ضرب الزوجات.. بين الداء والدواء

الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.

cristal

:: عضو مُشارك ::
إنضم
20 أوت 2008
المشاركات
477
الإعجابات
0
النقاط
16
#1
آثر الله سبحانه المرأة بمفاتيح جمة لجلب السعادة على أسرتها، وحباها بمعطيات كثيرة هي عنوان الهناء إن أحسنت استخدامها، فقوتها في لينها، وجمالها في حيائها، وسطوتها في ابتسامتها. ومن ثم فهي تمتلك أسباب السعادة بأسرها، وكذلك العكس، وكثيرًا ما تكون المرأة سبب السعادة في البيوت الناجحة أو سبب الشقاء في البيوت التعيسة النكدة، والمرأة الصالحة هي التي تستوعب زوجها، وتتغاضى عن الزلات، وتقيل العثرات.
ذكر الإمام ابن الجوزي أن محمد بن عيسى قال: أراد شعيب بن حرب أن يتزوج امرأة، فقال لها: إني سيئ الخلق. فقالت: أسوأ منك من أحوجك لأن تكون سيئ الخلق، فقال: أنت إذاً امرأتي (1).
وقد ورد في الحديث الذي رواه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعا "من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء".
وقد كانت كريمات النساء تعرف كيف تكسب قلب زوجها، وتقدر له مكانته، فقد حكى ابن الجوزي أن ابنة سعيد بن المسيب - وهي من هي في علو مكانتها وكرم بيتها - كانت تقول: "ما كنا نكلم أزواجنا إلا كما تكلمون أمراءكم" (2).
وإذا لم يُرزق العبد الزوجة الصالحة فما أضيق العيش، وما أظلم الحياة من حوله.
قال أبو بكر ابن العربي الفقيه المالكي: (إذا لم يبعث الله سبحانه للرجل زوجة صالحة وعبدا مستقيما فإنه لا يستقيم أمره معهما إلا بذهاب جزء من دينه)، ثم عقب قائلا: (وذلك مشاهد معلوم بالتجربة) (3).
وما يقال عن المرأة الصالحة التي تغمر حياة الأسرة بالفرحة والبسمة يقال مثله عن الرجل الصالح، وفي البيوت السعيدة المستقرة غير وارد في قواميسهم لفظ الضرب ولا مشتقاته، سواء من الرجل للمرأة أو من المرأة للرجل.
إذ كيف يضرب الرجل زوجته - أو تضرب الزوجة زوجها- وهو جزء منها وهي جزء منه، ولسان حالهما يقول: لا تمتد يد أحدنا إلى الآخر إلا بما يجلب له السعادة، أو يمسح عنه العناء.
وقد حكى الإمام الشعبي أن شريحا - القاضي- تزوج امرأة من بني تميم يقال لها زينب، ورأى منها كريم المعشر ولطيف الأنس، وحسن الصحبة ما جعله يقول يوم وفاتها: "وددت أني قاسمتها عمري أو مت أنا وهي في يوم واحد"،(4) ثم قال: "رأيت رجالا يضربون نساءهم فشلت يميني يوم أضرب زينبا"
وحتى ترفرف السعادة على البيوت الصالحة لا تسمع عن مشاكل تتعلق بضرب الزوج زوجته أو بضرب الزوجة زوجها.
ولكن ما بين الحين والآخر والفينة والأخرى نسمع ونقرأ عن حكاية الضرب بين الأزواج، وقد سمعنا أخيرا عن ضرب إحدى الزوجات لزوجها بعد أن أصابه المرض ولم يعد يقوى على ضربها كما كان في السابق.
ويحدث هذا في ظل غياب التوجيهات الإسلامية عن واقع المسلمين، وكذلك في ظل غياب الضميرالحي، وأخيراً في ظل غياب المفاهيم الصحيحة وانتشار مفاهيم خاطئة عن معنى الأسرة والرجولة والسعادة والقوامة.
وإذا كانت قضية الضرب بين الأزواج كحل للمنازعات والمشكلات تطفو على سطح المجتمع بين الحين والآخر، فما هو حكم الضرب؟ وما هي صفة الضرب عند القائلين بإباحته؟ وهل الضرب وسيلة حتمية الاستخدام ما دام قد ورد ذكره في القرآن؟
هذه الأسئلة نحاول الإجابة عنها في السطور التالية:
إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
بداية لا بد أن يفهم كلا الزوجين أن ارتباطهما ببعضهما آية من آيات الله وأن الحياة بينهما يجب أن تقوم على المحبة والرحمة والأنس والسكن، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(5).
كذلك يجب أن يفهم كل منهما أن الحياة إذا لم تقم على الإمساك بالمعروف فلا بديل عن التسريح بإحسان، وأنه إذا تعذر الوفاق وعز الوئام فلا مناص من الفرقة، {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً}(6).
قال القرطبي في معنى إغناء الله تعالى لكل منهما: أي (يقبض للرجل امرأة تقر بها عينه وللمرأة من يوسع عليها) (7).
وقضية الضرب بين الأزواج تنتشر في بعض البيئات وعند بعض النفوس التي يغيب فيها الوعي الإسلامي وتنزوي فيها لغة الحوار والتفاهم، ولم يكن ضرب الأزواج لزوجاتهم الوارد في القرآن الكريم في حال النشوز كل العلاج ولا أوله، بل كان واحدًا من العلاجات كما كان آخره.
قال تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}(8).
فقد سلك القرآن الكريم في علاج نشوز المرأة طريقًا حكيمًا مستورًا، ووكله إلى الزوج فأرشده إلى (أن يعالجها بالنصح والإرشاد عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة، ثم بالهجر إذا لم يثمر الوعظ، ثم بقليل من الإيذاء البدني إذا اشتد بها الصلف وأسرفت على الطغيان) كما يقول الشيخ محمود شلتوت(9).
ومن ثم فالنساء لسن سواء في طريقة العلاج، بل تختلف كل منهن عن الأخرى بحكم اختلاف البيئات وطبيعة النشأة ومستوى الوعي والطبائع، (فالتي يكفيها الوعظ بالقول لا يتخذ معها سواه، والتي يصلحها الهجر تقف بها عند حده، وهناك صنف من النساء معروف في بعض البيئات لا تنفع فيه موعظة ولا يكترث بهجر، وفي هذا الصنف أبيح للرجل نوع من التأديب المادي وجعله القرآن آخر الوسائل الإصلاحية التي يملكها الرجل وبذلك كان كالدواء الأخير الذي لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة) (10).
يقول ابن العربي المالكي: (والذي عندي أن الرجال والنساء لا يستوون في ذلك، فإن العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة، ومن النساء من لا يقومها إلا الأدب فإذا علم ذلك الرجل فله أن يؤدب، وإن ترك فهو أفضل) (11).
وقد قال القرطبي في اختيار الوسيلة لعلاج نشوز المرأة: (يختلف الحال من أدب الرفيعة، والدنيئة، فأدب الرفيعة العذل، وأدب الدنيئة السوط، وقال بشار: الحر يلحى والعصا للعبد) ومعنى يُلحى أي يلام (12).
إباحة الضرب للتأديب
وما ورد في القرآن والسنة عن ضرب الرجل زوجته عند النشوز لا يخرج عن صفة الإباحة.
قال تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} (13).
ظاهرة متى تنتهي؟

قال الإمام القرطبي: (لم يأمر الله عز وجل في شيء من كتابه بالضرب صراحا إلا هنا وفي الحدود والعظام، فساوى معصيتهن لأزواجهن بمعصية الكبائر، وولى الأزواج ذلك دون الأئمة وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء).
قال المهلب:" إنما جوز ضرب النساء ومن أجل امتناعهن على أزواجهن في المباضعة" (14).وقد أخرج الإمام الترمذي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ وكان مما قاله: "استوصوا بالنساء خيرا فإنما هنّ عوان عندكم ـ أي أسرى بأيديكم ـ ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" (15).
والفاحشة الواردة في الحديث إنما هي البذاء، لا الزنا كما فسرها العلماء وفي الحديث إباحة الضرب للتأديب، وهو مقيد على كل حاج بألا يكون مبرحا أي لا يظهر له أثر على البدن من جرح أو كسر(16).
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث إياسي بن عبد الله بن أبي ذباب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تضربوا إماء الله"، فجاء عمر فقال: قد زئر النساء على أزواجهن -أي نشزن أو عصين- فأذن لهم فضربوهن، فأطاف بآل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساء كثير. فقال: "لقد طاف بآل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبعون امرأة كلهن يشكين أزواجهن، ولا تجدون أولئك خياركم". وفي رواية "لن يضرب خياركم".
وعقب الحافظ ابن حجر العسقلاني على هذا بقوله: (وفي قوله: "لن يضرب خياركم" دلالة على أن ضربهن مباح في الجملة، ومحل ذلك أن يضربها تأديبًا إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، فإن اكتفى بالتهديد كان أفضل، ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل، لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجية إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله) (17).
وقال الشافعي معقبا على الحديث السابق: (يحتمل أن يكون النهي على الاختيار، والإذن فيه على الإباحة، ويحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضربهن ثم أذن بعد نزولها فيه)(18).
الضرب ليس وسيلة حتمية في علاج نشوز المرأة
ومع كل ما ورد في القرآن والسنة فإن الضرب ليس وسيلة حتمية لعلاج نشوز المرأة، ولكنه وسيلة - إلى جوار وسائل أخرى كثيرة - قد يضطر الرجل لإتيانها، وقد تكون ناجحة مع امرأة، وقد تأتي بنتائج عكسية مع أخريات، فإن من النساء من تجرحها الكلمة ويؤذيها رفع الصوت فضلا عن وقوع الضرب.
وإن كان الضرب مباحا للتأديب بوصفه الوارد في السنة، فتركه أفضل، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة، فقد روى مسلم بسنده عن عائشة -رضي الله عنها- قال: "ما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله).
قال النووي معقبا: (فيه أن ضرب الزوجة والخادم والدابة، وإن كان مباحًا للأدب فتركه أفضل)(19).
وروى البخاري بسنده عن عبد الله بن زمعة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم" (20).
ذهب ابن حجر إلى جوانب ضرب النساء للتأديب ثم عقب على الحديث بقوله: (وفي سياقه استبعاد وقوع الأمرين من العاقل، والمجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع ميل النفس والرغبة في العشرة، والمجلود غالبا ينفر ممن جلده، فوقعت الإشارة إلى ذم ذلك وأنه -وإن كان لا بد منه- فليكن التأديب بالضرب اليسير، بحيث لا يحصل منه النفور التام فلا يفرط في الضرب ولا يفرط في التأديب) (21).
وقد كره عطاء ضرب النساء وقال: (لا يضربها وإن أمرها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها)، وعقب القاضي على قول عطاء بقوله: (هذا من فقه عطاء، فإنه من فهمه بالشريعة ووقوفه على مظان الاجتهاد علم أن الأمر بالضرب ها هنا أمر إباحة، ووقف على الكراهية من طريق أخرى في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عبد الله بن زمعة ـ السابق ذكره ـ "إني لأكره" للرجل أن يضرب أمته عند غضبه ولعله يضاجعها من يومه... فأباح وندب إلى الترك، وإن الهجر لغاية الأدب) (22).
وما يخلص إليه هو أن الضرب ليس وسيلة حتمية الاستخدام في علاج نشوز المرأة، وأن خيار الرجال لا يضربون نساءهم، كما أن الضرب ليس كل العلاج ولا أوله، وقد لا يستخدم مطلقًا، وأنه قد يصلح مع بعض النساء كوسيلة لعلاج النشوز، وقد لا يصلح مع كثيرات، وإن كان لا بد من استخدامه، فليكن للتأديب مع تجنب الضرب الذي يترك إيذاء بدنيا من كسر أو جرح.
وكذلك لا ينبغي أن يكون سمتًا عامًّا للرجل مع زوجته داخل الحياة الأسرية وإلا انقلبت إلى جحيم، وإنما قد يقع نادرًا ويحدث قليلاً؛ لأن الأمر لا يسلم من وقوع زلة من الرجل ساعة غضب، تخرجه عن اعتداله، فتكون منه الهفوة التي تغتفر في بحر الحسنات. ومن زاد فضله على فضله وهب نقصته لفضله.
وكذلك ينبغي على المرأة العاقلة ألا تلجئ زوجها إلى استخدام هذه الوسيلة، بل تعينه على أن يتحاشى ما يؤدي إلى استخدامها من شطط في القول أو الفعل .
 
الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.
Top