمّلان الحوار.

وفي النهاية،
مشيا جنبًا إلى جنب،
هي تمسك كيس الخبز جيدًا هذه المرّة،
وهو يمشي بحذر…
كأنه يخاف أن تصطدم بجدار آخر فيخسر فرصته في حبٍّ بدأ من ركضةٍ فاشلة
وانتهى بابتسامةٍ هادئة تُقرأ بلا دموع… وإن كانت مكتوبة بخجل.



الكاتب حفياد آدم


22.webp
 
آخر تعديل:
توقيع حفياد آدم
قلم مبدع و رائع و مميز
دمت مبدعا في سماء المنتدى
 
مجرد اقتراح
اكتب كتابتك في كتيب يستفيد منه الغير
 
شكرًا لك على مشاركتك هذه المجموعة من القصص كانت ممتعة و تحمل بين سطورها معاني و أحاسيس مختلفة
نأمل أن نرى المزيد من أعمالك القادمة
في المتابعة ....
 
توقيع ام أمينة
قلم مبدع و رائع و مميز
دمت مبدعا في سماء المنتدى​
جزاك الله خيرا
مجرد اقتراح
اكتب كتابتك في كتيب يستفيد منه الغير​
اقتراح جيد لازملو الوقت والدينار ههههه وفير كي نوصل لسن تقاعد نفكر فيه

04.webp
شكرًا لك على مشاركتك هذه المجموعة من القصص ك
جزاك الله خيرا​
انت ممتعة و تحمل بين سطورها معاني و أحاسيس مختلفة
نأمل أن نرى المزيد من أعمالك القادمة
في المتابعة ....
ان شاء الله الاسبوع القادم نكمل الكتابة شكرا علي ردودكم

05.webp
 
توقيع حفياد آدم
قصة

الظن السيئ

كان هناك رجل لا يرى الناس كما هم، بل كما يتخيلهم.
قلبه لم يكن شريرًا، لكنه كان مثقلاً بالظنون، وكل ظنّ عنده يتحوّل إلى حقيقة قبل أن يبحث عن دليل.


إذا تأخر صديق عن الرد، قال: تجاهلني.
وإن همس اثنان، قال: يتكلمان عني.
وإن ابتسم أحدهم ابتسامة غامضة، قال: يُخفي نية سيئة.


ذات يوم، مرض مرضًا شديدًا، فغاب عن العمل أيامًا.
في تلك الفترة، اجتمع زملاؤه سرًّا، وجمعوا مالًا، ورتبوا له مفاجأة: علاج، وراحة، ورسالة محبة.


لكن وهو يراهم يدخلون عليه مجتمعين، تغير وجهه وقال ببرود:
أعرف… جئتم لتعاتبوني أو لتفرحوا بغيابي.


صُدموا، ووضع أحدهم الظرف أمامه وقال:
كنا نريد أن نخفف عنك، لا أن نزيد وجعك.


فتح الظرف، وقرأ الكلمات، ورأى المال، وفهم متأخرًا…
أن أكثر ما آلمه في حياته لم يكن الناس، بل سوء ظنه بهم.


بكى، لا لأنهم خذلوه، بل لأنه خذل نفسه.
فقد عاش وحيدًا بين الناس، محاصرًا بأوهام صنعها بيده.


ومنذ ذلك اليوم، تعلم درسًا قاسيًا:
سوء الظن لا يحميك من الخذلان، بل يسرق منك الطمأنينة… ويُبعد عنك من كان صادقًا.


فليس كل صمت خيانة،
ولا كل نظرة مؤامرة،
وأحيانًا… يكون القلب الطيب أقرب مما نتصور،
لكن الظن السيئ يعمينا عن رؤيته.



الكاتب حفياد آدم

01.webp
 
آخر تعديل:
توقيع حفياد آدم
قصة

حزنٍ لا يُرى...

كان يوسف يجلس كل مساء قرب النافذة، يراقب ضوء الشارع الباهت،
بعد أن خسر عمله، وخذله أقرب الناس إليه.
لم يكن يؤلمه الفقد وحده، بل الشعور بأنه صار زائدًا عن الحاجة.


كان يقول في نفسه:
"ما فائدة أن أستيقظ غدًا، إن كان الغد يشبه اليوم؟"


في أحد الأيام، خرج بلا وجهة، يحمل تعبه على كتفيه.
مرّ بمستشفى، فسمع بكاء طفلٍ صغير.
توقّف دون قصد، فرأى أمًّا تحاول تهدئة ابنها،
لكن الطفل لم يكن يبكي ألمًا… بل خوفًا.


اقترب يوسف وسأله بلطف:
— لماذا تبكي؟
قال الطفل بصوت متقطّع:
— أخاف أن أبقى وحدي.


تجمّد يوسف.
كأن الكلمات خرجت من داخله، لا من فم طفل.


ابتسم له يوسف، وربّت على رأسه وقال:
— لن تبقى وحدك… دائمًا هناك من يشعر بك، حتى لو لم تراه.


هدأ الطفل، وابتسم.
وفي تلك اللحظة، شعر يوسف بشيءٍ دافئ يعود إلى قلبه.
فهم أن ألمه لم يكن بلا قيمة،
وأن وجوده قد يكون طمأنينة لغيره، حتى وهو مكسور.


عاد إلى بيته تلك الليلة،
فتح النافذة… لكن هذه المرة،
نظر إلى الضوء وكأنه وعد، لا عبئًا.


وفي صباح جديد،
نهض يوسف، وابتسامة خفيفة على وجهه،
وقال:

"ربما لم تُحلّ كل مشاكلي…
لكن قلبي لم يعد وحده."


الكاتب حفياد آدم


02.webp
 
توقيع حفياد آدم
قصة

حزنٍ صامت

حزنٍ لا يصرخ… بل يُتعب.


كانت ليلى تجلس كل صباح على نفس المقعد في الحديقة،
تنظر إلى الناس وهم يمرّون،
وهي تشعر أنّ الحياة تمرّ دون أن تنتبه لوجودها.
فقدت عملها، ثم فقدت أمّها،
ومنذ ذلك اليوم وهي تحمل فراغًا لا يملؤه شيء.



كانت تقول في نفسها:
"لماذا يستمرّ العالم في الدوران، وأنا توقّفت؟"


في أحد الأيام الماطرة، جلست كعادتها،
والبرد يلسع يديها وقلبها معًا.
اقترب منها رجلٌ مسنّ، يحمل مظلّة صغيرة،
وقال بهدوء:
— هل تسمحين أن أجلس؟


أومأت دون كلام.
جلس قليلًا، ثم قال مبتسمًا:
— هذا المقعد يشبه الحياة…
من يجلس عليه حزينًا، قد ينهض أخفّ.


ابتسمت ليلى ابتسامة خافتة لأول مرة منذ زمن.
سألته:
— وكيف ذلك؟
قال:
— لأن الحزن حين يُشارك، يتعب أقل.


صمتا قليلًا،
ثم وقف الرجل، وقبل أن يرحل قال:
— لا تنسي… أنتِ ما زلتِ هنا، وهذا وحده سبب كافٍ للأمل.


رحل، وبقي صوته يتردّد في داخلها.
شعرت ليلى أنّ الألم لم يختفِ،
لكنه لم يعد وحيدًا في صدرها.


في اليوم التالي، عادت إلى الحديقة،
لكنها لم تجلس…
مشَت ببطء، رفعت رأسها،
وتركت للمطر أن يغسل بقايا الحزن.


وفي طريق العودة،
رأت انعكاسها على زجاج متجر،
توقّفت لحظة…
ثم ابتسمت.


كانت ابتسامة صغيرة،
لكنها كانت بداية حياةٍ جديدة.



الكاتب حفياد آدم

04.webp
 
توقيع حفياد آدم
قصة

كانت البداية حزنًا خالصًا،
لا اسم له… كما لم يكن لها اسم...



كانت فتاة تمشي في الشوارع وكأنها ظلّ،
تحمل حقيبة صغيرة وقلبًا أثقل منها بكثير.
لم تكن تبكي، لأن الدموع استُهلكت منذ زمن،
وكان الصمت رفيقها الوحيد.


في كل ليلة، تجلس قرب النافذة،
تعدّ الأضواء البعيدة، لا لأنها تحبّها،
بل لأنها تُشبهها…
تضيء للآخرين، وتحترق في الداخل.


كانت تشعر أنها منسيّة،
أن وجودها لا يترك أثرًا،
وأن الأيام تمرّ بها كما يمرّ الغريب في مدينة لا يعرفها.


في صباح رمادي، سقطت منها ورقة كانت تخفيها في حقيبتها.
انحنت امرأة غريبة والتقطتها،
قرأت سطرًا واحدًا فقط، ثم قالت بلطف:
— الكلمات هذه… ليست لشخص ضعيف.


تفاجأت الفتاة.
لم تكن تتوقّع أن يراها أحد،
ولا أن يسمع صوتها المختبئ بين الحروف.


أعادت الورقة إلى حقيبتها،
لكن الجملة بقيت معلّقة في قلبها.
سألت نفسها لأول مرة:
"وماذا لو كنت أقوى مما أظن؟"


مرّت الأيام،
لم تختفِ الأوجاع،
لكنها بدأت تمشي وظهرها أكثر استقامة.
بدأت تكتب لا لتختبئ… بل لتتنفّس.


وفي مساء هادئ،
عادت إلى نافذتها المعتادة،
لكنها لم تعد تعدّ الأضواء.
رفعت رأسها، نظرت إلى السماء،
وابتسمت.



لم تكن ابتسامة كاملة،
بل صادقة.
وكأنها تقول للعالم بصمت:
"ما زلت هنا… وهذا يكفي الآن."


الكاتب حفياد آدم


14.webp
 
آخر تعديل:
توقيع حفياد آدم
العودة
Top Bottom