لبنان في قلب الجزائر

الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.

العباسي22000

:: عضو مُتميز ::
إنضم
8 أوت 2006
المشاركات
1,201
النقاط
37
برغم الألم الذي سكن بين جلدنا وعظمنا واستوطن في دمنا ليقيم أبراجا للحزن القاتل ... برغم صور الدمار وخرائط الخراب التي أحاطت بالبشر والحجر والشجر رغبة في فنائهم ... برغم الخسائر المادية الكبيرة التي تكبدتها لبنان والصدمات النفسية التي ستلازم الآلاف من الأطفال والنساء والشباب جراء الرعب الذي عايشوه ، وتوقع الموت بين لحظة وأخرى ، واحتراق قريب حبيب أمام أعينهم ... برغم اللحوم البشرية التي مرت أمام أعيننا عبر الفضائيات وهي في أبشع صورها : محروقة ، مفرومة ، مشوهة ومثقوبة ... برغم الصواريخ التي أحرقت أجسام وعيون وبراءة الأطفال في لبنان ... برغم ... وبرغم ... إلا أن الحرب ستتوقف والنار ستهدأ ويفك الحصار على الجنوب وتتنفس بيروت الصعداء لتلملم أشلاءها وتلتفت إلى تضميد جراحاتها وأعمار الخراب الذي ألحقته اسرائيل بشعب آمن ... ستتوقف الحرب وستقف بعض الأنظمة العربية مطأطاة الرأس منكسة المشاعر وهي ترفل في ذلها وهوانها ، وتتسربل داخل رداء الخيانة الذي لبسته أثناء أزمة لبنان بصمتها حينا ، وبوقوفها إلى جانب العدو حينا آخر وذلك لتحقيق مصالح خاصة بالكرسي والعرش ولا علاقة لها بالمصلحة العليا لشعوبها . في حين ستقف بعض الدول مرفوعة الرأس عالية الهامة ، يفوح منها مسك العزة وينبعث من علمها ريح الكرامة لأنها نصرت إخوانها في لبنان ، وكانت لهم العون والسند .

والجزائر من الدول العربية التي احتضنت الأزمة اللبنانية كما لو كانت أزمتها ، ليس ما أجل حزب معين ، ولا لعيون جهة معينة ولكن نصرة لشعب أرادت له إسرائيل وأمريكا الإبادة ليمرا إلى هدفهما القذر في رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط ... بل خارطة جديدة للأمة العربية والإسلامية تسمح لهما باستغلال ثرواتها التي وهبها لها الله دون سائر الأمم .

وأول حرف للموقف المشرف للجزائر رسمه الجزائريون المقيمون في لبنان حين رفض أغلبهم الخروج من لبنان رغم التسهيلات التي قدمتها لهم السفارة الجزائرية إلا أن الرفض كان كلمتهم الأخيرة واعتبروا الخروج خيانة للأرض والشعب ، ثم تلاه الموقف الرسمي الذي كان منسجما مع تفاعلات الشارع ،ومطابقا لرأي الشعب الذي كان رافضا للاعتداء الإسرائيلي على لبنان ومباركا لكل أشكال المقاومة الباسلة . وقد سخرت كل وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمقروءة لتعبئة الشعب وتحريك مشاعرهم نحو شعب آمن يتعرض للإبادة ... فكانت الحصص والبرامج والنداءات للتبرع من أجل إسعاف لبنان ، وكانت الاستجابة سريعة حيث سارع الأطباء الجزائريون مغامرين بحياتهم لتضميد الجراح ، وتقديم الدواء ومعالجة المصابين ، إلى درجة أن بعض اللبنانيين صرحوا برغبة غريبة قائلين : ً ليت لبنان كانت لها حدود مع الجزائر ً ربما لأنهم أحسوا بدفئها الصادق . وآخر موقف سجله مهرجان جميلة الذي شكل توأمة مع مهرجان بعلبك الذي كان من المقرر إقامته في لبنان لكن نار الحرب كتمت أنفاسه ... مهرجان جميلة كان منبرا حرا لسميحة أيوب ومارسيل خليفة وغيرهما من الفنانين العرب ليعبروا عن تضامنهم مع الشعب اللبناني ورفضهم لهمجية إسرائيل التي تحارب العرب بالنيابة عن أمريكا .

هذا الموقف الرسمي والشعبي للجزائر ليس غريبا عنها وهي التي كانت حاضرة في كل أزمات الأمة العربية وتعاملت معها بصدق إيجابي وفعال وكانت ذات يوم الحضن الدافئ للقضية الفلسطينية حيث كانت مسرحا لإعلان الدولة الفلسطينية سنة ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين .

هذه المواقف المشرفة للجزائر مصدرها أنها تعي جيدا معنى الاستعمار وتعرف جيدا همجية العدو الذي لا يرحم طفلا ولا امرأة ولا عجوزا ولا شجرا ولا حجرا ولا حيوانا ... الجزائر تعرف جيدا معنى التقتيل والإبادة الجماعية والتجويع والحصار والتشويه للجسد والنفس ، لأنها عانت من هذه الهمجية قبل نصف قرن من الزمن ومازالت آثارها عالقة بعقول الجزائريين الذين دفعوا أكثر من مليون ونصف مليون شهيد في سبيل الحرية ، ولهذا كانت ولا تزال لبنان في قلب الجزائر .
 
الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.
Top